للحَجِ أشجانُ قديمة!
زمان. كان الحج موسما للوجد والشجن!
تتوق النفوس للفريضة, وتهفو القلوب للطواف, والانعتاق بين يديّ الله من كروب الدنيا, و"يُملِّسُ" الحاج علي قبر الحبيب هامسا له بقسوة الحياة, وكثرة الذنوب, ويطلب وساطته.
وتستعطفه أسمهان بصوتها الشجيّ:
شفاعة يا جَدْ الحَسَنين
دا محملك رجعت أيامه
وفي القري, حيث يقيم الشقاء, كان البسطاء يتخففون من أشواقهم بالغناء والانشغال بتجهيز "الزوّادة":
رايحة فين يا حاجة يامّ الشال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة
ويتوافد الرجال لتهنئة الموعود بالحج, فيغبطونه, ويستمعون إلي الإنشاد الديني, ويتمايلون في حلقات الذكر بشغفِ, وعيون دامعة, وقلوب يهزّها الشوق.
كان التحنين يبدأ قبل الرحيل بعدة أسابيع, والنساء يغنين لأزواجهن لترقيق قلوبهم فيسرعوا بالعودة إليهن, ويهنئوهم " بشوفة النبي":
يا هناه. اللي انوعد
ويطلب من الله
يرجعوا سالمين. بنصرة من الله
كان خروج المحمل من القاهرة بكسوة الكعبة ذروة البهجة الاجتماعية العامة في مصر, يختلط الرسمي بالشعبي بسماحة, وتنتظم خلفه طوابير القوافل الآتية من جميع الأنحاء, تأتنس ببعضها من وحشة الطريق, وتحشد الفرح الجمعي:
وديني يا دليل وديني. ع النبي أشوفه بعيني
ويَنْسَل صوت "ليلي مراد" العذب بين صخب الدفوف:
يا رايحين للنبي الغالي
هنيالكم وعقبالي
كان العائد ينضم إلي الهيئة العليا للقرية بجلال لقب "الحاج", ويصبح عضوا أساسيا في المجالس العرفية, وكلمته لاتحتمل المراجعة, وهَلَّتِهْ تستوجب الوقوف توقيرا للمهابة الجديدة!
والآن. دهست السرعة الأشواق والوجد, وتلاشي الإنشاد والذكر, وتوقف الغناء, و"الزُوّادة" لقاح إنفلونزا الخنازير!
كانت بشاير العودة تجدد المشاعر, وتؤجج الشوق لعودة الغائبين, فتغني النساء:
نَقْرَش البوابة ببوهية وزيتي
واكتب حِجِتي علي باب بيتي
فيتباري الفنانون العفويون في طلاء واجهات الدور الريفية بألوان زاهية, ورسم الكعبة المشرفة, ورموز السفر, جمل, وباخرة, وقطار, وطائرة, ويكتبون الآية الكريمة "وأذن في الناس بالحج", وشعار المناسبة "حج مبرور, وسعي مشكور, وذنب مغفور".
وعلي الحاج أن يُولِمَ للناس مَرّتَين, "وليمة النزلة" عند وصوله, والثانية "وليمة السبوع" بعد سبعة أيام.
ويغنون له:
اللي زار النبي يجيب الأمارة دا المشاعل دهب وخضرا الستارة
ليصف لهم مشاعره حين تعلق بأستار الكعبة, ولحظة رأي قبر الحبيب وسالت دموعه في حضرته بلا وجل:
من كان ضمينه النبي لم يشق جسمه نار
لا تزال بعض رسومات تزين واجهات "دور قليلة" علي استحياء, لكن "لهوجة الحج السريع" خطفت الألق من ألوانها, وبددت حلاوة الوجد من القلوب, وأطاحت ببهجة الغناء!
الجامعة الأمريكية حفظت ما تبقي من هذا الفن في كتاب عنوانه "رسومات الحج", من تأليف "أفون نيل" وتصوير "آن باركر", وجمعوا مادته من محافظات متفرقة في أنحاء مصر ويضم 150 صورة ملونة.
المصدر:الأهرام اليومى
بقلم: اسامة الرحيمى
زمان. كان الحج موسما للوجد والشجن!
تتوق النفوس للفريضة, وتهفو القلوب للطواف, والانعتاق بين يديّ الله من كروب الدنيا, و"يُملِّسُ" الحاج علي قبر الحبيب هامسا له بقسوة الحياة, وكثرة الذنوب, ويطلب وساطته.
وتستعطفه أسمهان بصوتها الشجيّ:
شفاعة يا جَدْ الحَسَنين
دا محملك رجعت أيامه
وفي القري, حيث يقيم الشقاء, كان البسطاء يتخففون من أشواقهم بالغناء والانشغال بتجهيز "الزوّادة":
رايحة فين يا حاجة يامّ الشال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة
ويتوافد الرجال لتهنئة الموعود بالحج, فيغبطونه, ويستمعون إلي الإنشاد الديني, ويتمايلون في حلقات الذكر بشغفِ, وعيون دامعة, وقلوب يهزّها الشوق.
كان التحنين يبدأ قبل الرحيل بعدة أسابيع, والنساء يغنين لأزواجهن لترقيق قلوبهم فيسرعوا بالعودة إليهن, ويهنئوهم " بشوفة النبي":
يا هناه. اللي انوعد
ويطلب من الله
يرجعوا سالمين. بنصرة من الله
كان خروج المحمل من القاهرة بكسوة الكعبة ذروة البهجة الاجتماعية العامة في مصر, يختلط الرسمي بالشعبي بسماحة, وتنتظم خلفه طوابير القوافل الآتية من جميع الأنحاء, تأتنس ببعضها من وحشة الطريق, وتحشد الفرح الجمعي:
وديني يا دليل وديني. ع النبي أشوفه بعيني
ويَنْسَل صوت "ليلي مراد" العذب بين صخب الدفوف:
يا رايحين للنبي الغالي
هنيالكم وعقبالي
كان العائد ينضم إلي الهيئة العليا للقرية بجلال لقب "الحاج", ويصبح عضوا أساسيا في المجالس العرفية, وكلمته لاتحتمل المراجعة, وهَلَّتِهْ تستوجب الوقوف توقيرا للمهابة الجديدة!
والآن. دهست السرعة الأشواق والوجد, وتلاشي الإنشاد والذكر, وتوقف الغناء, و"الزُوّادة" لقاح إنفلونزا الخنازير!
كانت بشاير العودة تجدد المشاعر, وتؤجج الشوق لعودة الغائبين, فتغني النساء:
نَقْرَش البوابة ببوهية وزيتي
واكتب حِجِتي علي باب بيتي
فيتباري الفنانون العفويون في طلاء واجهات الدور الريفية بألوان زاهية, ورسم الكعبة المشرفة, ورموز السفر, جمل, وباخرة, وقطار, وطائرة, ويكتبون الآية الكريمة "وأذن في الناس بالحج", وشعار المناسبة "حج مبرور, وسعي مشكور, وذنب مغفور".
وعلي الحاج أن يُولِمَ للناس مَرّتَين, "وليمة النزلة" عند وصوله, والثانية "وليمة السبوع" بعد سبعة أيام.
ويغنون له:
اللي زار النبي يجيب الأمارة دا المشاعل دهب وخضرا الستارة
ليصف لهم مشاعره حين تعلق بأستار الكعبة, ولحظة رأي قبر الحبيب وسالت دموعه في حضرته بلا وجل:
من كان ضمينه النبي لم يشق جسمه نار
لا تزال بعض رسومات تزين واجهات "دور قليلة" علي استحياء, لكن "لهوجة الحج السريع" خطفت الألق من ألوانها, وبددت حلاوة الوجد من القلوب, وأطاحت ببهجة الغناء!
الجامعة الأمريكية حفظت ما تبقي من هذا الفن في كتاب عنوانه "رسومات الحج", من تأليف "أفون نيل" وتصوير "آن باركر", وجمعوا مادته من محافظات متفرقة في أنحاء مصر ويضم 150 صورة ملونة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق