من يخاف فرجينيا وولف ؟
مسرح ضد "هرس" الإنسان !
أسامة
الرحيمي
ــ للأسف .. ولحسن الحظ معا أن عُرضت هذه المسرحية في ظروفنا الحالية ؟ ــ لإنشغال الناس عنها بالشأن العام. فلم تمنحهم "تفاقمات الثورة" فرصة إلّا للفرجة علي تبخر أحلامهم أمام أعينهم. ــ ومن جانب ثان ربما تبدو للبعض "تغريبة بعيدة عن واقعنا"، لكنها في حقيقتها متصلة بصميم ثورة 25 يناير، فهي بحث عن القيم التي بعثرها الجشع الذي هرس كرامة الإنسان، ونهبه بخديعة "دعه يعمل دعه يمر"، وهو نفس ما دفع الشعب المصري للخروج علي ظالميه وناهبيه.
والمسرحية تُجدد طرح أحد الهواجس الكبري في التاريخ البشري. ظلم الانسان للإنسان، طمعا في أشياء أقل شأنا، وهو ما يَقسِم دخيلته، ويشتّته، ويربك منظومته الاجتماعية ويخلط مفاهيمه، فيشعر باغترابه عن نفسه وواقعه، فيمزقه الصراع بين الصحيح والفاسد، الرفعة والتدني، الغرائز والصالح العام.
ــ والمسرحية أطول وأفضل ما كتب "إدوارد أولبي" ضمن أعمال أخري
قصيرة، واستمر عرضها الأول في أمريكا لعامين، وأُخِذ عنها فيلما حقق عرضه نجاحا
واسعا، ورُشح للأوسكار، وللآن يتكرر تقديم العمل، ويُدرّس أكاديميا في أنحاء
العالم.
ــ وعنوانها مستلهم من أغنية أطفال إسمها "من الذي يخاف الذئب الكبير
السيء"، وأدخل عليه اسم الأديبة الكبيرة "فرجينيا وولف" رائدة تيار
الوعي الذي ينتهجه أولبي بإخلاص في كتاباته، كأسلوب ساخر يعرض بحيادية وبشكل مباشر
محتوى أذهان الشخصيات المغلوبة علي أمرها والصامتة، بمستويات وعي مختلفة لإيهام المُتلقّي
بأن الفكرة صادرة من ذهن الشخصية ذاتها لا الكاتبً, كما تبدت لنا في العرض تناقضات
الشخصيات كأنها ذاتية وبعيدة عن المؤلف، كونها تعكس تيار وعي سابق علي الكلام ومخالف
لمنطقية الأشياء.
ـــ و" إدوارد أولبي" البالغ من العمر 84 عاما يري أن
المسرح" محاولة مستمرة لتغيير العالم"، وأن "الحوار الدرامى يجب أن يكون
أكثر واقعية من الحياة اليومية"، أمتع جمهوره بــ"كوميدياه"
السوداء، القائمة علي التناقضات الدخلية للشخصيات، ومزج الواقعي بالمتخيل، والتلميحات
اللاذعة طوال النص، والتبدلات الإنسانية المتلاحقة، وهذه الأشياء التي أظهرت
مهارته ككاتب وأمتعت الجمهور كانت سببا لانتقاده لأنها تؤدي لمبالغة الممثلين في
الأداء المسرحى .
ــ وذهب
رأي نقدي إلي تفسير مسرح " أولبي" علي ضوء من نشأته، حيث تبناه في
طفولته المليونير "ريد أولبى" وزوجته سيدة المجتمع، اللذان وفرا له حياة
سعيدة جدا، لكنه لم يشعر بالانتماء إليها، ووصفها بإنها "شىء تمنى الهرب
منه"، وأكد أن "التعاسة لم تكن دافعه للكتابة"، لكن نشأته مع هذا
الوسط ــــ الذي يكذب على نفسه برأيه ــــ جعلته يرفض اليمين المتعصب، ورأي منذ
بداياته أن أمريكا تعاني أزمة عظيمة أخلاقيا وسياسيا وفكريا، وهذا ما أقلقه بشدة،
ووجه غضبه السياسى صوب المسرح، ويتحفظ علي
نعت أسلوبه بالسخرية باعتباره موضوعيا، واشتهر عنه الإصرار على التزام الممثلين
والمخرجين بتعليماته حرفيا ويمكنه إيقاف العرض ببساطة إذا خالفوها، ويقول:
".. هم موجودون ليعبروا عن غرض المسرحية، لا عن أغراضهم الشخصية"، فتري
ماذا كان سيقول لو رأي العرض من وجهة نظر الفنان " سناء شافع" .
ـ وفي هذا العرض قدم لنا " أولبي" بذكاء
"جورج" الأستاذ ورئيس قسم التاريخ بإحدي الجامعات، وزوجته"مارتا"
إبنة صاحب ورئيس الجامعة، ويبدو براجماتيا لأول وهلة، حيث يغضّ الطرف عن خيانات زوجته
له مقابل بقاءه في منصبه ـ لكن الخمر تجلو مشاعره الدفينة وتظهر احتقاره لوالد
زوجته، ولزوجته، وربما لنفسه أيضا. لكنه لايفعل شيئا حيال هذا، وبالمقابل فإن وزوجته
"مارتا" تستهين به عادة وتحط من قدره أمام الناس، لشعورها بأنه سلعة اشتراها
لها والدها بمنصب، لكن الخمر أيضا تجعلها تعترف في لحظات الصدق بقيمته، ما يعكس
شدة الصراع بين الكامن والظاهر في نفسيهما.
ـــ وذات
ليلة يزورهما ضيفان شابان "نِك، وزوجته هني"، أستاذ البيولوجيا الفخور بفحولته
التي يستعرض بها أمام" مارتا" زوجة جورج"، وبكونه أيضا من "علماء
الوراثة" التي ستعيد تصنيع الإنسان بيولوجيا بمواصفات قياسية, من حيث اللون
والشكل والطول وكل شئ، والتي يسخر منها "جورج" بقوله : " كل شخص
سيشبه الآخر"، وكأنه يحذر من استخدام العلم للتلاعب بالإنسان.
ـــ و"هَنِّي" زوجة "نِك" ابنة
رجل دين راكم ثروة من الوعظ ونهب الكنيسة، وهذه الثروة هي التي أغوت زوجها بالارتباط
بها.
ــ والخمر هنا ـــ وحالة السكر ــ التي تتحكم في أبطال العمل علي طول
السهرة ليست مقصودة لذاتها بل دلالة للعامل الكاشف للحقيقة، الفاضح لكوامن النفوس،
ومدي الخراب الذي لحق بهم جميعا بسبب الأطماع الشخصية، بالرغم من البريق الظاهري
للواقع الذي لا ينطوي سوي علي انهيار نفسي محقق وإحباط مقيم. ــ
ـ
وتبدت حنكة "أولبي" في اختيار أساتذين جامعيين، أحدهما متخصص في التاريخ،
والثاني في علوم المستقبل المتعلقة بالـ"جينوم" الذي يمكنه انتاج
الإنسان السوبر، وهما يمثلان المجتمع الأمريكي في أرقي حالاته، وتدعمهما زوجتان من
طبقة غنية لتكتمل دائرة الدين والعلم، ويبرز السؤال : هل هما قادران وحدهما علي
تحقيق سوية النفس الإنسانية؟، وإيقاف أطماعها الرخيصة، وإهدارها القيم الرفيعة لصالح
مكاسب مادية؟.
ــ هذه المعطيات التي يتمتع بها هؤلاء الأربعة كممثلين لطبقة مهمة في المجتمع
الأمريكي، كان يجب أن تؤدي بالضرورة إلي علماء لا ينشغلون بغرائزهم وحسب، بل بهموم
الإنسانية ككل، وخدمتها علي أوسع نطاق، لكن عالم "الجينوم" في الواقع لم
يتورع عن اشتهاء مضيفته "مارتا" علي مرأي من زوجها "جورج"
وزوجته "هني"، وكأن الحياة أُفرغت إلا من الغرائز ودوائر الاستغلال القاسية،
فوالد مارتا يوظف علم زوج ابنته "جورج" في مشروع استثماري، ومارتا نفسها
تستهين بطيبته وحُنوّه وصبره عليها، وتُمعن في كسر هيبته أمام ضيفيهما مستندة إلي سطوة
أبيها، و"هَنِي" ابنة رجل الدين تَعبُّ كل أنواع الخمور فلا تفيق من
السكر، وتتفاقم آلام معدتها وتتكرر حالات القئ، وسط حرص محيطهم الاجتماعي علي
صورته الخارجية ليبدو مجتمعا راقيا لمن يوهمهم الشكل، برّاقا ومزدحما بالمجاملات
والملابس الفخمة والأماكن الباهرة، فيوحي باكتمال أسباب السعادة، مع أنها الشئ
الوحيد الذي يفتقدونه، ولا يوجد سوي التعاسة التي تخيم علي حياتهم جميعا.
ــ وفي واحدة من ذروات النص نفاجأ بأن ثمة ابن لــ " جورج
ومارتا"، لكن المؤلف لا يدعنا نتيقن إن كان ابنا حقيقيا، أم فكرة وهمية
توافقا عليها صمتا لتعويض عجزهما عن الإنجاب، في إيحاء مباشر بأن مثل هذه العلاقات
علي كل ما فيها من بهرج لا تطرح ثمارا.
ــ وظنّي أن جوهر العمل
هو"تشيئ الإنسان"، وتسليعه، ليكون صالحا للبيع والشراء، وإعلاء البرجماتية
فوق منظومة القيم التي نشأت من بدايات المجتمع الانساني وتقدمت معه، كالعدالة
والحرية والمساواة وغيرها مما كابد البشر لإرسائها وحمايتها، لكن يبدو أن
الرأسمالية الأمريكية لم تشأ غير إعادة الإنسانية إلي المربع رقم واحد، لتحقيق
أقصي ربح ممكن مجددا، وإطلاق حرية رؤوس الأموال وأصحابها بلا حدود، فدهست في
طريقها قيما كثيرة تحت عجلات آلة نهمة لا تترك فتات الخبز ولا القيم لمن راكموا
عرقهم فوائض قيمة في جيوب الأغنياء، أولئك الذين اشتروا "جورج" و" نِك"
وحولوهما من علماء إلي أدوات في أيديهم،وإذا كان هذا حال العلماء فما بال الطبقة
العاملة الأقل قوة وشأنا، وهو ما دفع الأديبة الأمريكية " فرجينيا وولف"
ذائعة الصيت للانتحار احتجاجا علي تلك الوحشية التي بددت روح الإنسان وأحلامه بلا
رحمة.
ـــ
عرفت أن الفنان الكبير "سناء شافع" ظل مسكونا بروح هذا العمل لأربعة
عقود تقريبا منذ شاهده عام1973بصحبة المخرج أحمد زكي في مهرجان برلين المسرحي,
وبقي يخايله من آن لآخر، ولم يهدأ له بال إلا حين جسده برؤيته وأخرجه للمسرح القومي،
وكما كان صادقا عبر مسيرته الفنية في الانشغال بهموم وطنه، يظهر هذا العرض اهتمامه
بقضايا الإنسان في عمومها، ولأنه يعرف يقينا أن الثورة المصرية هبَّت لاسترداد
الكرامة الوطنية والشخصية، بادر إلي تقديم هذا العمل الجيد ليقول كلمته الجادة
بأسلوب فني راق. ـــ
أما "أحمد فؤاد سليم" فقد إرتقي مستوي شيخ الطائفة في التمثيل بسهولة،
ولم يعد بحاجة لتجسيد الشخصيات كما يردد بعض الفنانين، لأن روحه الصوفية تتسلل إلي
" الحالة الصحيحة" وتتماهي فيها بلا عناء، وينسي اسمه وذاته، مما أكسبه مصداقية واسعة لدي
محبيه الذين يتزايدون تدريجيا، ولو رأوه في "حالة جورج" لأحبوه أكثر،
فهو يقدم الحيرة الانسانية المُركّبة المُربِكة بعذوبة وراحة.
وقدمت "منال
سلامة" "مارتا" كأنها تعرف عذابها بشكل شخصي، أو عانته معها،
وتعاملت مع حالة السكر والتخبط بحساسية وبلا مبالغة، ومزجت بوعي أوجاع الروح
والجسد، فبدا لو أنها نفسها تتألم لهذا التمزق، بالرغم من علاقتها القديمة بهذا
الدور الذي قدمته عند تخرجها من معهد الفنون المسرحية، ونهلت "نيفين رفعت"
من حِنكة "سناء شافع"، ومَعْلَمة "أحمد فؤاد سليم"، فقدمت
أداء بسيطا مقنعا، يعكس ضياع ابنة رجل الدين الجشع بلا إفراط، ونافسها "يحيي
أحمد" بأداء واثق وزع الإعجاب بالعدل علي أربعة " فراودة" قرروا
بملء مواهبهم أن يقدموا مباراة ناجحة، أوصلت الفكرة إلي وجدان المتلقي فصفق لهم مستمتعا.
هذه مسرحية نطالب بالحرص علي إعادة عرضها
دائما لتنشيط وعي الانسان بذاته وواقعه. فتحية لأصحابها وهنيئا لنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق