الاثنين، 20 مايو 2013

ســليمان فـياض : تجــاربي لم يطـرقها غـيري


 
يري الواقع بحاجة لكتاب من الجيل الحالى
ســليمان فـياض : تجــاربي لم يطـرقها غـيري
 
المصدر:الأهرام اليومى ( 13 أكتوبر 2009 )
 
حوار : أسامة الرحيمي
 

سليمان فياض 

أدهشني دأبه بالرغم من تجاوزه الثمانين
استقبلني ثم سارع إلي الكمبيوتر ليوقفه
وقال بفرح ظاهر:"اليوم أنهيت كتابا في النحو بدأته قبل سنتين"!
وهن العظم منه حتي بدا ظهره كالعرجون القديم
والسمع لا يستقيم إلا بالسماعة
والبصر شحيح
لكنه ينعم بإرادة لا تلين
وذهن متقد
وقريحة حاضرة
وبسمة عفوية لاتفارق شفتيه
ولهفة علي مشاريع إبداعية تحتاج لعقود، منها جزءان لروايته الأخيرة "أيام مجاور".
وبعد الحوار سألني عن نقل المواد من الكمبيور إلي "الفلاشة"،
وكتب الخطوات علي الورق مثل طالب مجتهد وحدثني عن تحويل كتابه من "الإكسل" إلي "الوورد" قبل تسلميه للناشر
عادة يحسد الشيوخ الشباب علي الحيوية
لكني أمسكت الخشب خلسة ودعوت لعمي "سليمان فياض" بالصحة، وتحسرت علي أي مبدع يهدر عمره، ويبدد موهبته سدي.


* ــ روايتك الأخيرة "أيام مجاور" من أدب السيرة الذاتية، ومسيرة الإنسان تتقاطع عادة مع تجارب الآخرين، فلأي مدي يحق للأديب تناول حياة غيره في ابداعاته؟
ـ إذا كان لها اتصال بحياته فمن حقه أن يشير إليها، لأنه يتحرك وسطها ومعها، وبينه وبينها تأثير وتأثر وحوارات شتي، وما يرضي وما يغضب، كما بينه وبين الأماكن نفسها قبول ورفض، وحب وكراهية، ولا أتصور أن تكتب سيرة حقيقية خارج هذا الاطار، وهناك سير ركزت علي التكوين العقلي مثل سيرة محمود الربيعي، وتطرق الدكتور شكري عياد في سيرته إلي حياته العائلية والأصدقاء والأماكن، لكنها لم تأخذ كمالها الحقيقي، وسيرة أحمد أمين تكاد تكون ببلوجرافيا ممطوطة، وكان عليّ أن أجمع شتات الذكريات وانتقي منها ما يستحق، من الأماكن والناس والأحداث والأصدقاء، ونساء المدينة، وعمال السكك الحديدية، والمعسكرات، عبر سبع سنوات، ففترة الصبا من أغني مراحل الإنسان بخيرها وشرها، وللكاتب استخدام سيرة غيره بلا حدود إذا تجاوز نفسه، وحولها إلي عمل روائي، وكان صادقا في سرد طرائق الحياة التي كانت موجودة في عصره، وكنت أظن لفترة طويلة أن روايات نجيب محفوظ جزء من سيرته الذاتية، إلي أن عرفت كيف حوّل الناس الذين صادفهم إلي شخصيات في رواياته، ويتجاوز الواقع إلي أفكاره التجريدية، لأنه كان مشغولا بالموت والحياة، والقضايا الفلسفية الكبري، وأنا مشغول بالواقع، والواقع مليء بالثرثرة والفوضي، وعلي الكاتب أن يلم هذا الشتات في رؤية من خلال الشخصيات والمكان والزمان، وأن يكون مقنعا، فالصدق يجتذب القارئ ويثير خياله، ويحوله لفنان آخر يحس بالآخرين، كما يقول يحيي حقي "الفن جسر للتواصل بين الناس"،
*ــ لكن هل يحق للأديب استخدام سيرة غيره حتي لو كانت أحداثها جارحة؟
كتابة أسمائهم تعني القذف والتشهير وفق القانون والعرف، وحتي بالنسبة لأسرتي هناك أشياء لا أستطيع الكتابة عنها، فأنا أدرك سلفا أنني في بلد عربي إسلامي، ولست فرنسيا، وأننا مازلنا رهن المحظورات،
*ــ رأي البعض أن "أيام مجاور" مجرد تشكيل لخام تجربة عشتها، من دون اهتمام بفنيات الرواية، فهل يكفي الحكي المرسل لصناعة رواية بتقديرك؟
ـ لا تعنيني تقنيات الرواية، فالتقنيات يصنعها المبدع للناقد، وكل واحد يبرر الخربشة التي يفعلها بمصطلح ما، وعملية القص بالذات ينبغي أن تجيب عن الأسئلة الشهيرة: ماذا حدث، وأين، ومتي، وكيف، ولماذا حدث ما حدث، وعلي الكاتب أن يسأل نفسه: لماذا اختار هذه القصة، وهل هي صالحة للعمل عليها، الأمر الثاني المهم هو الشخصيات والحدث وتعارض المواقف الذي يصنع الدراما، ليكون هناك تشويق ومتعة وإفادة وإثارة تفكير القارئ فالأدب يجعل الجميع يفكرون، وبالفن تحقق أكثر مما يمكنك فعله بالمقالة،
*ــ قصتك "الشرنقة" روايتك الشهيرة "أصوات"، و"أيام مجاور"، وغيرها، تدور حول الصراع بين القيم والنزعات الإنسانية، فهل هي امتداد لهروبك من فترة الأزهر، أم أنها المخيلة تنهل من التجارب بلا قصد؟،
"ولسه الهروب مستمر" ليس من الأزهر فقط، بل من التعليم المدني البايظ أيضا، أصول التعليم المدني قبل الثورة كانت أفضل بكثير، والمبدع لابد أن يكون في حالة هروب وإدانة لواقعه، أوروبا الآن تبدع في الشكل لأن قضاياها الرئيسية تقريبا انتهت، لذلك هم دخلوا لعبة الخيال العلمي، أما نحن فكل مشاكلنا كما هي،
*ــ وماذا عن الصراع بين الثقافة الأزهرية والمبدع بداخلك؟
ـ منذ أن كان عمري 14سنة عام 143 لغاية 1956 كان ذهني مشغولا جدا بكتب الأزهر، ولم يحررني من ذلك إلا قراءة الكتب المتنوعة لكتاب مصر آنذاك، وكتب مترجمة، ومجلات ثقافية، ووقع في يدي بالصدفة كتاب خطير اسمه "عقيدتي" لـ"برتراند راسل" جعلني أقف علي أرض ثابتة، ترجمه عن الانجليزية "محمد السباعي" والد الكاتب يوسف السباعي، وهو يثير القضايا الإنسانية الكبري في كل العالم "من أين؟ وإلي أين؟"، الوجود والعدم، وعن ضرورة الفصل بين ما تفعله في أمور الدنيا وما تؤمن به، دفعني هذا الكتاب للتمعن في التعليم الأزهري لأعرف أين الخطأ؛ عندنا انفصال شبكي في عقل الأمة، تعليم أزهري في جانب، وتعليم حديث في جانب آخر، فصام في الشخصية، الصبح بالعمة، والليل بالطربوش، التربية الدينية كانت موجودة سابقا لطلاب العلم بالأزهر، لكن بمجرد جلوسهم علي الأدراج انقطعت صلتهم بالتربية الدينية، قبل إنشاء جامعة الأزهر الحديثة، وتأثير أبي التربوي عليّ كان أكثر من الأزهر ألف مرة، كان موظفا صغيرا لا يقبل الرشوة ولا الخطأ، فتطبعت بطبعه، وكل بيت يكون فيه أب متمسك بالقيم غنيا أو فقيرا يكون أفضل كثيرا علي أبنائه، والحقيقة أن التعليم الأزهري أفادني في البلاغة والفقه،
*ــ نري أثر دراستك الأزهرية في ابداعك، وكتبك في اللغة والنحو وعن العلماء العرب، لكن بالمقابل ألا يراك "رفاق الجراية" مارقا، بعد ما كشفته من عوالمهم الخفية؟
ـ يقولون عني "مارق" و"علماني"، ذات مرة لحق بي أحدهم وقال لي نحن طلبة كلية اللغة العربية فخورون بأنك منا، لكن "يا خسارة، العلمانيون أخذوك منا"، وهذا يدفعني للتساؤل: ما المانع من انتداب أساتذة من الكليات المدنية كدار العلوم والآداب والكليات الأخري ليدرسوا في الأزهر، لتعميم الفائدة،
*ــ كثيرون لا يفضلون وصف "أدب النميمة"، لكن البعض يحلو لهم وسم أعمالك القصصية به، ومنها روايتك الأخيرة "أيام مجاور"؟
"يسموا زي ما همه عايزين"، أنا لا أدقق في ذلك كله، فالمهم عندي هو العمل، وليس وصف الناس له، فهل الرواية وجدت تجاوبا لدي القراء أم لا، هناك شيء في الكتابة معروف "لا تلغ في إناء ولغ فيه غيرك" وأنا أقدم تجاربا جديدة لم يطرقها غيري، فأيام طه حسين كتبت بالأذن، وأيام مجاور كتبتها بالعين والأذن، وهناك فارق بين من يسمع فقط، ومن يسمع ويري، وطه حسين لم تكن عنده فرصة "للصياعة" مثلي، فأنا اشتغلت بمهن شتي: فلاح وصنايعي ومدرس، وكل الكتاب الكبار أصحاب تجارب كبيرة، والحياة كتاب مفتوح وأوسع من المدارس،
*ــ لأي مدي اختلف المجتمع المصري الآن عن زمن "أيام مجاور" ومعهد الزقازيق، وهل حدثت نقلات ايجابية، أم تراها انتكاسات؟
المجتمع المصري الآن أشنع مما كان في الماضي، وأقول هذا بالحدس، ودليلي صفحات الحوادث في صحفنا، والواقع الآن يحتاج لكتاب من الجيل الحالي، مثل حمدي أبوجليل،
ــ لعبت في أعمالك علي ثنائية الفجور والتقوي، الفسق والورع، فكيف ناوشت مخيلتك ذكرياتك الأزهرية، وقبضت علي هذه الازدواجيات، وهل كان موقفك يتغير لو كتبتها في ظل "تفتيش نوايا المبدعين" الحاصل الآن؟
الغريب أنني لم أشارك في تلك اللعبة، مثل زملاء الدراسة، وكان نفسي أعمل زيهم، لكن يبدو أن دعوات أبي كانت مستجابة، وحفظني الله، لكن عموما الحياة قائمة علي قابيل وهابيل، وهناك حديث قدسي لا أذكر نصه لكن ما معناه:ابحثوا في النار عمن في قلبه ذرة من إيمان وأدخلوه الجنة، وهذه هي الثقافة التي أثرت فيّ، وأحيانا يقول لي البعض: كيف تكرم الشرير؟ فأقول لهم ان الصدقة علي الشرير تشعره بالرحمة،
*ــ في المجالس تبدو عادة منشغلا عما يدور حولك، لكن كتاباتك كشفت أنك كنت تركز باهتمام علي الأشخاص والأحداث، ولك نظرات نافذة، وربما جارحة، ألم تخش أن تخسر الناس، أم أن الأمر عندك مجرد عن الشخصنة ، ومحض رؤية ابداعية؟
لكي أعرف ما يحدث لابد أن أحسن الاستماع والمراقبة الملاحظة والاختزان، وحين تكون أمامي تجربة معينة أجتذب الجزيئات، حيث تكون، مثل المغناطيس وقطع المعدن الصغيرة، وعلاقة المشابهة قائمة عادة في الذهن، إضافة للخبرة بالطبع، ومع كل ما كتبته من أدب النميمة لم أخسر أحدا، بل إن أصدقاء من المغرب وتونس قالوا لي إنك فتحت لنا بابا جديدا للكتابة، والكتابة عن أي شخص تكون أفضل بعد موته، والفنان يمكنه التحدث عن أي شيء مهما كان محل تحفظ بكلمات مهذبة غير جارحة، وبطرق غير مكشوفة، لأنه يشير ويوحي ويومئ، وأنا تعلمت هذه اللعبة من نجيب محفوظ،
*ــ في "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم "وقنديل أم هاشم" ليحيي حقي، و"موسم الهجرة إلي الشمال" للطيب الصالح، و"الحي اللاتيني" لسهيل ادريس، ذهب الشرق إلي الغرب لبلورة علاقتنا بالآخر، أما أنت في روايتك "أصوات" فأتيت بالغرب إلي الشرق لتناقش ذات الجدلية، فكيف تراها الآن، وما دور الأدب فيها؟
ـ منذ القرن الـ19 كان الناس من عندنا يذهبون إلي أوروبا للتعلم، ولم تشك أوروبا وقتها من السلفية، لكن الآن كل المهاجرين وهم غير متدينين أصلا في مجتمعاتهم تذكروا أنهم كانوا مسلمين وتعصبوا، كأنهم يفتحون بلاد الغرب بلا سيف، وتلك البلاد لا تعنيها ديانة المهاجر، فالمهم عندهم ألا تتعطل عجلة الإنتاج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق