أحمد صبرى أبوالفتوح : محاولات القضاء على روح مصر بدأت بسرقة انتصار أكتوبر
المصدر:الأهرام اليومى ( 18 سبتمبر 2012 )
حوار : أسامة الرحيمي
أحمد صبري أبو الفتوح |
فى روايته الجديدة "أجندة سيد الأهل" قارب صاحب ملحمة " السراسوة" المقدمات المنطقية لثورة يناير!.
روائى أدرك الكوا من فكتب عملا مدهشا يحفظ على الثورة وهجها، ويحذرنا من مخاوف تحيق بها من كل صوب!.
فأوجع قلوبنا بأحزان "رفاعة صابر سيد الأهل"، إبن مناضل عمالى شريف. خصّه أبوه باسم رائد التنوير "رفاعة الطهطاوي"، لعله يترسم خُطاه فى مدارج العِلم، وكابد من أجل ذلك مختلف المشقّات فى تربيته هو وأخوته، لكنه فارق الحياة قبل انطلاق أحلام كانت تُحوِّم فى صدره باتجاه السماء.
ورث "رفاعة"همَّة والده، واضطلع بهموم عائلته، فسدَّ أباطرة الحزب الوطنى سبل الرزق الشريف فى وجهه، ولم يُتيحوا له إلّا دهاليز تجاراتهم الحرام، وحين استشعروا اعتداده بكرامته وتاريخ والده، أوكلوه لرجال أمن بلا ضمير أثخنوه ملاحقة واعتقالات هرسوا بها آدميته وانتهكوا شرفه، ولمّا بلغت المهانة ذُراها سجّل أسماء من أهدروه فى أجندة لساعة انتقام تَحينَّها. وواتته الفرصة مع اندلاع الثورة وهو حبيس إحدى زنازينهم، فهرب ضمن من هربوا.
وفى أيامها الأولى وقف ممزقا حول التحرير، تتنازعه النقائض، فبينما انحازت جيناته النضالية النظيفة ومال قلبه للثوار، ظل جسده وسط البلطجية وزملاء السجن الذين شكّلوا حزاما وحشيا تربص بالميدان. وبقدر رغبته فى الهتاف ضد الظلمة، كان شوقه للانتقام منهم أكبر فأبقاه بين المجرمين، لعله يظفر برجال الحزب وأمن الدولة والشيوخ الفاسدين المسجلة أسماؤهم فى أجندته فيشفى غُلّته.
لكن قدره ساقه إلى قلب الميدان، ليستشهد برصاص قنّاص فى لحظة استثنائية، ردت عليه كرامته المهدورة، وبدت تكريما لروحه المعذبة، وأرواح كل من ناضلوا لأجل الشعب ولم يدركوا الثورة.
كست وجهه ابتسامة لم تعرف طريقها إليه وهو حيّ. ربما أراحت قلبه ومحت آلامه قبل موته!.
روائى أدرك الكوا من فكتب عملا مدهشا يحفظ على الثورة وهجها، ويحذرنا من مخاوف تحيق بها من كل صوب!.
فأوجع قلوبنا بأحزان "رفاعة صابر سيد الأهل"، إبن مناضل عمالى شريف. خصّه أبوه باسم رائد التنوير "رفاعة الطهطاوي"، لعله يترسم خُطاه فى مدارج العِلم، وكابد من أجل ذلك مختلف المشقّات فى تربيته هو وأخوته، لكنه فارق الحياة قبل انطلاق أحلام كانت تُحوِّم فى صدره باتجاه السماء.
ورث "رفاعة"همَّة والده، واضطلع بهموم عائلته، فسدَّ أباطرة الحزب الوطنى سبل الرزق الشريف فى وجهه، ولم يُتيحوا له إلّا دهاليز تجاراتهم الحرام، وحين استشعروا اعتداده بكرامته وتاريخ والده، أوكلوه لرجال أمن بلا ضمير أثخنوه ملاحقة واعتقالات هرسوا بها آدميته وانتهكوا شرفه، ولمّا بلغت المهانة ذُراها سجّل أسماء من أهدروه فى أجندة لساعة انتقام تَحينَّها. وواتته الفرصة مع اندلاع الثورة وهو حبيس إحدى زنازينهم، فهرب ضمن من هربوا.
وفى أيامها الأولى وقف ممزقا حول التحرير، تتنازعه النقائض، فبينما انحازت جيناته النضالية النظيفة ومال قلبه للثوار، ظل جسده وسط البلطجية وزملاء السجن الذين شكّلوا حزاما وحشيا تربص بالميدان. وبقدر رغبته فى الهتاف ضد الظلمة، كان شوقه للانتقام منهم أكبر فأبقاه بين المجرمين، لعله يظفر برجال الحزب وأمن الدولة والشيوخ الفاسدين المسجلة أسماؤهم فى أجندته فيشفى غُلّته.
لكن قدره ساقه إلى قلب الميدان، ليستشهد برصاص قنّاص فى لحظة استثنائية، ردت عليه كرامته المهدورة، وبدت تكريما لروحه المعذبة، وأرواح كل من ناضلوا لأجل الشعب ولم يدركوا الثورة.
كست وجهه ابتسامة لم تعرف طريقها إليه وهو حيّ. ربما أراحت قلبه ومحت آلامه قبل موته!.
* ــ البعض يرى الكتابة عن ثورة يناير الآن نوعا من التعجل؟ أليس ثمّة من يمكنه استيعاب الحدث واستلهامه فى عمل إبداعي؟
أعتقد أن مقولة التعجل غير صحيحة، فالحدث المُلْهِم يمكن التعبير عنه بأشكال مختلفة، تشكيليا وشعريا وروائيا، وحتى بصورة يوميات، وأنا تعاملت مع الثورة بصيغة الرواية، وكنت واعيا طوال الوقت أنها تجرى على الأرض ولم يكتمل فعلها بعد، فأمعنت فى البحث وراء ظواهر كانت قائمة قبل الثورة وتفاعلت أثناء حدوثها، مثل ظاهرة البلطجة التى حتمت على الروائى بداخلى الغوص فى أعماقها، وهو ما ينفى فكرة التعجل.
* - ركّزت بوضوح على آلام "المسكوت عنه" وهى كثيرة فى حياتنا، وشكّلت المقدمات المنطقية للثورة، فهل الثورة تحديدا سبب كتابة الرواية؟
يقينا الثورة سبب كتابة هذه الرواية، بل إن "رفاعة صابر سيد الأهل" و"عمار بن ياسر" (تايسون) وُلِدَا فى خيالى معا يوم 27 يناير 2011 مساء عندما أطلق البوليس البلطجية على المجتمع. ونحن فى المنصورة خرجنا يومى 26 و27 يناير ولم نتوقف عن التظاهر. حيث رأيت بنفسى أحد البلطجية يقتل شابا جميلا بجواري، أطاح رأسه بالسيف، وفى تلك اللحظة تعلقت عيناى بأعماق عينى البلطجى الذى اتجه ناحيتى للحظات ولا أدرى ما الذى صرفه عنى باتجاه آخر، وحين آويت إلى مكتبى فى ذات الليلة كان "رفاعة سيد الأهل" وتوأمه "تايسون" قد تشكّلا فى مخيلتي، وكتبت حينها أول جملة فى الرواية وهى: "ليس فى أسرة سيد الأهل كلها من سُمّى بهذا الاسم. رفاعة. لكن"، وكان لابد أن يكون "رفاعة"، وأن يكون ابن المناضل " صابر سيد الأهل".
* - تداعيات الثورة السياسية كانت ثرية لحد مذهل، فهل أغنتك عن القراءة فى تاريخ الثورات تأهبا للرواية؟
أوافقك الرأي، فالمشهد السياسى أثناء الثورة كان بالغ الغني، وكان شديد الوضوح للمخضرمين، لذا لم أعان فى وضع شخصياتى على جبهات القتال فى الثورة، لكننى عموما مُتيّم بقراءة تواريخ الثورات، وأى كاتب جاد لا تفوته القراءة عن الثورتين الفرنسية والروسية، وثورة القاهرة الأولى والثانية، وثورات 19 ويوليو، و18 و19 يناير 1977، لأن تأثيرات تلك القراءات على الأدب عميقة.
*- عملت بالنيابة لعشر سنوات، فهل أفادك هذا فى التفاصيل التى ازدحمت بها الرواية، مثل تلفيق الشرطة "لرفاعة سيد الأهل" تهمة الاتجار فى المخدرات، وما الفارق بين رؤية وكيل النيابة والروائي؟
سألنى الأستاذ الأديب "أبوالمعاطى أبوالنجا" بعد قراءته الرواية عن أكثر المهن إفادة للكاتب، وأجاب هو بأن الطبيب ووكيل النيابة هما أكثر مهنتين تفيدان الكاتب، وأعتقد أن عملى بالنيابة لعشر سنوات والمحاماة لثمانية وعشرين أخرى جعلانى أفهم كثيرا من الأسئلة الوجودية المتعلقة بالإنسان فى أحرج لحظات القهر والخوف والحصار واليأس، وربما يكون هذا واضحا فى الرواية.
*- رصدت تداعيات الثورة المضادة من حزام البلطجية حول ميدان التحرير إلى موت "رفاعة سيد الأهل"، فهل تفاقم الوقائع إلى الآن يمكن أن يلهمك جزءا ثانيا للرواية؟
"شهدي" و"صفية" يلحّان على بشكل كبير، أنا شُفت شهدى ميتا فى "واقعة ماسبيرو"، وشُفت صفية فى أحد ائتلافات الثورة تضع على رأسها عصابة الحداد، ورأيت بخيالى البلطجية "تايسون وتيمور والقشاش" يلعبون أدوارا مختلفة متعلقة بأحداث الثورة، لكنى لم أحزم أمرى بعد، وهناك "أبوداود الجهيني" وهو صنو "تايسون وتيمور"، انقض على الثورة وصار مُشرّعا يُلّح على لأكتبه، وأنا أُفكر بعمق فى الأمر.
*- "رفاعة صابر سيد الأهل" ابن مناضل يسارى أوقعته ظروفه القاسية فريسة للنظام السابق وحوّلته إلى بلطجي، فبدا فصلاً حزينا من حياة أمة مهيضة، فهل قضى نظام مبارك عمدا على طُهر الروح النضالية، وأحلام الطبقة العاملة؟
سأعود بك إلى ما قبل محنة مصر تحت رئاسة حسنى مبارك، إن القضاء على الروح النضالية بدأ بسرقة انتصار أكتوبر 1973، عندما عاد المقاتلون الذين حققوا النصر إلى البطالة والفقر والتهميش، واعتلى وجه الحياة المُتجرُون بالدين، والمُخدرات، وبتزييف التاريخ، فى تلك الفترة انتقلت مصر من بلد يسترد كرامته ويقينه بقدرته على خوض غمار الحياة إلى بلد يعتليه الفاسدون والطفيليون والحاقدون على تاريخه ومقدراته ولصوص المال العام، وما مرحلة مبارك إلا امتداد طبيعى وذروة هذه المسيرة الانقلابية، والاختلاف فى الدرجة لا النوعية، وكان قدر مناضل مثل "صابر سيد الأهل " أن يصطدم بسلطة وطنية ذات توجه اجتماعى تحت قيادة عبدالناصر بسبب الحريات، وبسلطة اعتمدت التبعية تحت قيادة السادات، وسلطة غاشمة لصوصية خيانية تحت قيادة مبارك، الأمر الذى قصم ظهر الروح النضالية إلا قليلا، وأغلق كثيرا من الأبواب فى وجه أحلام الطبقة العاملة والفلاحين.
*- على نحو ما بدوت متعاطفا مع البلطجية " تايسون واللنش وسيد القشاش وتيمور الناعم والأعور"؟
البلطجية ضحايا نظام سياسى واجتماعى ظالم بامتياز، طرد الناس جماعيا من جنة الثروة والكرامة الوطنية، ولم يكن أمام هؤلاء إلا ممارسة التطفل على نظام اجتماعى مغلق انعدمت فيه فرص العمل لا يمكن معه وجود فرصة للترقى الاجتماعى إلا الانغماس فى الجريمة، ولقد تنبه النظام البائد والحالى للأسف لهذه الظاهرة فوظفها لتأديب المعارضين، ولا أمل فى استيعاب هذه الاشكالية المركبة (الظالم المظلوم) إلا إذا قبضت الثورة على السلطة، ساعتها ستكون الأسئلة الاجتماعية مطروحة أما فى الوضع الحالى فإن كل الأسئلة الاجتماعية التى كانت محظورة لدى النظام السابق هى أيضا محظورة الآن، يكفى أن النظام يرفض بعناد تحديد الحد الأدنى للأجور، أو وضع سقف للحد الأعلي.
*- أتعتقد أن الثورة أسقطت ذلك التحالف الجهنمى بين فلول الحزب الوطنى المنحل "صفوت البيومي" والشيخ "أبوداود الجهيني" مفتى السلطان، ورجال أمن الدولة "اللواء عاصم الإمام" والرائد "مجدى الحسيني" الذين كانوا يستخدمونهم؟ أم أن المشوار ما يزال طويلا؟
التحالف الجهنمى منعقد بين فلول النظام البائد القائم وبين التنطع باسم الدين وبين النظرة الاستعلائية لأذناب محترفى التآمر الأمنى وبين الانتهازية المتمثلة فى تنظيمات سياسية تفتقر إلى الشرف والخيال والدفء الاجتماعي، والثورة للأسف لا تمتلك أية أداة لإسقاط هذا التحالف سوى الإصرار على التواجد فى الميدان وفى الشارع ولكن بأعين مفتوحة هذه المرة.
*- هل قصدت بموت رفاعة فى ميدان التحرير تكريم روحه تقديرا لعذابه؟
نعم. كنت فى أمس الحاجة لتكريم رفاعة، فكما شهد ميدان التحرير عرسه الأصغر بزواجه من صفية، شهد أيضا عرسه الأكبر وهو استشهاده، وقصدت التلويح بتحية لتاريخ اليسار المصري، وأن أرد شيئا من اليقين إلى أرواح أساتذتى من المناضلين التى تفتقر إلى العزاء، كنت ألوح لأحمد نبيل الهلالى وزكى مراد وفريد عبدالكريم وكل المناضلين الشرفاء الذين رحلوا قبل أن يروا هذه الثورة، وأيضا أردت أن أكرم "الشهيد المبتسم". رفاعة. الذى ما زالت تغمرنا ابتسامته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق