حسن طلب : الأدب الثورى ضرورى فى كل وقت
المصدر:الأهرام اليومى ( 30 أكتوبر 2012 )
حوار : أسامة الرحيمي
وستكتب أنت بنفسك
خاتمة سلالة حُكّام العسكر
لابد ستصبح آخر حصرمة في العنقود
وبأيديك تجئ نهاية هذا العصر المنكود
حين قال الشاعر "حسن طلب" هذا في قصيدته "مبروك مبارك" التي أطلقها عام 2005، عدّها البعض خروجا علي سياق ضمّ جُلّ أعماله، انتصر فيه للفني علي السياسي عبر مسيرة عامرة بالإبداع والمبدئية. وبالرغم من تحقق نبوءته هذه تفصيلا بسقوط الدكتاتور، لم يقبل تفسيرها بغير أنها كانت محض أمنية لشعب منكوب، وشاعرا أحسّ ألمه.
فاجأنا جميعا بصيحته تلك في وجه مستبد دهس الحريات، وإلتهم أرزاق العباد، ولم يعد في القوس منزع، فكان لابد منها بعدما: "وصل الاستهتار بمصر وبالإنسان المصرى درجة فاقت منتهى القدرة على الاحتمال، وهذه بالضبط اللحظة التى يجب فيها على الفنان أن يجازف، فيجعل الناى الذى يغنى به سلاحا فى معركة من العار أن يهرب منها، مهما كلفته من تضحيات"، وفق تعبيره.
- هذا الشاعر نفسه الذي أدهشنا كثيرا بتحليقاته الرائعة، يظهر لنا أحيانا وجها أُحاديا جادا لا يطيق الرماديات في اللحظات العامة الفارقة، فنري بداخله صعيديا صارما متخفيا، لا يقبل المواءمات أبدا علي حساب القيم، هذّبه الشعر كثيرا، وحنكته الفلسفة طويلا، وأكسبته الخبرات تجربة حياتية ثرية، لكن هذا كله يتعطل إذا توجبت قولة حق لا تحتمل مواربة، فيحسبها البعض حِدّة زائدة، لكن سائر من يعرفونه يوقنون بأنها استقامة تنطوي علي قلب صاف، وسريرة بيضاء، ونيّات حسنة لا مقصد لها سوي خيرية الانسان وصلاح الأحوال، وهذه من أجلِّ غايات الشعر والفلسفة.
*- قصيدتك "مبروك مبارك" التي نشرت في 2005 بدت مفاجئة للجميع لطبيعتها السياسية المباشرة ومخالفتها موقفك المعروف من فنية الإبداع، فما الذي يضطر المبدع أحيانا لبعض الوضوح، هل الحتمية السياسية، أم إظهار الموقف المبدئي؟
أسرفنا على أنفسنا كثيرا فى ذم الوضوح فى الفن على طول الخط، إسرافنا فى مدح الغموض على طول الخط! فرددنا ما طرحه "أدونيس" نثرا، دون تفكير، وصدقنا ما قاله "محمود درويش" شعرا: (إن الوضوح جريمة - لن تفهمونى دون معجزة - لأن لغاتكم مفهومة - وغموض موتاكم هو الحق الحقيقة!). والحق أن الشعر الحقيقى ليس الواضح ولا الغامض، وإنما هو شعر فحسب! وآية ذلك أن معظم الخوالد الشعرية التى صمدت فى وجه الزمن، لا ينقصها القدر الكافى من الوضوح، فالمشكلة ليست فى الوضوح - أو الغموض - المطلق، بقدر ما هى فى غنى الشعر الحقيقى وتعدد مستوياته الدلالية، وهذا أمر طبيعى ما دمنا بإزاء لغة الرمز، فى كل من النص الشعرى والدينى جميعا.
أما قصيدتى "مبروك مبارك"، فلا وجه للحديث عن تعدد الدلالة فيها، ولا حتى عن اللغة الرمزية، لأن الرمزية تكون ضارة حين تحرم القصيدة من المواجهة السافرة، وتخفى عريها الجارح تحت عباءة الرمز. وهذا الشعر موجود فى كل عصر، وغايته محددة سلفا، ويعلم الشاعر أن قصيدته ستخسر إذا استبدلت اللغة المباشرة بالرمز، ولكنه يستطيع تعويض هذه الخسارة بعناصر شعرية أخرى، مثل الإيقاع المغرى والبناء المحكم. غير أن خسارة الشاعر بالابتعاد كلية عن المواجهة الضرورية لا تعوض.
*- وبالرغم من رفضك الصارم لتنبؤية الشاعر، بدوت متنبئا في هذه القصيدة تحديدا حين قلت لمبارك:
ستتم من الأعوام ثلاثون
ولكن لن يرث الوارثون
سينقشع الوالد والمولود
وهو ما حققته ثورة يناير، فالوالد والمولود يقبعان في سجنيهما الآن، ومشروع التوريث انتهي برمته، فمن أين تأتت لك هذه الشفافية؟
- كتبت هذه القصيدة فى وقت بلغ فيه نظام "مبارك" قمة فساده، ووصل الاستهتار بمصر وبالإنسان المصرى درجة فاقت منتهى القدرة على الاحتمال، وهذه بالضبط اللحظة التى يجب فيها على الفنان أن يجازف، فيجعل الناى الذى يغنى به سلاحا فى معركة من العار أن يهرب منها، مهما كلفته من تضحيات. وكما يعلم الجندى الذى يدافع عن الحدود أنه يمثل وطنه ومستعد أن يموت دفاعا عنه، فكذلك الشاعر فى هذه اللحظة. أما عن تنبؤ القصيدة بأن "مبارك" سينقشع مع ابنه ونظامه كله، بعد أن يكمل ثلاثين عاما فى الحكم، فينتهى بانقشاعه حكم العسكر ويسقط مشروع التوريث، فهو فى الحقيقة ليس نبوءة بقدر ما هو أمنية، لم أكن أحلم بها وحدى عام 2005، بل كان يحلم بها المصريون جميعا، وقد تحققت الأمنية عام 2011، وهذا الذى جعلها تبدو كأنها نبوءة! والشاعر فى الحقيقة ليس متنبئا ولا قارئ غيب! الشاعر لا يستطيع أن يكون زرقاء اليمامة، وإنما يستطيع فقط أن يكتب عنها!
*- هذا يقودنا لشائكية العلاقة بين الفني والسياسي هنا، فكيف تتعاطي مع هذه المعادلة المعضلة، وكيف تري تلك العلاقة في تجلياتها المتباينة؟ متي تكون ضرورة ومتي تكون خطيرة علي المبدع؟
- نحن نخلط دائما ما بين الأدب الثورى من جهة، وأدب الثورة من جهة أخرى، وهما غير متطابقين بالضرورة، وهو ما انتبه إليه "طه حسين" عام 1954، حين انشغل الكتاب بالبحث عن الأدب الذى استجاب لثورة 1952، فخاب رجاؤهم! واتهموا الأدباء بالإخفاق! غير أن "طه حسين" بِحسِّه النقدى الرفيع، علمهم كيف أن الأدب يثور دائما قبل أن تثور السياسة، فثورة الأدب هى التى تمهد الطريق لثورة السياسة. أما الأدب الذى ينشأ أثناء الثورة فإما أن يجرى على طبيعته الأولى ويكون اتصالا للأدب القديم، وإما أن يحاول مجاراة الثورة السياسية، فلا يخرج عن أن يكون دعوة لها وإغراء بها! وهو فى هذه الحال أدب ضعيف فاتر، لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرا.
ولا يختلف فلاسفة الفن المعاصرون كثيرا عن رأى "طه حسين"، فها هو "هربرت ريد" مثلا يعرف الفن الثورى بأنه ليس إلا ذلك الفن الذى عليه أن يكون ثوريا! بعيدا عن البيارق الحمراء والمطرقة والآلة (يشير إلى نظرية الانعكاس الماركسية أو الواقعية الاشتراكية).
وهذا يعنى ببساطة أن الأدب الثورى ضرورى فى كل وقت، وذلك إذا فهمنا الثورة بمعناها الشامل، حيث قد يثور الفنان على مذهب أو اتجاه عفا عليه الزمن، أو قد يثور على شكل من الأشكال الفنية، أو يثور على نفسه حتى لا يكررها! أما الخطر الحقيقى، فيبدأ حين يستغرق الفنان فى بعد واحد من الثورة هو البعد السياسى، لأن فنه لن يكون فى هذه الحال إلا مجرد تابع أو صدى للأحداث السياسية.
*- وبعد ثورة يناير رأينا تجليها في شعرك بثلاثيتك المعروفة (إنجيل الثورة وقرآنها)، وصدر منها حتى الآن الجزء الأول "آية الميدان" والثانى "إصحاح الثورة"، فأيهما قاد الآخر بداخلك وتأثر به أكثر، قريحة المبدع أم تداعيات الثورة؟
- أحداث الثورة وتداعياتها هى التى فرضت نفسها، ونحن محظوظون لأننا عاصرنا يوم 25 يناير حدثا فذا نادر الحدوث فى تاريخنا، وعشناه لحظة بلحظة. وبالنسبة لى لم تكن ثلاثية "إنجيل الثورة وقرآنها" إلا امتدادا طبيعيا لقصائدى السابقة ضد "مبارك" ونظامه، سواء فى "مبروك مبارك" 2005، أو "متتالية مصرية" 2004، أو "حجر الفلاسفة" 2000، فكأنى كنت فى حالة ثورة ممتدة طوال هذه السنوات، ولم يبق لى إلا أن أتم الجزء الثالث "سفر الشهداء"، لأحس بأن هذه المرحلة الثورية فى شعرى وصلت إلى تمامها، خاصة بعد القصيدة الطويلة الأخيرة: "كفوا عن التضليل".
*- في مصر الأمر يبدو مُربكا وملتبسا، فتحت الاحتلال الانجليزي إزدهرت النخبة الثقافية، وقدمت قامات رفيعة، ساعدت إبداعاتها وإن بقيت نُخبوية علي بلورة هويتنا الثقافية والوطنية بجلاء، رغم افتقاد الوطن ذاته لحريته، وبعد ثورة يوليو والاستقلال وتوفر الكرامة الوطنية أهدرت الحريات بدرجة محزنة، وخلال حقبتي السادات ومبارك تشوهت أغلب منظومات الإبداع والقيم في مجملها، والآن بعد ثورة يناير يبدو الأمر ضبابيا، ولا يبدو الاتجاه واضحا. فكيف تري مسيرة هذا الوطن إبداعيا؟
حين نراجع نهضة آدابنا وفنوننا منذ فجر العصر الحديث حتى اليوم، ربما نكتشف أن ما أنتجناه من أدب حول الأحداث الدامية فى صراعنا مع المستعمرين، ليس هو أفضل ما لدينا. نستطيع مثلا أن نقول إن القصائد التى قيلت فى حادثة "دنشواى" ليست أهم ما كتبه أصحابها، ولا هى أرقى فنيا من سائر أعمالهم، وكذلك الحال فى القصائد التى قيلت فى أثناء عدوان 1956، أو فى انتصار أكتوبر 1973، ولا شك فى أن فرعونيات "أمير الشعراء" مثل قصيدة "النيل" و"أنس الوجود" و"أبى الهول" وغيرها، من الناحية الفنية تفوق قصائده عن دنشواى والأحداث السياسية الجارية فى عصره، ولا يقل دورها فى تنمية الوعى بالهوية أهمية عن قصائده الوطنية المباشرة.
أما شعر ثورة 25 يناير، فسواده الأعظم ستذروه الرياح، لأن معظم الشعراء أرادوا فحسب أن يقدموا أوراق اعتمادهم، وبعضهم نظم شعرا ثوريا على سبيل غسيل الضمائر! والبعض الآخر وجد فى الشعر الثورى تجارة رابحة وسبيلا إلى الشهرة والنجومية، ولكن الشعر أمكر منهم جميعا، وأظن أن شعر ثورة 25 يناير لم يكتب بعد، اللهم إلا بعض المحاولات هنا أو هناك.
*- آخر أسئلتي يتصل بشخصك إذا سمحت لي، فالجميع يعرفك كشاعر وأستاذ للفلسفة، وكل من اقتربوا منك يدركون طيبة قلبك، وبجوارها بعض حِدّة في الطبع، وصرامة في المواقف لا تقبل اللين أو المواءمة، فكيف يجتمع بداخلك كل هذا في آن؟ فبقدر لطفك قسوت علي "د. جابر عصفور" في انتقادك له، أليس للشعر والفلسفة دور في تهدئة تلك الحدة؟ أو علي الأقل تلطيفها ببعض المواربة؟
من مآثر "أمل دنقل" الباقية، أنه نجح فى استكناه شخصية الصعيدى فى رائعته (الجنوبى)، وهى شخصية لا تتناقض فيها الحدة مع الطيبة، بل تصبحان متكاملتين كوجهى العملة!
أما عن الدكتور "جابر عصفور"، فهو صديق قديم منذ السبعينيات، صحبنى وصحبته وزارنى فى بيتى وزرته، واطلع كل منا على شئ من أسرار الآخر، وأنا أول من يعرف قدره ويقر بمكانته أستاذا جامعيا قديرا ومثقفا كبيرا، وأحسب أنه لم يضن على بمثل هذا التقدير، فقد تحدث عن شعرى فى أمسية ثقافية مع فاروق شوشة منذ عشرين عاما ليرانى فى "زمان الزبرجد" قد تجاوزت أعلام الشعراء. وهذا مما لا أنساه له.
ولم ينشب الخلاف بيننا إلا بسبب سياسات وزارة الثقافة فى عهد فاروق حسنى، فقد كنت دائم الانتقاد لتلك السياسات منذ التسعينيات، وحتى اليوم، وسوف أظل فى الغد كذلك، ما دامت الأمور على ما هى عليه. ومن الطبيعى أن يمس النقد كبار موظفى وزارة الثقافة ومن بينهم الدكتور جابر عصفور، وسواء كنت محقا فى هذا النقد أم لم أكن، فالأمر فى النهاية لا يخرج عن حدود هذا الخلاف، أما ما فهم خطأ من مساس بذمة الدكتور جابر المالية، فهذا أمر لم أقصد إليه بالمرة، وأنا بريء منه تماما، فما حصل عليه من اتحاد الكتاب لسداد نفقات العلاج، حق أصيل له باعتباره عضوا فى الاتحاد.
أسرفنا على أنفسنا كثيرا فى ذم الوضوح فى الفن على طول الخط، إسرافنا فى مدح الغموض على طول الخط! فرددنا ما طرحه "أدونيس" نثرا، دون تفكير، وصدقنا ما قاله "محمود درويش" شعرا: (إن الوضوح جريمة - لن تفهمونى دون معجزة - لأن لغاتكم مفهومة - وغموض موتاكم هو الحق الحقيقة!). والحق أن الشعر الحقيقى ليس الواضح ولا الغامض، وإنما هو شعر فحسب! وآية ذلك أن معظم الخوالد الشعرية التى صمدت فى وجه الزمن، لا ينقصها القدر الكافى من الوضوح، فالمشكلة ليست فى الوضوح - أو الغموض - المطلق، بقدر ما هى فى غنى الشعر الحقيقى وتعدد مستوياته الدلالية، وهذا أمر طبيعى ما دمنا بإزاء لغة الرمز، فى كل من النص الشعرى والدينى جميعا.
أما قصيدتى "مبروك مبارك"، فلا وجه للحديث عن تعدد الدلالة فيها، ولا حتى عن اللغة الرمزية، لأن الرمزية تكون ضارة حين تحرم القصيدة من المواجهة السافرة، وتخفى عريها الجارح تحت عباءة الرمز. وهذا الشعر موجود فى كل عصر، وغايته محددة سلفا، ويعلم الشاعر أن قصيدته ستخسر إذا استبدلت اللغة المباشرة بالرمز، ولكنه يستطيع تعويض هذه الخسارة بعناصر شعرية أخرى، مثل الإيقاع المغرى والبناء المحكم. غير أن خسارة الشاعر بالابتعاد كلية عن المواجهة الضرورية لا تعوض.
*- وبالرغم من رفضك الصارم لتنبؤية الشاعر، بدوت متنبئا في هذه القصيدة تحديدا حين قلت لمبارك:
ستتم من الأعوام ثلاثون
ولكن لن يرث الوارثون
سينقشع الوالد والمولود
وهو ما حققته ثورة يناير، فالوالد والمولود يقبعان في سجنيهما الآن، ومشروع التوريث انتهي برمته، فمن أين تأتت لك هذه الشفافية؟
- كتبت هذه القصيدة فى وقت بلغ فيه نظام "مبارك" قمة فساده، ووصل الاستهتار بمصر وبالإنسان المصرى درجة فاقت منتهى القدرة على الاحتمال، وهذه بالضبط اللحظة التى يجب فيها على الفنان أن يجازف، فيجعل الناى الذى يغنى به سلاحا فى معركة من العار أن يهرب منها، مهما كلفته من تضحيات. وكما يعلم الجندى الذى يدافع عن الحدود أنه يمثل وطنه ومستعد أن يموت دفاعا عنه، فكذلك الشاعر فى هذه اللحظة. أما عن تنبؤ القصيدة بأن "مبارك" سينقشع مع ابنه ونظامه كله، بعد أن يكمل ثلاثين عاما فى الحكم، فينتهى بانقشاعه حكم العسكر ويسقط مشروع التوريث، فهو فى الحقيقة ليس نبوءة بقدر ما هو أمنية، لم أكن أحلم بها وحدى عام 2005، بل كان يحلم بها المصريون جميعا، وقد تحققت الأمنية عام 2011، وهذا الذى جعلها تبدو كأنها نبوءة! والشاعر فى الحقيقة ليس متنبئا ولا قارئ غيب! الشاعر لا يستطيع أن يكون زرقاء اليمامة، وإنما يستطيع فقط أن يكتب عنها!
*- هذا يقودنا لشائكية العلاقة بين الفني والسياسي هنا، فكيف تتعاطي مع هذه المعادلة المعضلة، وكيف تري تلك العلاقة في تجلياتها المتباينة؟ متي تكون ضرورة ومتي تكون خطيرة علي المبدع؟
- نحن نخلط دائما ما بين الأدب الثورى من جهة، وأدب الثورة من جهة أخرى، وهما غير متطابقين بالضرورة، وهو ما انتبه إليه "طه حسين" عام 1954، حين انشغل الكتاب بالبحث عن الأدب الذى استجاب لثورة 1952، فخاب رجاؤهم! واتهموا الأدباء بالإخفاق! غير أن "طه حسين" بِحسِّه النقدى الرفيع، علمهم كيف أن الأدب يثور دائما قبل أن تثور السياسة، فثورة الأدب هى التى تمهد الطريق لثورة السياسة. أما الأدب الذى ينشأ أثناء الثورة فإما أن يجرى على طبيعته الأولى ويكون اتصالا للأدب القديم، وإما أن يحاول مجاراة الثورة السياسية، فلا يخرج عن أن يكون دعوة لها وإغراء بها! وهو فى هذه الحال أدب ضعيف فاتر، لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرا.
ولا يختلف فلاسفة الفن المعاصرون كثيرا عن رأى "طه حسين"، فها هو "هربرت ريد" مثلا يعرف الفن الثورى بأنه ليس إلا ذلك الفن الذى عليه أن يكون ثوريا! بعيدا عن البيارق الحمراء والمطرقة والآلة (يشير إلى نظرية الانعكاس الماركسية أو الواقعية الاشتراكية).
وهذا يعنى ببساطة أن الأدب الثورى ضرورى فى كل وقت، وذلك إذا فهمنا الثورة بمعناها الشامل، حيث قد يثور الفنان على مذهب أو اتجاه عفا عليه الزمن، أو قد يثور على شكل من الأشكال الفنية، أو يثور على نفسه حتى لا يكررها! أما الخطر الحقيقى، فيبدأ حين يستغرق الفنان فى بعد واحد من الثورة هو البعد السياسى، لأن فنه لن يكون فى هذه الحال إلا مجرد تابع أو صدى للأحداث السياسية.
*- وبعد ثورة يناير رأينا تجليها في شعرك بثلاثيتك المعروفة (إنجيل الثورة وقرآنها)، وصدر منها حتى الآن الجزء الأول "آية الميدان" والثانى "إصحاح الثورة"، فأيهما قاد الآخر بداخلك وتأثر به أكثر، قريحة المبدع أم تداعيات الثورة؟
- أحداث الثورة وتداعياتها هى التى فرضت نفسها، ونحن محظوظون لأننا عاصرنا يوم 25 يناير حدثا فذا نادر الحدوث فى تاريخنا، وعشناه لحظة بلحظة. وبالنسبة لى لم تكن ثلاثية "إنجيل الثورة وقرآنها" إلا امتدادا طبيعيا لقصائدى السابقة ضد "مبارك" ونظامه، سواء فى "مبروك مبارك" 2005، أو "متتالية مصرية" 2004، أو "حجر الفلاسفة" 2000، فكأنى كنت فى حالة ثورة ممتدة طوال هذه السنوات، ولم يبق لى إلا أن أتم الجزء الثالث "سفر الشهداء"، لأحس بأن هذه المرحلة الثورية فى شعرى وصلت إلى تمامها، خاصة بعد القصيدة الطويلة الأخيرة: "كفوا عن التضليل".
*- في مصر الأمر يبدو مُربكا وملتبسا، فتحت الاحتلال الانجليزي إزدهرت النخبة الثقافية، وقدمت قامات رفيعة، ساعدت إبداعاتها وإن بقيت نُخبوية علي بلورة هويتنا الثقافية والوطنية بجلاء، رغم افتقاد الوطن ذاته لحريته، وبعد ثورة يوليو والاستقلال وتوفر الكرامة الوطنية أهدرت الحريات بدرجة محزنة، وخلال حقبتي السادات ومبارك تشوهت أغلب منظومات الإبداع والقيم في مجملها، والآن بعد ثورة يناير يبدو الأمر ضبابيا، ولا يبدو الاتجاه واضحا. فكيف تري مسيرة هذا الوطن إبداعيا؟
حين نراجع نهضة آدابنا وفنوننا منذ فجر العصر الحديث حتى اليوم، ربما نكتشف أن ما أنتجناه من أدب حول الأحداث الدامية فى صراعنا مع المستعمرين، ليس هو أفضل ما لدينا. نستطيع مثلا أن نقول إن القصائد التى قيلت فى حادثة "دنشواى" ليست أهم ما كتبه أصحابها، ولا هى أرقى فنيا من سائر أعمالهم، وكذلك الحال فى القصائد التى قيلت فى أثناء عدوان 1956، أو فى انتصار أكتوبر 1973، ولا شك فى أن فرعونيات "أمير الشعراء" مثل قصيدة "النيل" و"أنس الوجود" و"أبى الهول" وغيرها، من الناحية الفنية تفوق قصائده عن دنشواى والأحداث السياسية الجارية فى عصره، ولا يقل دورها فى تنمية الوعى بالهوية أهمية عن قصائده الوطنية المباشرة.
أما شعر ثورة 25 يناير، فسواده الأعظم ستذروه الرياح، لأن معظم الشعراء أرادوا فحسب أن يقدموا أوراق اعتمادهم، وبعضهم نظم شعرا ثوريا على سبيل غسيل الضمائر! والبعض الآخر وجد فى الشعر الثورى تجارة رابحة وسبيلا إلى الشهرة والنجومية، ولكن الشعر أمكر منهم جميعا، وأظن أن شعر ثورة 25 يناير لم يكتب بعد، اللهم إلا بعض المحاولات هنا أو هناك.
*- آخر أسئلتي يتصل بشخصك إذا سمحت لي، فالجميع يعرفك كشاعر وأستاذ للفلسفة، وكل من اقتربوا منك يدركون طيبة قلبك، وبجوارها بعض حِدّة في الطبع، وصرامة في المواقف لا تقبل اللين أو المواءمة، فكيف يجتمع بداخلك كل هذا في آن؟ فبقدر لطفك قسوت علي "د. جابر عصفور" في انتقادك له، أليس للشعر والفلسفة دور في تهدئة تلك الحدة؟ أو علي الأقل تلطيفها ببعض المواربة؟
من مآثر "أمل دنقل" الباقية، أنه نجح فى استكناه شخصية الصعيدى فى رائعته (الجنوبى)، وهى شخصية لا تتناقض فيها الحدة مع الطيبة، بل تصبحان متكاملتين كوجهى العملة!
أما عن الدكتور "جابر عصفور"، فهو صديق قديم منذ السبعينيات، صحبنى وصحبته وزارنى فى بيتى وزرته، واطلع كل منا على شئ من أسرار الآخر، وأنا أول من يعرف قدره ويقر بمكانته أستاذا جامعيا قديرا ومثقفا كبيرا، وأحسب أنه لم يضن على بمثل هذا التقدير، فقد تحدث عن شعرى فى أمسية ثقافية مع فاروق شوشة منذ عشرين عاما ليرانى فى "زمان الزبرجد" قد تجاوزت أعلام الشعراء. وهذا مما لا أنساه له.
ولم ينشب الخلاف بيننا إلا بسبب سياسات وزارة الثقافة فى عهد فاروق حسنى، فقد كنت دائم الانتقاد لتلك السياسات منذ التسعينيات، وحتى اليوم، وسوف أظل فى الغد كذلك، ما دامت الأمور على ما هى عليه. ومن الطبيعى أن يمس النقد كبار موظفى وزارة الثقافة ومن بينهم الدكتور جابر عصفور، وسواء كنت محقا فى هذا النقد أم لم أكن، فالأمر فى النهاية لا يخرج عن حدود هذا الخلاف، أما ما فهم خطأ من مساس بذمة الدكتور جابر المالية، فهذا أمر لم أقصد إليه بالمرة، وأنا بريء منه تماما، فما حصل عليه من اتحاد الكتاب لسداد نفقات العلاج، حق أصيل له باعتباره عضوا فى الاتحاد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق