مولانا
قصة قصيرة
أسامة الرحيمي
ـ
أو حتى بيته يقع علي دماغه !!
ـ
يا سلاااااام .. كانت الدنيا تروق
بدا
حلما عصيا، لكنه بقي غاليا في المنام واليقظة وظلت أطيافه تترى بمخيلاتنا
فلم
يكن أجمل من غمضة علي تداعيات رحيله
كنا
أثناء الترتيل نستحلب الأمنية في ظلمات رؤوسنا ونفرشها وسط طنين الهمهمات الثقيل، ونستحلف
ربنا
"
بحياة القرآن" أن يحققها، فإن فعل سنصلي له، ونزكي، لغاية يوم القيامة، ونقسم
بوضع المصاحف علي أعيننا خلسة، فنعرف أننا نفكر في الشيء ذاته جماعة ..
ـ
ماذا لو هربت؟!
أكثر
سؤال تردد في أذهاننا سرا .
وكانت
إجابته ترعدنا .
فالفلقة
تنتظر أي مارق لتلتقم رجليه وتعتصرها بحبلها وتسلمها لعصا مولانا، كما حدث مع
" ابن الدقماق" الذي ظل مولانا يضربة " لغاية ما رجله جابت
دم"، ورقد اسبوعين عاجزا عن الوقوف .
لذا
لم نجاهر بفكرة الهروب أبدا وإن ظلت تراودنا، وتصاحبنا كظلنا..
ـ
والنبي يارب !!
توسل
بحرارة لمّا أخبرته أني حلمت بجنازة مولانا ومشيت فيها، .. وهمس .. " هل يمكن
هذا ! " .
وضحكنا
من هول تجرؤنا .. لااااااه .. إن الله يحبه أكثر منا لأنه أحفظ الناس للقرآن، وعلّمه
لمن سبقونا.. وهو حسبه ليطيل عمره مثل سيدنا نوح !
نصحو
قبل الشروق، ونخرج من دورنا في وقت موحد تقريبا، نترنح من أثر النوم، ونتساند علي
الحوائط، ونجرجر أرجلنا، وأجولة قديمة نفترشها في الكُتّاب، ونطبق آباطنا علي
المصاحف، وحول بيت مولانا نتراص بمحاذاة الدور المحيطة، نتثاءب، ونلقي رؤوسنا علي
أكتاف بعضنا، ونغمض علي حسد أليم لمن ينعمون بفراشهم !
نفيق
علي طقطقة الباب وصوت زوجة مولانا !!
تدعونا
للدخول، فنفرش أجولتنا بحذر ونجلس في صمت، ونتمنى ألا يصحو أبدا، ونرتكن برؤوسنا
لنكمل نومتنا، وتزكمنا رائحة طين طريّ رمّمت به زوجة مولانا الحوائط ليلا ..
يعلو
شخيره تدريجيا في آذاننا، كأن يدا خفية ترفعه مثل صوت الراديو
نتوجس
ونفرك
أعيننا لنتخلص من بقايا النوم، ونراقب باب غرفته، ويتفاقم الخوف في قلوبنا لانقطاع
صوته، ونتبادل إشارات التنبيه، ونمسح وجوهنا، ونسوى ملابسنا، ونعتدل في جلستنا،
ونشد ظهورنا ..
استيقظ!
نرتج
مع أزيز الباب، وندعو الله في سرائرنا ..
يارب
لا تريه جيبي المقطوع
وإبعد
نظره عن أزراري المخلوعة
الحمد
لله عيني نظيفة من العُمَاص
في
تلك اللحظة .. كانت نقائصنا تباغتنا، ولا نعرف كيف يلمحها ببساطة !
يخرج
مغمضا، زامّا شفتيه، يسّاند علي الحائط .. مثلنا، كأنه يود العودة إلي فراشه،
ويتثاءب "مخمخما"، وهو يهرش كرشه
سرواله
أكبر من جلباب زوجته، وفانلته تُفَصِّل جلبابين للعيّل منا
يمضي
دون أن ينظر إلينا، كأننا غير موجودين أصلا، وتسرع زوجته لفتح نافذة الغرفة، وتحمل
"لوفته" التي تليق بجمل، وتلحق به، ثم تعود مهرولة لتسوي الفراش
نسمع
ضراطه .. إنفجارات متلاحقة .. رائحتها تصلنا زاعقة، نغمض منها، ونكمم أنوفنا ..
يابن
الكلب يا جيفة !
يوميا
.. كان إبراهيم يردد جملته هذه .. فيقتلنا بها.. كَتْمُ الضحك يمزق بطوننا..
إبراهيم
أول من ناوش خوفنا، وأعلنها نيابة عنا، ونكش مشاعرنا، وعلمنا أن نشتمه بلا وجل،
وكان يَسُبَّه من دون تردد وبلا مناسبة، و"طفش" مرات متتالية، وأكد لنا
أن صعوبة الفلقة تكون في المرة الأولي فقط، وأنه لن يتوقف عن الهرب من الكُتّاب إلا
إذا تركوه لحال سبيله، وصار غرامنا أن نهدده بإبلاغ مولانا فيشخر ساخرا، ويمطره
بشتائم نابية، ويسمعنا موالاً عن الخسيس، ولا يتركنا إلا جثثا أنهكها الضحك ..
وكان
له ما أراد، حين أقعد المرض أباه، فحل مكانه في " لمّ البيض"، وكثيرا ما
صادفناه متأبطا سلّته الفارغة قاصدا القري المجاورة، فنحسده علي حريته، وجولاته في
بلاد ربنا، .. ونشاغبه ليسبّ مولانا وينتقم لنا منه، فكان يلوح لنا قبل أن يختفي
وهو يتقافز:
سلمُوا
لِي على الشيخ جِلَّة
يخرج
مولانا من حَمَّامِه كعجل متعاجب، وجهه أحمر، وجسده السمين يرتج، وتفوح منه رائحة
الصابون منعشة، وزوجته من خلفه تصلي علي النبي..
في
عودته هذه كان يرانا بعين فاحصة، فترتعد أجسادنا
وكانت
هفوة واحدة كأن يفرد أي عيّل طرف جواله كافية لينقض عليه مثل فحل سَابَ من خِطامه يركله
ويلطمه بضربات أكثر من احتمال الجسد الهزيل، وكان يغادرنا إلي غرفته مخلفا آهات
أليمة، ودموع، وعظم مدكوك، أو أنف مجدوع اختلط سائله بالدم ..
كنت
أتحسب للحظات التالية بسبب نظراتهم العاتبة، وسؤالهم الذبيح..
لماذا
لا يضربك مثلنا ؟!
تمنيت
لو يساويني بهم، لكنهم لم يصدقوني أبدا، حتى في المرات التي كنت أبكي فيها معهم "
بحق وحقيق"، ظل الحزن في عيونهم أعمق من صدق مبرراتي، لأن زوجة مولانا كانت
تناديني في تلك اللحظة الحرجة، وتهمس بطلبها اليومي ..
نظراتهم
كانت ألسع من الكرابيج !!
أقاسمهم
الضحك، والحزن، والطعام، والحلم بموت مولانا بجد ...
لكنهم
ظلوا علي عنادهم، ولم يجيزوني في عالمهم، فشرطهم هو الضرب والتوجع، وكراهية
الكُتّاب من صميم القلب، وهو ما أحسّه مثلهم ..
لكنه
قانون مولانا لا يد لي فيه، ولا أستطيع تغييره
فوجودي
لا يعنيه في شيئ غير إحضار الجُبن الصابح من معملنا لإفطاره يوميا، وهو لا يهتم
بتحفيظي القرآن مثلهم ..
ـ
روح هات خرطة جبن لعريفك بسرعة..
هكذا
كانت زوجته توشوشني كل صباح علي عتبة الدار وهي تصوبني نحو الشارع ..
في
البدايات شعرت بتميز، تحول إلي مرارة بمضي الوقت، وباتت المهمة تثقل ضميري، فلم
أجد مفرا منها أفضل من تمني موته معهم، ففيه خلاص من عذابنا جميعا ..
من
معملنا آخذ أكبر خرطة وألفّها مع قصاقيص الجبن التي تحبها زوجة مولانا لأنها أطري
ومِلْحُها أقل ..
أكثر
من مرة اعترض الصُنّاع علي الكمية فنهاهم أبي وهو يضحك عاليا ساخرا من مولانا :
ـ
سيبوه .. لو جاع يطيح بالعيال .. أو ياكل واحد منهم ..
ضحكوا
.. فهمس :
ـ
.. كله بثوابه
أتلكأ
في طريقي غير مبال فتلاقيني متلهفة وتخطف اللفّة وتهرول عائدة ..
أندس
خجلا بين العيال لأنهم يعرفون ما فعلت ..
كبار
الكُتّاب توافدوا .. يعلو سحنهم أدب لزج لم أصدقه يوما
يحملون
مصاحف مجلدة نظيفة بعضها مُذهّب، ويتحركون بحرية نحسدهم عليها كأنهم لا يخافونه،
يفتحون أبواب الحجرات بلا وجل، ويجلسون علي أجولتهم النظيفة بعيدا عنا، لكل منهم
مكان معلوم لا يعتدي عليه آخر، ولهم فنطاس ماء نظيف جدا، بغطاء خشبي محكم، لا يجرؤ
أحدنا علي كشفه أو الشرب منه .. شربت منه خلسة مرات، طعم ماءه أحلي .. كل شيء
عندهم أفضل !
علي
جدار الخالة سرية المقابل كنا نتابع حركة الشمس والظلال علي نتوءات خشبية لنحدد
المواقيت ..
ظل
النتوء الصغير إذا أدرك الفلق الطيني الكبير فهو موعد فسحة " التسيير" ـ
التبول ـ
وإذا
استطال ظل النتوء الأكبر وتخطي سن الظل الأصغر فهو الغذاء والقيلولة
وتماهى
ضوء الشمس الذهبي في رمادية الطين يعني أن وقت الرواح حان، وأوان اللعب بات مفتوحا
علي الليل بطوله، والمصاطب كثيرة، والحواديت لا تنتهي ..
بترتيل
الكبار المُقبِض، وهمهمة الصغار كان يوم الكُتّاب يبدأ.. في أيام لم نكن نري لها
نهاية إلا القيامة ..
مولانا
يتربع علي دِكّتِهْ، كفرعون في جلبابه الفضفاض النظيف
تأتيه
زوجته بصينية الأكل .. تلاً من خبزِ صابح، وكومة الجُبن الذي أحضرته، وصحن فول
كبير، وحزمة كُرّات نديّ، وقُلّة ماء بطنها كبيرة
يبسمل
وهو يقطع الخبز بأصابعه الغليظة لمزق كبيرة يضبط حوافها، ويجرف بها الفول مرة،
والجبن مرة، يُتبعها بأعواد كرات مطبوقة، تخرطها أسنانه بصوت، وفكه القوي يطحن كل
شيء فتتحرك طاقيته مع المضغ، وقبل أن يفرغ بفمه يلتقم غيره ..
لعابي
كان يسيل لصوت "قَرشْ رأس الكرات"، فطريقته تحيل الأكل إلي متعة
حاولت
تقليده لكن أمي كانت ترفض دخول الكرّات بيتنا !!
تفرغ
الأطباق، ويختفي تل الخبز، ويرفع القلٌة إلي فمه ويمزّ الماءً، ثم يتجشأ بصوت
كالطبل
منعتني
أمي كثيرا من تمثُّلهِ، وحين أخبرتها سبب المحاولة ضحكت وقالت لم يكذب المثل عن "
الغَرقَة في بطن فقي".
يمسح
فمه بيديه ويفركهما ببعضهما، وهي تضع الشاي أمامه وتحمل الصينية، فيرفع الكوب ويتأمله
بعين "مزرورة" وينظف متخللات أسنانه بلسانه بمصمصة مسموعة ..
يغمض
عينيه ويمط شفتيه ويشفط .. ويتنهد مستعذبا المذاق، ويستند برأسه للخلف.. ساعتها
نعرف أنه "عدل دماغه" ..
ساعة
"التسميع" أزفت لا ريب فيها !!
يُمعن
الصغار في رفع أصواتهم، ويجاهر الكبار بقرائتهم الصحيحة فيهش لهم ويصيح مبتهجا:
ـ
هييييه ...هييييه يا مكتب
يهتز
الجميع هزّاً.. صيحته ترفع موجات الترتيل المتداخلة، فتتمايل أبدان العيال متناغمة
كأنها مربوطة بحبل خفيّ يرواحها بآلية منضبطة..
يتنفس
الأصوات فيمتلأ رأسه بالقرآن
ينادي
الكبار بصوت ودود، فيفزّون بنشاط وينتظمون في صفين، يتمايلون بثقة وهم يكملون
قراءتهم، فيغمض ويحكم الطاقية علي رأسه، ويعتدل في جلسته، ويشير للأول:
ـ
سمّع..
بغُنّة
حنون ينطلق الولد الكبير، وبصوت يزداد حلاوة كلما أوغل، يضم المصحف المغلق إلي
صدره، ويتمايل مغمضا، وتستضيء ملامحه برضا الله، وتخفت الأصوات تدريجيا، مفسحة له،
كأنه صوت الشيخ الحصري، يشيع الطمأنينة في المكان ..
يرعدني
وميض حسد في أعماقي .. لما لا أصبح مثله !
ما
هذه القدرة .. وكيف لان له القرآن هكذا !
يغمض
مولانا ويتطوح عكس اتجاه الولد الكبير، وتطفر من عينيه الدموع، كمُحب أَمضّه طول
الفراق،
والولد
لا يترفق به .. فكل آية تجلو حِسَّه أكثر، ويحلق بمولانا أعلي، فيهزّ رأسه في نصف
دائرة منتشيا، وينهي الولد فيصيح:
ـ
فتح الله عليك.. ربنا يكرمك .. اللي بعده
يفتح
مصحفه متمهلا، ويرتل متئدا، ويصّاعد صوته بلا تعثر، وتسلس له الآيات، وتستخف
مولانا حلاوة الترتيل فيقبض علي مسند الدكّة كأنه يخشي الوقوع، ويتنفس ملء رئتيه،
ويأتلق وجهه، ويفتر ثغره عن سن بيضاء، وتشرق ملامحه ببريق ينعكس في عيون العيال،
ويسري خدر الترتيل، فيتوافق تمايلهم، وتحوم همهماتهم كأسراب حمام فوق سطوح الدور، تنثر
آي الذكر الحكيم في الدروب والحقول، فتشفي المرضي، وتبارك المحاصيل، وتفعم
الضروع..
هكذا
يفعلها الكبار، يحمون مولانا من غضب الله، ويحرموننا حلمنا الكبير، لأنهم يقرأون
بلا تلعثم، وينشرون البهجة، ويطربونه ويستعيدهم، فيكررون بِحِيَلِ أرقي، ويتجلي
رضاه في شتم الولد الكبير بجملة منغومة اشتهرت عنه :
ـ
هات من الأول يابن ستين كلب!!
كأنها
من القراءات ..
كان
يحلو لنا ترديدها وقت اللهو حين نتندر بأقواله، وقليلون منا برعوا بتقليده، وكنا نتباري
علي المصاطب في تقمص أفعاله، ونضج بالضحك، ونَتَقَلب علي الأرض حين يتألق أحدنا في
كبس الطاقية على رأسه مُشَخِصَا جلسته ويصفق :
هيييه
.. هيييه يا مكتب..
هات
من الأول يابن ستين كلب ..
يخفض
صوته ويردد خلف الولد الماثل بين يديه، ويُجوّد معه، ونتابع نحن برهبة، فانتهاء
الولد إيذان بحلول دورنا، فنستجير بحائط الخالة سرية، نتعجل ظلال النتوءات، ونراقب
كف مولانا، ففي إشارتها نجاتنا، وفُسحة " فك الزنقة" ..
أكثر
من مرة يرفع كفّه ليمسح وجهه، أو يعدل طاقيته فنظنها علامة انصراف ونهرول إلي
الشارع، فإذا تصادف ذلك مع مزاجه الرائق ابتسم لتعجلنا الفسحة، وترتسم علي وجهه
ابتسامة تَوَعُد كنا نفهمها، ولو كان متكدرا لأي سبب يزوم بصوت صارم:
ـ
اقعد يابن الكلب منك له
ويلعن
سلسال جدودنا الزفر، ويحرمنا من الفسحتين..
كان
عقابا أليماً ..
ـ
يارب !
نرددها
بعدد دقات قلوبنا، وأبصارنا معلقة بأصابعه، ننتظر بنفاد صبر تلك اللحظة الفارقة بين
"حصرة البول" والخلاص من نباح المثانة ..
لإدراكه
أهمية تلك الثواني، وتلهفنا، كان يتفنن في ملاعبتنا كأنه لا يقصد، ونقسم في سرّنا
أن الله خلقه فقط ليعذبنا في هذي اللحظة
يميل
علي مسند الدكّة ببطيء، ويسحب يده بحذر، ويخلع طاقيته ويلبسها في ركبته، ويمسد
شعره النابت، ويتثاءب بكسل، ثم يعود لسابق جلسته، وينظر ناحيتنا فيفاجأ بنظراتنا،
كعيون القطط الجائعة، يبتسم خلسة، وينزل رجليه ناحية مَدَاسِه ويلاعبه بأصابع
قدمه، وبغتة يشير بعلامة الانصراف، وقبل أن يرتد إليه كفّه نتناثر في الشوارع المجاورة، نلعن أبوه وأمه،
ونطرطش غضبنا مع البول علي الأرض وطين الحوائط ..
الفسحة
قصيرة، والوقت يغافلنا، ونعود متثاقلين نقضم بقايا أرغفتنا، وأحضر أنا كمية وفيرة
من الجبن الرومي لأصحابي، كان بعضهم يتناولونه بشغف، ويستبقونه في أفواههم ويفتتون
الفلفل الأسود بأسنانهم، ويستحلبونه بتلذذ، لكن بعضهم كانوا يرفضون بصلف أخذ أي شيء
مني، وكنت أتحاشي نظراتهم ..
الوقت
بين الفسحتين أسود ساعات النهار!
لم
نكن نحفظ مثل الكبار، وبعضنا كان عاجزا عن مجاراتهم، وقلة لا يبالون وأنا منهم ..
طابورنا
نحن الصغار كان يمتد إلي الشارع ونتنازع الأماكن ..
وكل
واحد يحاول أن يكون الأخير لعل الفسحة تدركه قبل أن يصل أمام مولانا ..
نتبادل
اللكمات السرية، والركلات في غفلة من مولانا، وإلا فالويل لمن يضبطه، وكانت تسوية
حسابات الطابور تتم بعيدا عن الكُتّاب آخر النهار ..
كل
هذا كان ينتهي باعتلائه الدِكّة، وظهور الفلقة، والجريدة بجواره ..
كانتا
تبدوان أكبر من حقيقتهما في أنظارنا، فنهرب إلي المصاحف، نستجير بها، ونستعطفها، ونستحلف
الآيات أن تلين، والذاكرة لتغيثنا من عثرات الصراط المستقيم ..
آآآآآآآه....
آآآآآآآه
عواء
المفزوع إذا مسّه الضرب
ووقع
الجريدة له لسع الصفعات، ويد مولانا عفية لا تعرف العفو ..
أنظر
بنصف عين من بين دفتي المصحف .. من أنت يا منكود؟
يضرب
الولدين الكبار الذين يمسكان الفلقة ليزُرّا الحبل أكثر فيعتصرا قدما الضحية،
والجريدة .. طالعة .. نازلة، وأوداج مولانا تنتفخ، وتأخذه جلالة الضرب، كأنه نسي،
ويستحيل كائنا مخيفا لا يقدر أحدا علي إيقافه، حتي ينبجس الدم المخنوق من القدم
المزرورة، ويطرطش علي جلباب مولانا ووجهه وطاقيته، وعلي العيال المحيطين ..
يمسح
مولانا أنفه وينظر للدم علي أصابعه ويقول:
ـ
سيبوه ..
بدا
شاردا بعدما اغتسل وبدّل جلبابه، ورحنا نقرأ بصوت عال لمقاومة الرعب المنسرب في أوصالنا
.. لم أعد أري الكلمات، تماهت السطور، فَخِلت نتفا من لحم الولد علي الصفحتين .. مسحتهما
بكفي فلم أجد شيئا، لكنها ظلت ترتعش كالبالوظة .. إنفقأ الدمع في عيني فرأيت
الأشياء واضحة مرة أخري، فظهر مولانا قابعا مكانه ..
تحرك
الطابور للأمام، فحمدت الله علي حالي، وجففت عيني، وقررت أن أُزيد الجُبن، واستهنت
بنظرات العيال، فالجريدة أوجع منها، وقلت لنفسي لو كان أحدهم مكاني لفعل مثلي، ثم
..
ثم..
لم يعد أمامي سوي عيلين..
يارب
..
هل
سيتذكرني، أم سيعميه غضبه عن الجُبن الذي يلتهمه كل صباح، ليكن ما يكون فأبي موجود
..
إنطق
يا بجم يابن البجم
ارتعد
عبده وحاول أن ينطق فارتبك أكثر:
نعقة
الله وسقياها..آ..آ
بكلتا
يديه أطاح عبده وانقض عليه يلطمه ويركله:
نعقة
إيه يابن الواطي؟...دا قرآن جديد يا .. أمك
وقف
في بطنه برجليه، وراح يبدلهما، فانقطع نفس عبده، وعجز عن التأوه، وزاغت عيناه، كمن
يحتضر، فمه مفتوحا بلا صوت، وسمعنا صوت تمزق .. هل كل هذا من أجل حفظ القرآن !
آ
آ آ آ آ آ آ آ ه ه ه ه ه
مباغتة
كطلقة، لم نسمع مثلها أبدا..
إهتز
لها العيال، ووجموا جميعا ..
حتي
الكبار صمتوا، وشردت أبصارهم ..
وثبت
المشهد، وكان مولانا أول المتحركين وانسحب بتوجس وبطء، ورأيت عينه ترف، وتقلص وجهه
واستغفر الله بصوت مسموع ..
ضربتنا
رائحة حارقة من تحت جلباب عبده، وهو يهمهم بكلام غير مفهوم، ونحيبه جارح كرائحته..
دارت
رأسي ..
كمم
الجميع أنوفهم بعفوية، وتقيأ ولد بصوت كالعواء أغلقت المصحف واستندت علي ولد
بجواري فترنح بدوره، وهبّ العيال تباعا، كأنما قرروا الانصراف، وأشار مولانا
بعلامة الانصراف، وتحلق عيال حول عبده وحملوه وتناسوا رائحته الحادة، ومشوا به في
موكب صغير إلي بيته، وسلموه إلي أمه، التي أطلقت صراخا متصلا، وهي تضرب صدرها، وحين
مددوه علي السرير تأوه .. فَعَوت ..
أسرعت
إلي بيتنا وبكيت لأمي، فضمتني لكني لم أسترح، وبقيت ساهما علي الغذاء، وضحك أبي
مجلجلا حين عرف ما فعله مولانا، ومسح علي رأسي، ونصحني بالذهاب للإطمئنان علي عبده
..
كانت
القيلولة تجمعنا في الكُتّاب وتسلمنا للنوم وشوارد القيظ ..
ذات
يوم تمددت بجوار باب حجرة الضيوف، أحايل النوم، وأغبط العيال علي غطيطهم، تقلبت
ناحية الباب ووجدت أمام عيني شرخا، رأيت مولانا من خلاله يتمدد علي كنبة، يغط
عميقا وصوته بين الشخير والفحيح، يرتدي الفانلة الضخمة والسروال، وكرشه يعلو ويهبط
كبالون ضخم، تمنيت لو يصحو العيال كلهم وندخل عليه ونجري فوقه، وندوس في كرشه،
ونلطمه كما نشاء ..
سكينة
.. بنت يا سكينة
إلتفت
ناحية الصوت .. إمرأة فارعة ممتلئة، ألهبها القيظ فاحمرّ بياضها، وأضاء العرق
جبينها، وزادتها ملابسها السوداء الفخمة وهجا..
خفّت
إليها زوجة مولانا مهللة فبدت ضامرة بجوارها، والمرأة بدت أكثر شموخا.
ـ
الشيخ مركوب هنا ؟
ـ
مكوع شوية
ـ
نامت عليه حيطة..
وضحكت
بصوت له ذيل طويل، وابتسمت زوجة مولانا وهي تشير بيدها صوب الحجرة، وتقدمتا ناحيتي
فتنحيت، ودفعت المرأة الباب بقوة ودخلت، وأغلقت زوجة مولانا خلفها، وانحنت ناحيتي
مباهية:
ـ
دي ست من الأعيان في بلد جنبنا، وعليها بعيد عنك عفريت، وعريفك يخلصها منه.. وربنا
يعفينا...
شغفني
العفريت الذي سمعت الكثير عن أفاعيله، وفرحت لأني سأراه أخيرا، وعجبت لمواهب
مولانا ..
ألصقت
عيني بشق الباب ..
جلست
المرأة بجواره، ودلكت جسده فاستيقظ مبتسما، وجلس وهي تفك طرحتها، وتهوّي بها علي
وجهها، وهو يتحسس جسدها بحثا عن مكان العفريت، ومدت يدها تفك أزرار الجلباب خلف
رقبتها، ونزعته فأضاء جسدها الغرفة، وضمّها مولانا، يبدو أنه توصل لموضع العفريت ..
كتمت
أنفاسي لأري العفريت الماكر، لكن مولانا أمكر..
بدأت
المرأة تعاني من تنقل العفريت بين أنحاء جسدها، وتلوّت وهي تنزع بقية ملابسها
لتساعده في تحديد مكانه .. عفريت عنيد أرهقها .. وأتعب مولانا حتي بدأ يتصبب عرقا ..
تشنجت
وترنحت ناحية الأرض وفرشت جلبابها واجتذبته فمال عليها يتحايلان معا لاستخراج
العفريت
خلع
بقية ملابسه متلهفا .. يبدو أنهما عثرا عليه، وآن لي أن أراه
تري
ما شكل العفريت !
إنتفضت
من المفاجأة .. زوجة مولانا وضعت ذقنها فوق رأسي ونظرت من شرخ الباب معي، وهي تشير
لي بإصبعها أن أصمت، إبتلعت ريقها ولم تستطع حبس أنفاسها اللاهثة، وشهقت، ثم أسرعت
لداخل البيت، فعاودت المتابعة ..
أخذ
منهما العفريت مأخذه، وتلاحقت أنفاس مولانا، وتسارعت حركته، وشهقا معا، فضمته
بقوة، ثم استلقيا بأطراف مفككة..
أين الملعون ؟
هل
عجزا عن الإمساك به، أم خرج دون أن أراه، كيف فاتني هذا ؟
ابتسمت
ومسحت عرقه بطرحتها وهما يضحكان ..
ـ
وسّع يابني .. روح نام بعيد .. عيب
لا
أشعر بها أبدا.. تجيء وتختفي كالعفريت .. تحمل في يديها إبريق وطشت ومنشفة، طرقت
الباب ودخلت بخفة وأغلقته بقدمها، وخرجت سريعا وأحكمت إغلاقه، ومالت نحوي بعينين
مخيفتين وهمست بصرامة :
ـ
إياك تقول لحد اللي شفته، وإلا سأقول لعريفك، وانت عارف الفلقة .. العفاريت لاتحب
أن يراها أحد واللي يطلع سيرتها تؤذيه .. فاهم ..
إرتجفت
من نظرتها، فليست تلك هي المرأة الطيبة التي تستجدي مني الجُبن كل صباح، ولا
الخفيفة التي تقضي شؤونها هرولة ..
إكتشفت
أن العيال جميعهم يعرفون موضوع عفاريت مولانا هذه، وأنني الوحيد الذي لم يكن يعرف
تقريبا، وأن سيدات من أعيان قري مجاورة يأتين لمولانا ليساعدهن بعدما ذاع صيته ..
أخبرني
العيال بتفاصيل الأعمال، وربط العرسان، والحالات المستعصية التي تستدعي انتقال
مولانا إلي بلاد بعيدة، يعود منها مبتهجا، ليّنا، لا يضرب، ويتساهل في الحفظ
والتسميع، ويضاحكنا، ويلاعبنا بنثر حبوب الذرة ويطلب منا جمعها فنجري ونتصايح،
ونتصادم، ونشعر بوخز ضمائرنا لأننا قسونا عليه وتمنينا موته، فالرجل طيب ..
خصوصا
حين يكون علي سفر طويل، ويعتمر العمامة، ويرتدي جلباب السفر الأنيق، وينتعل حذاءه
البني اللامع .. كم كنا نحب رؤيته في تلك الهيئة، كان مهيبا وبشوشا قبل ذهابه وبعد عودته .. يمنحنا
إجازة، ويوزع شتائمه المحببة علي الجميع، نحبه هكذا ونفاخر به، ونلتمس الأعذار
لقسوته، فهو يريد مصلحتنا .. والقرآن لايحفظ إلا بالشدّة ..
بعد
سنوات طويلة سألت زوجته العجوز .. أين عريفي ؟
فبكت
...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق