الأحد، 1 أبريل 2012

إِنتَ بِعْتْ يا صلاح


         

                           إِنتَ بِعْتْ يا صلاح !*

                                                                  أسامة الرحيمي

الأستاذ صلاح عيسي

تحية واجبة .. وبعد  

طبيعي ألاّ تعرفني. لكني أعرفك جيدا شأن ملايين المصريين .

أنا أحد " الحزاني " على التبدلات التي لحقت بك في السنوات الأخيرة، واسمح لي بتوضيح أسبابي !

فالحكاية تعود للسبعينات آن كنا أغرارا، نتحسس خطانا علي استحياء، ونقرأ بعشوائية، تزامنا مع عودة الأحزاب السياسية، وصدور الأهالي لأول مرة، وكانت صوتا مغايرا، ومؤثرا، ساعدنا علي تجاوز سذاجة المرحلة، وتلقفنا ما تقدمه، فبرقت بأذهاننا ومضات الوعي الأولي، كاشفة، هادية .

وحين ضاقت بها السلطة وأوقفتها إنقبضت قلوبنا حزنا عليها، لكن أقدامنا كانت قد إستوت علي الطريق، وصرنا نعرف ما يجري، وما نريد .

وهللنا لإصدارها الثاني، واستقبلناها بشوق، فمحا وهجها أحزاننا، واستمتعنا بموادها، وتولعنا بالمقالات، لكن مقالاتك أنت كان لها وضع خاص، فإذا رأينا إسمك وصورتك في " يوميات " الصفحة الأخيرة اعتبرناه عددا مميزا بك .

كنا عشرات من طلاب الجامعة، نترقب مقالاتك، ونستحلبها في أذهاننا، ونعدِّد محاسنها. الفكرة، وعذوبة اللغة، والسخرية الملهمة، فكنت أبرع من أقنعنا بثقافة " الهدم والبناء" .

و"الأهبارية " الفريدة.. أعفتنا من الإنخداع برموز وهمية في الحياة العامة، وأعليت في نفوسنا شأن الحرية والعدالة والجمال، فَسَكَنتْ أفكارك وجداننا من دون أن تدري، وساهمت بشكل كبير في بلورة رؤانا .

ولا أظن أحدا ينسي مقالاتك التي كانت تهزّنا كأغصان الشجر، لبلاغتك، ونفاذ بصيرتك، وقدرتك الهائلة علي التصدي لمن قوّضوا دعائم البلد، بـ " شربة العم رشوان" و"الضفدعة شايلة المركب"، ومحطة الهلباوي" و" إن كان جرح قلبنا" عن عبد الناصر، ومقالتك الرائعة عن " أمك " التي اشترت لك أول كتبك من السوق، وكانت تدعو لك كل يوم عند صلاة الفجر، فتوافقنا بلا اتفاق وبالإجماع علي أنك مدفعية اليسار الثقيلة، ومداها الحيوي يُشكِلُ غطاء جويا نحتمي به .

وأدهشنا " حكايات من دفتر الوطن"، وتذاكرنا "مثقفون وعسكر"، والتهمنا بقية كتبك، وتبادلناها بفرح وسخاء.

وحين تركت الأهالي، فقدت ألقها بعيوننا، وكانت خسارة أليمة، ولم نصدق ما تردد عن لهفتك علي منصب رئيس التحرير . فأنت عندنا أكبر من كل رؤساء التحرير .

وأفكارك تهدم وتبني، تُخفِض وتَرفع، ومفعولها أعمق من دور الصحافة، وتأثيرها أبعد مما تري أنت بكثير .

وفي معركة القانون 93 كان الصحفيون يتحدثون كيفما اتفق، وقلوبهم مطمئنة لأنك في النهاية ستلملم أمانيهم بكلمات تُثبِّت الهِمَم، وتُشيع الحماس في النفوس، حتي أُلغِي القانون المشبوه .

ونذكر موقفك النقابي الحازم برفض التطبيع مع إسرائيل، والمؤكد لإلزام قرار الجمعية العمومية لجميع الصحفيين .

لكن " الفأر بدأ يلعب في عِبِّنا" حين كتبت " حنانيك يا سيادة الرئيس، .. ولك العتبي حتي ترضي .."، فشممنا دُخان التَخلِّي .    

ويبدو أننا وفق صورتك القديمة نسينا أنك إنسان عادي مثلنا !

وحين اعتليت جريدة القاهرة، قلنا لعلها تُعوّضك، وتعيدك إلينا، لأننا كنا بحاجة إليك أكثر من ذي قبل، فالأشياء راحت تتداعي من حولنا بوتيرة أسرع وأفدح .

وألهتنا قعقعة الانهيار العام عن إنهيارك أنت !

ومهما تخيلت فلن تدرك حجم صدمتنا، وخيبتنا الثقيلة فيك !

راوغنا. وهششنا هاجس فقدانك، وحاولنا إلتماس الأعذار لك، ونظرنا إلى الأرض خجلا، لعلك تعود و" .. تنفخ في صدورنا .. ونصحي من جديد .. " كما صرخ " محمد أبوسويلم" بالشيخ "حسونة" حين " تمرغ في تراب الميري" ونسي أهله .

تَذَكّرْ كلامك عن الرفيق "علي الشريف" في "دور دياب" بفيلم "الأرض" وهو يتلذذ " بساندوكش الطعمية " ؟!!

وباشتداد منافستك لأعضاء " أمانة السياسات" في الظهور علي الفضائيات، والدفاع عن " وزير الثقافة عَمَّال علي بَطَّال" أيْقَنّا بجلاء أنك دخلت " سكة "اللي يروح ما يرجعش" .

وتقديرا لتاريخك، فوضنا أمرنا إلي الله، وقلنا " عليه العوض " .

فلا تحسبن تسامحنا غفلة، بل إشفاقا وبقايا امتنان، وسكوتنا ليس رضا عما فعلت، بل عرفانا بجميل قديم، ولا تنسي أنك ممن علمونا، فامتلكنا وعيا يمكننا من رؤية الوهدة التي ترديت فيها، وبكل احترام نرفض دعوتك لإعادة النظر في " قرار الجمعية العمومية الملزم لكافة الصحفيين" إلي " غير ملزم"، لأنها ببساطة تطبيع مع عدو حرضتنا كثيرا علي كراهيته.

أستاذ صلاح .. أنت حر في نفسك ومواقفك الشخصية. وليتك تعلم أن " مدفعيتك" القديمة نخرها الصدأ، وباتت خُردَة كالسلاح الذي أضاع فلسطين، وتأثير أفكارك السقيمة الآن لايختلف عن مسدس ماء يلهو به الأطفال .

وأنا مضطر ـ بمنتهي الحياء ـ لتذكيرك بالمقولة التي أطلقها الفنان " بهجت عثمان" علي الشاعر "صلاح عبد الصبور "حين وافق علي اشتراك إسرائيل في معرض القاهرة للكتاب، في مرة يتيمة لم يجرؤ " ربّ عملك " علي تكرارها  .

قال له : " إنت بعت يا صلاح "  .. فمات !!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذه المقالة نشرت في الدستور الأصلي تحت عنوان " لا يغرنك تسامحنا معك "، لكن هذا هو عنوانها الأصلي، و ورد عليها  الأستاذ صلاح عيسي بطريقة فيها تجاوز استوجب كتابة مقالة ثانية بعنوان " أتمني لك عمرا أطول من الهلباوي"، وهي منشورة  هنا أيضا علي المدونة.  

                                  

       

 



 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق