الاثنين، 20 مايو 2013

جابر عصفور .. في محبة الشعر !

جابر عصفور .. في محبة الشعر !

المصدر:الأهرام اليومى ( 4 نوفمبر 2009 )
 
أسامة الرحيمي
 


علي مدي الشوف لا أري ناقدا شغلته مسئولياته الرسمية عن إسهاماته النقدية مثل الدكتور جابر عصفور!
ولا مسئولا كتب لدوريات سيارة، بمثل دأبه، شهريا وأسبوعيا، كأنما نذر نفسه للكتابة، متحاشيا غواية المناصب.
وظني أنه لو تفرغ من بداياته للنقد لبات شأنه أكبر مما حقق بكثير!
فهو يحوز منذ بواكيره شنطة عِدّة كاملة ، فيها مَلَكَة فطرية، ودأب يحسد عليه، ولغة رصينة سهلة، وسعة إطلاع، وذائقة سليمة، وتخصص أكاديمي.
فهل كان بريق المناصب ـ إبّان شبابه ـ أسطع من ألق الكتابة؟
فتفرقت طاقته هكذا علي مسارات ثلاثة، المناصب، والتدريس بالجامعة، والنقد، فاقتصرت الاستفادة به في كل منها علي ثلث قدراته.
وتَطِنٌ الأسئلة. من أين له بكل هذا الوقت؟، فمتي يقرأ؟، وكيف يُصَرِّف شئون عمله؟ وما الآلية التي يوائم بها بين الاثنين؟ وسط تمتعه بعلاقات قومية أوسع من شبكات المحمول، فلا يكف عن السفر، ولا استقبال ضيوف مؤتمراته!
وكتابه الأخير في محبة الشعر يكشف ملكته النقدية بجلاء، لمن يطالعه كاملا.
يقول في تمهيده:. لم يكن من قبيل المصادفة أن تحتفي الحضارة العربية بالشعر، دون غيره، وتضعه في مقدمة فنونها، وتجعل منه ديوان العرب الذي يجمع مآثرها ومفاخرها، معارفها ومداركها، لأنها وصلت بين قدرة الشعر علي تجسيد الذاكرة الإبداعية للأمة في ماضيها، وقدرته علي الكشف عن وعود الزمن الآتي في مستقبلها، فكان الشعر علامة هذه الحضارة وهويتها الإبداعية.
و هذا الحضور القديم الجديد، المتصل المنفصل، هو مفارقة الشعر العربي التي تجمع بين المؤتلف والمختلف، المتقارب والمتباعد، فتعلمنا إمكان الجمع بين الأجيال المتباعدة والتيارات المتعارضة..
خمس وثلاثون مقالة ضافية ـ كتبها عبر سنوات ـ تناول فيها عصفور الشعر من أواخر القرن التاسع عشر زمن البعث والإحياء، ورمزه محمود سامي البارودي الذي استبدل: الميلاد بالموت، والنماء بالذبول، والربيع بالخريف، والنهار بالليل، والنهضة بالانحدار، والابتكار بالتقليد.
وعن شوقي خطّ سبع مقالات قال في آخرها : لا أظن أن قامة شعرية من قامات شعراء الإحياء قد وصلت إلي الذروة التي وصل إليها شعر شوقي الذي يظل إنجازه الإبداعي أكثر تميزا، كما وكيفا، من إنجاز أقرانه، بما فيهم البارودي الذي سبقه، وحافظ إبراهيم الذي عاصره، ولم يتردد في مبايعته أميرا للشعر سنة 1926.
وقال عن صلاح جاهين: ينبغي علينا أن نعتبره واحدا من أعلام الشعر الحر في مصر، ورافدا من أهم روافدها، ذلك لأنه انتقل بالقصيدة العامية ـ التي كانت مجرد زجل أو موال ـ إلي قصيدة إبداعية بكل معاني الإبداع، ولا فارق جذريا بين قصيدة لصلاح جاهين وأخري لصلاح عبد الصبور من هذا المنظور.
وأفاض في شرح أنشودة المطر للسياب، ودراسة محمد عفيفي مطر، وأمل دنقل، وممدوح عدوان، ودرويش، وحلمي سالم، وغيرهم بلغة واعية، واحتراف العارفين.
وبحذر الجرّاحين خصص لقصيدة النثر عدة مقالات، وأخري عن الكلام الرطيط، وشعر الصراصير، والقبح في الشعر.
فيض رؤي حول شعراء العمودي، والتفعيلة، وقصيدة النثر، صنعت كتابا مشوقا، وطَيَّرت علامات استفهام حول كاتبها!
فما حال هذا العصفور لو حلق فوق شجر الكتابة وحده؟
الكتاب صادر عن الدار المصرية اللبنانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق