قصة قصيرة
أسامة الرحيمي
رأيت جنازته..
قلائل كانوا يتبادلون نعشه بخطي سريعة وهم يتعجلون المقابر ليعودوا إلي مشاغلهم.
كنت ألهث خلفهم.. أتعثر في خجلي كلما سألني أحدهم.."جنازة من ؟".
لا أعرف غير اسمه .."الشيخ كمال"، وحكاية "حفلة الست" التي سمعتها منه في أوقات وأماكن متفرقة.
أغلقوا عليه قبر الصدقة دون أن يبكي أحد
من أين جاء عديم الأقارب هذا ؟
وأي نهاية تلك الخالية من النواح!
غادروا المكان وهم يغمغمون بالفاتحة التي لم يكملوها علي روحه!
أين راح كل الذين أمتعهم بتفاصيل "حفلة الست" ؟
ـ لم يترك تجمعا في غيط أو بيت إلا وتسلل إليه، وخلال لحظات كان يفلح في جرجرة الكلام نحو حكايته الأثيرة، ويغرر بالناس ويغرقهم في التفاصيل فينصتون إليه بشغف متجدد.
ـ خلال سنوات شيخوخته المؤلمة تنقل بين المصاطب، وعتبات الدور، والدكاكين، والمنادر، حتي شغّيلة الزراعة، وخفراء الحقول الليليين، والسهاري علي مدارات السواقي في مواسم الريّ، كلهم استمعوا إليه.
ـ كان يعمل "سفرجيا" لسنوات مديدة لدي أسرة ثرية في القاهرة، ولحرصه علي حلاقة ذقنه ونظافة ملابسه اختاروه ليقدم الطعام علي المائدة بعد إنتهائه من مساعدة الطباخ، واعتبر اقترابه منهم امتيازا، ووقوفه خلفهم كان يملأ قلبه بالامتنان، وكثيرا ما دمعت عيناه وهو يستمع إلي حكاياتهم العادية، لكنه كان ينتشي باقتراب موعد "حفلة الست" التي تشيع النشاط في البيت، فيتبادل أفراد الأسرة التعليقات حول أغنيتها الجديدة التي تتردد أخبارها في الصحف والمجلات، ويتساءلون عن الشاعر، والملحن بفضول محموم تلهبه السرية التي تفرضها الست حماية للمفاجأة، لكن البعض كان يحلو لهم ترديد أنها تخشي الحسد مع كل ما حققته من مجد، ورغم ذلك كانت بعض التفاصيل تتسرب من هنا أو هناك، لكنها لم تكن كافية لإطفاء فضول "السمّيعة" بل تضاعف الغموض، وكان أفراد الأسرة يتحايلون علي ذلك باجترارالأغنية الفائتة، وتجليات الست، وصياح الجمهور، وحرص المسؤولين علي إبعاد "المايك" عن فمها لقوة صوتها، والأبحاث العلمية علي حنجرتها، واحتفاء الصحافة الغربية بها، ووصفها بأعظم مغنيات التاريخ، ويتراهنون علي تفصيلة فستان الست الجديد ومنديلها، ويستعرضون ترتيباتهم المحكمة للحفل المقبل، وينبهون بعضهم ـ باطمئنان ـ لحجز التذاكر في وقت مناسب خشية نفادها، واستعجال الخياط لينهي ملابسهم، ولا يملون تكرارالتفاصيل علي العشاء أمامه فيغمض عينيه، ويشاطرهم الكلام في سرّه، مؤكدا حبه للست مثلهم، ويجوز أكثر قليلا، فهو يعشق صوتها دون أن يراها، وهم يسمعونها ويرونها علي المسرح، لكنه يسمعها بخياله وهذا يتيح له تصورها كما يحلو له، فيراها أحلي كثيرا من صورتها التي فوق سريره في غرفة الخدم، ويستمع إليها معهم في الوقت نفسه، مع الخدم الآخرين حين يلتفون حول الراديو الكبير، ويرتشفون القهوة مثل سادتهم، علي المقاعد الوثيرة في الصالون الكبير، وهذا اليوم وحده يعوضهم شقاء الشهر كله.
أروح لمين!
أسامة الرحيمي
رأيت جنازته..
قلائل كانوا يتبادلون نعشه بخطي سريعة وهم يتعجلون المقابر ليعودوا إلي مشاغلهم.
كنت ألهث خلفهم.. أتعثر في خجلي كلما سألني أحدهم.."جنازة من ؟".
لا أعرف غير اسمه .."الشيخ كمال"، وحكاية "حفلة الست" التي سمعتها منه في أوقات وأماكن متفرقة.
أغلقوا عليه قبر الصدقة دون أن يبكي أحد
من أين جاء عديم الأقارب هذا ؟
وأي نهاية تلك الخالية من النواح!
غادروا المكان وهم يغمغمون بالفاتحة التي لم يكملوها علي روحه!
أين راح كل الذين أمتعهم بتفاصيل "حفلة الست" ؟
ـ لم يترك تجمعا في غيط أو بيت إلا وتسلل إليه، وخلال لحظات كان يفلح في جرجرة الكلام نحو حكايته الأثيرة، ويغرر بالناس ويغرقهم في التفاصيل فينصتون إليه بشغف متجدد.
ـ خلال سنوات شيخوخته المؤلمة تنقل بين المصاطب، وعتبات الدور، والدكاكين، والمنادر، حتي شغّيلة الزراعة، وخفراء الحقول الليليين، والسهاري علي مدارات السواقي في مواسم الريّ، كلهم استمعوا إليه.
ـ كان يعمل "سفرجيا" لسنوات مديدة لدي أسرة ثرية في القاهرة، ولحرصه علي حلاقة ذقنه ونظافة ملابسه اختاروه ليقدم الطعام علي المائدة بعد إنتهائه من مساعدة الطباخ، واعتبر اقترابه منهم امتيازا، ووقوفه خلفهم كان يملأ قلبه بالامتنان، وكثيرا ما دمعت عيناه وهو يستمع إلي حكاياتهم العادية، لكنه كان ينتشي باقتراب موعد "حفلة الست" التي تشيع النشاط في البيت، فيتبادل أفراد الأسرة التعليقات حول أغنيتها الجديدة التي تتردد أخبارها في الصحف والمجلات، ويتساءلون عن الشاعر، والملحن بفضول محموم تلهبه السرية التي تفرضها الست حماية للمفاجأة، لكن البعض كان يحلو لهم ترديد أنها تخشي الحسد مع كل ما حققته من مجد، ورغم ذلك كانت بعض التفاصيل تتسرب من هنا أو هناك، لكنها لم تكن كافية لإطفاء فضول "السمّيعة" بل تضاعف الغموض، وكان أفراد الأسرة يتحايلون علي ذلك باجترارالأغنية الفائتة، وتجليات الست، وصياح الجمهور، وحرص المسؤولين علي إبعاد "المايك" عن فمها لقوة صوتها، والأبحاث العلمية علي حنجرتها، واحتفاء الصحافة الغربية بها، ووصفها بأعظم مغنيات التاريخ، ويتراهنون علي تفصيلة فستان الست الجديد ومنديلها، ويستعرضون ترتيباتهم المحكمة للحفل المقبل، وينبهون بعضهم ـ باطمئنان ـ لحجز التذاكر في وقت مناسب خشية نفادها، واستعجال الخياط لينهي ملابسهم، ولا يملون تكرارالتفاصيل علي العشاء أمامه فيغمض عينيه، ويشاطرهم الكلام في سرّه، مؤكدا حبه للست مثلهم، ويجوز أكثر قليلا، فهو يعشق صوتها دون أن يراها، وهم يسمعونها ويرونها علي المسرح، لكنه يسمعها بخياله وهذا يتيح له تصورها كما يحلو له، فيراها أحلي كثيرا من صورتها التي فوق سريره في غرفة الخدم، ويستمع إليها معهم في الوقت نفسه، مع الخدم الآخرين حين يلتفون حول الراديو الكبير، ويرتشفون القهوة مثل سادتهم، علي المقاعد الوثيرة في الصالون الكبير، وهذا اليوم وحده يعوضهم شقاء الشهر كله.
لكن الفارق يظل كبيرا في الواقع!
يصدمه هذا الخاطر كلما خايله
رؤيتها على المسرح أمر مختلف
يغمض علي هواجسه .. فيفيق علي صوت يأمره
بإحضار الفاكهة.
ـ وفجأة ومضت في ذهنه فكرة عجيبة
لماذا لا يذهب ليري "الست"
مثلهم؟
يتعذب بسيرتها منذ سنوات بعيدة، ويتغلب بصوتها
علي آلام مفاصله ووحشة فقد زوجته وابنه الوحيد.
لم يتصور أن "الست" مثل الناس
يمكنه أن يراها بعينيه، وكأن حكايات الأسرة طوال السنوات الفائتة كانت عن شيء غير
موجود.
أصابته حمي الأرق، فجافاه النوم..
وبعد أيام استشار أصدقاؤه، فأخبره
الطباخ أنه سمع ذات مرة من قريب له أن سعر تذكرة الحفل يتدرج حسب المكان، فالصفوف
الأمامية لا يقدر عليها إلا الأثرياء كالأسرة التي يعملون في خدمتها، والصفوف الوسطي
أيضا غالية، فاستقر علي شراء تذكرة في آخر صف حتي لا يضطر لمسّ "القرشين اللي
شايلهم للكفن ولوازم الخرجة".
ولأن حفل "الست" لا يمكن
دخوله بدون ملابس رسمية تبرع له صديقه المكوجى ببدلة وكرافتة مما يؤجره، وكان قياسها
كبيرا عليه بشكل واضح، فنصحه بالدخول متأخرا طالما سيجلس في الصف الأخير، ويسرع
بالخروج لحظة انتهاء "الست" من الغناء.
ـ إنعقد عزمه فزايلته الحمي، وسمع
الأسرة تتكلم عن اقتراب الحفلة، هز رأسه
في السرّ، وأحسّ نحوهم بندية خفية، وشعر أن كلامهم فقد بريقه، ولم يعد يجتذبه،
وابتسم وهو يتذكر اتفاقه مع صديقه المكوجي علي الذهاب لشراء تذكرة.
ـ كان يقدم لهم الأطباق بخفة مختلفة،
ووجه مشرق، ولم يكترث بنظرات الاستغراب التي رشقوه بها.
ـ كان يوم الحفل لايصدق، راح الخدم يداعبونه
ويغبطونه، وأعفوه من العمل طوال اليوم مقابل أن يحكي لهم كل ما يراه، والتفوا حوله
يحاولون ضبط البدلة علي جسده بلا فائدة، وأعطاه أحدهم حذاءه بعدما دسّ قُطناً في
مقدمته، واصطحبوه إلي أقرب محطة أوتوبيس،
وشعور بالرضا والاستغراب يكتنفهم بسبب هذا الفعل الذي لم يخطر ببال أحدهم من قبل.
ـ كان آخر من دخل الصالة، وناول التذكرة
بيد مرتعشة لرجل أشار باستهتارإلي مقعد خال، فجلس علي استحياء مسترقا النظر
لجاريه، وبعدما تأكد أنهما يعانيان مثله، أسند ظهره واستراح في مقعده، وأغمض عينيه
ليلتقط أنفاسه، ويهديء ضربات قلبه، رأي الستار ينفتح و"الست" تقف بشموخ،
والموسيقي تبدأ، فوقف بعفوية مع جيرانه في الصفوف الخلفية يصفقون بحميمية ويهللون،
وبعدما جلس اكتشف أنه لايري "الست" بوضوح ففرك عينيه مرات، لكنه أيقن
أنه بحاجة لنظارة كما نصحه الطبيب قبل سنوات.
حاول التحقق من "الست"مرة
أخري لكنه رأي هالتها فقط، فاكتفي بالسمع، والتصفيق مع المحيطين كلما هللوا، لكن
إحساسا عميقا بالمرارة أفسد عليه سعادته، فغالبه بمحاولة التركيز مع
"الست"
لوعني حبك .. حبك
واليوم في بعدك .. بعدك
بيطول سنين
أروح لمين ..
وأقول يا مين
ضعف بصره الذي لم يتنبه لفداحته عكّر
فرحته بالحفل كله وفكر في الخروح لكنه استكثر ذلك بحق "الست" فتحمل إلي
نهاية الأغنية التي بدت أطول من كل أغنياتها السابقة، ومع إغلاق الستار سارع إلي
الشارع بذهن مشتت
وابات أنعي
أنا ودمعي
وأخبي دمع العين
ـ في اليوم الثاني راوغ الخدم إلي
المساء، ليعرف تفاصيل الحفل من حكايات الأسرة علي الغذاء والعشاء، وحين التئم أصحابه
حوله في المطبخ ليسمعوه تفنن في وصف شموخ "الست" وفستانها ومنديلها،
وانفعالات الجمهور، لكنه حين تمدد علي سريره في الظلام لم يستطع مقاومة ذلك الحزن
الذي داهم روحه، واستسلم لخاطر ظل يقاومه لسنوات .. فقد آن له أن يستريح .
ـ طاف بعدة بلدان عمل فيها قديما ليختار
مستقرا يقضي فيه سنوات شيخوخته بلا منغصات، وطاب له المقام في بلدنا، فاستأجر غرفة
في بيت قديم، وعاش يتنقل من مكان إلي آخر بلا هدف، يمضغ الملل، ويمضغه الملل، إلي
أن ذكر أمام أحدهم مرة قصة "حفلة الست" فلما استحسنها، أخذ يرددها علي
مسامع كل من يصادفه، وعدّلها، وأعاد صياغتها ببراعة لم يكن يعهدهها في نفسه حتي
اجتذبت الجميع، وكانوا يستعيدونه، فاشتهر بها والتصقت به، فأسموه "الشيخ كمال
بتاع الست".
ـ خلال تلك السنوات تدهورت أحواله،
وتبخرت مدخراته، فمد يده إلي "القرشين اللي شايلهم للكفن ولوازم
الخرجة"، ثم اضطر إلي تكفف الناس، فأعطوه من غلالهم، ولم يكف عن ترديد حكاية
"حفلة الست"، وكلما تدنت أحواله أمعن في التشبث بها وتجويدها، لكن وهن الشيخوخة
أدركه فبات ينسي تفاصيل ويضيف غيرها، ويبدل اسم الأغنية، والناس يجارونه بلا تدقيق
أو اهتمام بفروق الروايات، وزادت شفقتهم عليه مع تدهور حال ملابسه، .. كان يرتدي القمصان
والبناطيل القديمة التي أعطتها له الأسرة، لكنها بليت، فلبس الجلباب، وكان يقلد
السادة في ارتداء"بيجامة "عند النوم فقط فاضطر للخروج بها، ولقدمها لم
تصمد، إهترأت عند الكوعين والركبتين، وأصبح مظهره مذريا وزادته ذقنه غير الحليقة
بؤسا، واستحالت حكاية "حفلة الست" إلي تهويمات، والناس يربتون علي كتفه
برفق وينصرفون إلي مصالحهم، وهو يحكي....
ـ يوم مات عرف سكان الغرف المجاورة
بالصدفة، وتصدق تاجر أقمشة بالكفن، وصلّوا عليه في المسجد في غير وقت الصلاة، ثم
هرولوا به إلي قبر الصدقة وأغلقوه عليه دون أن يبكي أحد، وأسرعوا إلي شؤونهم قبل
أن يكملوا قراءة الفاتحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق