«طارق الطيب» رافع أشـهر رايات الثورة
أثناء هجوم قوات الأمن على الثوار في شارع محمد محمود خلال نوفمبر الماضي استلفت أنظار هم صمود "ثائر جسور" وسط سُحُب الغاز الخانقة، ظل يلوّح براية الوطن لثلاثة أيام متصلة بلا كلل، وبالرغم من كثافة الدخان، واستهدافه من قوات الأمن وضربها جسده بالقنابل مباشرة، بقي قابضا علي العلم، يُحرّكَه بانتظام كدليل للثوار، ليهتدوا به ويشجعهم علي مواصلة الدفاع عن ثورتهم ومطالبهم المشروعة.
- كانت رفرفة العلم إشارة ساطعة للثوار بأن الميدان حصنهم الآمن لايزال تحت سيطرتهم، وانتشرت الحكايات حول "رافع الراية المجهول" في جنبات الميدان، ونَسَجَت المُخيّلات تصورات متفرقة حوله في أحلك ظرف، كأنما يستلهمون جرأته، ويستمدون منه المدّد، فقال بعضهم إنه بقي ممسكا بالعلم لخمسة أيام، وتحدث آخرون بإعجاب عن قدرته الخارقة المضادة للغاز القاتل، وأجمعت الروايات علي جسارته التي أرعبت ضابط الأمن واستنفرتهم ضده فصوّبُوا قنابلهم علي جسده بِغِلٍّ ليخنقوه، واستهدفه القنّاصة بإصرار، لكن دخان قنابلهم أخفاه عن عيونهم، وضلل هم حركة العلم الدائبة فعجزوا عن تحديده كهدف ثابت، ولمّا يأسوا من اصطياده، ظنّوه جِنّيَاَّ انحاز للثوار، أو ملاكا يحميه الله تعالي، وإلّا فكيف يصمد إنسان أمام غاز مُميت كل هذا الوقت.
وعلاقة طارق بالعَلَم بدأت قبل ثورة يناير بأكثر من عشر سنوات، وهو في المرحلة الاعدادية، حيث كان يلعب الكرة ذات مرة مع زملائه، فدخلت بالخطأ إلي غرفة ناظر المدرسة الذي أخذها ورفض أن يردها إليهم بالرغم من إلحاح طارق عليه، وتوعده له بالانتقام إن لم يُعِدها، وتعنت الناظر فانتظر حتي غادر الجميع المدرسة وأخذ العَلَم، وكان حجمه يزيد علي المترين، وظل محتفظا به إلي أن عرف بخبر التظاهر يوم 25 يناير 2011 فبادر إلي تنظيفه وكيّه، وشارك في تظاهرات ذلك اليوم إنطلاقا من مدينة نصر، ومنحه رفع الراية طوال الطريق إلي ميدان لتحرير في أيام الثورة إحساسا مبهرا بأنه في مهمة مقدسة. ـ وعاد إلي بيته وقلبه ملئ بفرح خفي، وسعادة لم يجربها من قبل، وبالروحية ذاتها تظاهر يوم 28 يناير، مفعما بالجسارة والأمل، ويومها اكتسب صداقات كثيرة ضاعفت عزيمته، وقرر البقاء في ميدان التحرير وسط مئات من الثوار انتزعوا الرهبة من صدورهم، واستقوّوا ببعضهم، وأشعلوا نارا في الصينية يغالبون بها البرد القارس، ودفأوا قلوبهم بالتعارف وتناقل الحماس، ولم يلقوا بالاً لرصاص يئز فوق رؤوسهم ومن حولهم، وسأل أحدهم طارق إن كان يريد الهرب بعيدا عن مرمي الطلقات فقال نه يفضل " الموت دافئا بين رفاق الثورة علي برودة الجبن خارج الميدان"
ويوم 29 يناير وسط الأحداث العنيفة طلبه منه أحدهم «العَلَم» ليلفوا به جثمان شهيد، فتنازل عنه بلا تردد، كأنه حفظه في بيته كل هذه السنوات ليكون كفنا لشهيد.
واشترى علما جديدا من الميدان، وضم إليه علم فلسطين فى سارية واحدة، وظل يرفعهما فى التحرير حتي بعد تنحي حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية. وبعد استشهاد "مينا دانيال" واطلاقه مع صديقيه المخلصين "حسين البدرى" و"مايكل كرارة" حركة "كلنا مينا دانيال" وسموا علم مصر "بالهلال والصليب" وكتبوا عليه كلمة "حرية"، وأضافوا إليهما راية حمراء عليها وجه "مينا دانيال" الذي أسماه الناس " جيفارا المصري".
ـ لم يكن طارق قبل الثورة يهتم بالسياسة، ولم يكن يعرف أكثر مما يعرفه الناس عن الأوضاع العامة، ومثلهم كان يري القهر والجوع والذل في عيون البسطاء، ويسمع شكاواهم حول ضيق الحال.
وفي يوم 28 يناير الذي لم يكن مجرد فُرجة، تَعَرَّف علي ثوار كُثر، شباب لا يهابون الموت، ويقدمون أرواحهم بسخاء عفوي للوطن. تلك الفكرة المنسية التي أعادوا لها زهوتها لصدارة الوجدان العام وتقدموا صوب فوهات النار بصدور متحدية، فَتَشَجَّع طارق بدوره، واكتسب خبرة التجربة كاملة خلال ساعات قليلة. ومن رأي ليس كمن سمع ـ كما يقول ـ ويومها إكتشف أنه لا يتأثر بالغاز كالآخرين ولاتدمع منه عيناه، فتقدم إلي الصفوف الأولي مطمئنا، وكلما سقط شهيد بجواره ازداد إصراره، إلي أن إنكسرت شوكة الأمن، وفي آخر نهار الجمعة 28 يناير مال مع أصدقائه إلي صينية ميدان التحرير لعلهم يقتنصون بعض الراحة وسط ذروة الصدام، وقال لنفسه وهو يراقب صلابة رفاقه بإعجاب:" هؤلاء الأصدقاء إما مجانين أو راغبي انتحار"، فهم لا يخش ن الرصاص، لأن الأمر عندهم لم يعد مجرد اعتراض علي الظلم كما كان يظن في البدايات، بعدما تَخَضَّبَت ملابسهم بدماء الثوار، وتكللّت رقابهم بمسئولية الثأر من قتلة الشهداء.
وتجلي وعي "طارق الطيب" الذي اكتسبه من الثورة في قوله: " كنت سلفيا متشددا وأكره المسيحيين، لكني حين رأيت الأمور بنفسي اختلفت، كما يقول بيت الشعر: " قلوب العاشقين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرين"، وربنا لمّا يحب أحدا ينير له بصيرته، وأتمني علي الله تعالي أن يَمُنّ علي الشعب المصري بنور البصيرة".
أما حبه للشهيد " مينا دانيال" فلا علاقة له بالوعي السياسي، فصداقتهما إنعقدت قبل تغير فكره القديم، ولم يكن حينها يمتلك الروح الثورية الذي أنضجته، وبلورت القيم الوطنية في ذهنه، لكنه أحبه بمعني الحديث النبوي الرفيع:" الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها إئتلف، وما تنافر منها اختلف"، ومينا كان يحب الخير لمصر والناس، فكيف لايحب هو من يمتلك قلبا باتساع الوطن. يكرر طارق: " كان لازم أحب مينا دانيال "، وبعد استشهاده ورثت حبه في رفيقين يشبهانه في قناعاته الوطنية، هما "مايكل كرارة" و"مايكل يوسف"، ويحرص " طارق الطيب" علي زيارة والدة مينا، وتقبيل يدها، كما يحرص على تقبيل يد أم "خالد سعيد"، ويعتبرهما مثل أمه تماما. وهذا ما جعله ينتهي إلي أن مسلمي مصر ومسيحييها ليسوا شركاء وحسب، بل «مُلّاك الوطن»، واتحادهم من أجل أهداف عظيمة مثل مطالب الثورة يضاعف أهمية هذه القيم.
وأثناء التظاهر أمام سفارة الصهاينة فى ذكرى النكبة، هدّه الإعياء فناول العَلَم لصديقه "مايكل كرارة "وتمدد على رصيف كوبرى الجامعة، ونام، وحين أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز لم يشعر بها، ولم يوقظه إلا متظاهر تعثر في جسده وسقوطه بجواره.
في أحداث "محمد محمود" كان الثوار يقفون علي الجانبين ويتركون وسط الشارع لموتوسيكلات الإنقاذ، لتتمكن من نقل الجرحي والشهداء، لكنه اختار آخر نقطة آمنة، حتي يُمكِنه التلويح بالعلم لتشجيع الثوار علي التقدم، ويقنع الأمن بأنّه لا نية لدي الشباب للتراجع، ولم يشأ التقدم بضع خطوات أخري حتي لا يمنح القوات المهاجمة فرصة لتطويق الشباب بطريقة " الكمّاشة"، لذا تمسك بمكانه لتأمين ظهور الشباب، ما يعني أنه استوعب فكرة التكتيك الميداني من التجربة مباشرة، وبلا تلكؤ.
المفارقة أن الغاز الجديد الذي أطلقته قوات الأمن ضد المتظاهرين أَثَّرَ فيه للحظات، وأدمع عيناه قليلا، وخلال ساعة تقريبا إكتسب مناعة جديدة ضده، و"كان الوحيد من الشعب المصري الذي لم يطالب بالغاز القديم"، وفق الهتاف الطريف الذي انتشر في الميدان وقتها، "الشعب يريد الغاز القديم"! كعادة المصريين في السخرية وسط الشدائد.
ويُرجع عدم تأثره بالغاز الجديد إلي أنه رأي "مينا دانيال" ( بشحمه ولحمه لا خياله) وسط الناس في شارع محمود، فثبَّتهُ مثلما ثبّتَ هو العلم، لأن" مينا " بالنسبة له "يقين دائم " لا رمز مؤقت، وأن يأتيه وسط هذا الاشتباك يعني مباشرة "أنه علي حق".
ـ يقول طارق باطمئنان: " كنت أنظر في عين كل ضابط وجندي مباشرة، وكانت تفصلني عنهم مسافة صغيرة، فكنا نري بعضنا بوضوح، وأحدهم صوب الخرطوش ناحيتي فأشرت له أن الله معنا، وللحظات وجدت نفسي وحيدا في الشارع، وتقدم ضابط بحماس وهو يُعمّر بندقيته ويصوب ناحيتي، ويحميه عسكرى أمن مركزى بوضع درع أمامه، وهو لم يكن يحميه شيئا، لكن الضابط عجز عن إصابتي، واندهش فاقترب أكثر حتي أصبح بيني وبينه أقل من 15 مترا، ورأيت في عينيه الخوف، وظني أنه تصور أنني مفخّخ أو مجنون، كان من ضباط الشرطة(الغربان السود) وتراجع بظهره وهو خائف، وك ن جميلا بالنسبة لي أن "يخاف المسلح من الأعزل"، وبعدها عاد الثوار إلي الشارع.
ويجزم بوجود قناصة أعلى المبنى المواجه لمكتبة الجامعة الأمريكية، والفيلا المجاورة لها، وكانوا يطلقون الرصاص على المتظاهرين طوال يومى الأحد والاثنين، وكانت مدرعات الشرطة العسكرية توجه ضوء كشافاتها ناحية الثوار لتمنعهم من رؤية القوات، ولم يصيبوه هو لأنه كان وسط دخان كثيفة طوال الوقت منعهم من رؤيته.
كان طارق "ينام مثل الخيل واقفا" وسط الاشتباكات، وأيقظه مينا دانيال فقفز لأعلي مرّات متتالية ليفيق من غفوته، وكان أصدقاؤه يطعمونه وهو واقف مكانه.
صباح يوم اشتباكات ماسبيرو أخبره "مينا" أنه سيزوره في بيته، لكنه لم يأت ولم يخبره أنه سيشارك في المظاهرة، ليضمن مصريتها واعلاء للروح الوطنية في مواجهة التشدد المسيحي، واتصل به طارق أكثر من عشرين مرة، لكنه كان قد أغلق تليفونه، وذهب إلي لحظة استشهاده وحده، ويعلق طارق بأسي: " كنا متفقين نموت مع بعض لكنه لم يف بالعهد، اختار أن يحميني، واستشهد بمفرده".
وبعد ثلاثة أيام من الوقوف المتصل، واليقظة الدائمة، وسط اشتباكات محمد محمود، وبعدما استوعب الثوار رسالته، وأدركوا قيمة دوره، أشفق عليه أصدقاءه من الانهيار، وحملوه عُنوة إلي بيت صديقه "بوني" وأعطوه مُنوِمَا ليرتاح قليلا، لكنه لم ينم غير ثلاث ساعات عاد بعدها إلي الميدان، وبعد يومين أقام الجيش الجدار.
سألته لماذا لم يلقِ الحجارة علي قوات الأمن كسائر المتظاهرين واكتفاءه برفع العلم، فقال ببساطة: " أكره إيذاء أى انسان حتى لو كان يطلق الرصاص عليّ ".
وعلي خلاف كل الروايات يؤكد أن شهداء تلك الموقعة تجاوزوا 1005 شهيد، ويستشهد في هذا بمسئول مشرحة زينهم الذي عزلوه بعدما أعلن ذلك في اليوم الثاني، ولأن هؤلاء الشهداء كانوا معروفين من أوراقهم، قاموا بمسح بياناتهم من مصلحة الأحوال المدنية بالعباسية.
وفي الأيام الأولي لاعتصام مجلس الوزراء انضم هو ورفاقه، وأقاموا هناك باعتباره امتدادا طبيعيا للثورة التي لم تتحقق مطالبها بعد، ولأنه لايؤمن بالمثل الشعبي " الإيد اللي ما تعرفش تُعضّها بوسها"، يقول أنه سيظل يعُضّ هذه اليد إلي أن تقع أسنانه، ويعُضها غيره، إلي أن يتمكن أحدهم من قطعها لتنجح الثورة.
وعن حرق المجمع العلمي قال: " كنا أكثر من ثلاثين بين خريج وطالب جامعي، ولم نكن نعرف جميعا أن المبني هو المجمع العلمي، وظنناه تابعا لوزارة النقل، والذين أحرقوه هم الذين يعرفون ما هو، وهدفهم إلصاق تهمة حقيرة بالثوار".
ويتحرك طارق في الحياة والثورة باطمئنان لأن والده يمتلك روحا ثورية، ولا يبدي خوفه عند نزوله الميدان، وكلما أبدت والدته خوفها يقول والده: " له عمر، ولو له شربة ماء في الدنيا سيشربها، فخلّيه يعمل كل ما يُشرّفه في الدنيا ولا يموت مثل الخرفان".
ويتوقع أن يكون 25 يناير الجاري يوما كرنفاليا، لأن الجيش سيستخدم التيارات الدينية، التي يمكن أن تتجمهر وتزايد علي الثوار، ويشيعون أن البرلمان هو ممثل الشعب الشرعي، وسيقول للثوار من أنتم، وسيستخدم المؤسسات الإعلامية ومنها الأهرام، في ظل أمية تزيد عن40%، والجهل السياسي لنصف المتعلمين، ولا أريد أن أستخف بأحد من المصريين، ويعتقد بأنهم ربما يستخدمون سلاح البلطجة، ويؤكد: "أنا كثوري لا يشرفني أن أموت علي يد بلطجي"، لكن أهالي الشهداء لن يسكتوا، والثوار لن يتراجعوا حتي تتحقق مطالب الثورة.
لكنه يوقن قطعيا بـ: "أن انتصار الثورة حتمي، لا احتمالات فيه، فإما أن تنتصر أو تنتصر".
بقلم : أسامة الرحيمي
- كانت رفرفة العلم إشارة ساطعة للثوار بأن الميدان حصنهم الآمن لايزال تحت سيطرتهم، وانتشرت الحكايات حول "رافع الراية المجهول" في جنبات الميدان، ونَسَجَت المُخيّلات تصورات متفرقة حوله في أحلك ظرف، كأنما يستلهمون جرأته، ويستمدون منه المدّد، فقال بعضهم إنه بقي ممسكا بالعلم لخمسة أيام، وتحدث آخرون بإعجاب عن قدرته الخارقة المضادة للغاز القاتل، وأجمعت الروايات علي جسارته التي أرعبت ضابط الأمن واستنفرتهم ضده فصوّبُوا قنابلهم علي جسده بِغِلٍّ ليخنقوه، واستهدفه القنّاصة بإصرار، لكن دخان قنابلهم أخفاه عن عيونهم، وضلل هم حركة العلم الدائبة فعجزوا عن تحديده كهدف ثابت، ولمّا يأسوا من اصطياده، ظنّوه جِنّيَاَّ انحاز للثوار، أو ملاكا يحميه الله تعالي، وإلّا فكيف يصمد إنسان أمام غاز مُميت كل هذا الوقت.
وعلاقة طارق بالعَلَم بدأت قبل ثورة يناير بأكثر من عشر سنوات، وهو في المرحلة الاعدادية، حيث كان يلعب الكرة ذات مرة مع زملائه، فدخلت بالخطأ إلي غرفة ناظر المدرسة الذي أخذها ورفض أن يردها إليهم بالرغم من إلحاح طارق عليه، وتوعده له بالانتقام إن لم يُعِدها، وتعنت الناظر فانتظر حتي غادر الجميع المدرسة وأخذ العَلَم، وكان حجمه يزيد علي المترين، وظل محتفظا به إلي أن عرف بخبر التظاهر يوم 25 يناير 2011 فبادر إلي تنظيفه وكيّه، وشارك في تظاهرات ذلك اليوم إنطلاقا من مدينة نصر، ومنحه رفع الراية طوال الطريق إلي ميدان لتحرير في أيام الثورة إحساسا مبهرا بأنه في مهمة مقدسة. ـ وعاد إلي بيته وقلبه ملئ بفرح خفي، وسعادة لم يجربها من قبل، وبالروحية ذاتها تظاهر يوم 28 يناير، مفعما بالجسارة والأمل، ويومها اكتسب صداقات كثيرة ضاعفت عزيمته، وقرر البقاء في ميدان التحرير وسط مئات من الثوار انتزعوا الرهبة من صدورهم، واستقوّوا ببعضهم، وأشعلوا نارا في الصينية يغالبون بها البرد القارس، ودفأوا قلوبهم بالتعارف وتناقل الحماس، ولم يلقوا بالاً لرصاص يئز فوق رؤوسهم ومن حولهم، وسأل أحدهم طارق إن كان يريد الهرب بعيدا عن مرمي الطلقات فقال نه يفضل " الموت دافئا بين رفاق الثورة علي برودة الجبن خارج الميدان"
ويوم 29 يناير وسط الأحداث العنيفة طلبه منه أحدهم «العَلَم» ليلفوا به جثمان شهيد، فتنازل عنه بلا تردد، كأنه حفظه في بيته كل هذه السنوات ليكون كفنا لشهيد.
واشترى علما جديدا من الميدان، وضم إليه علم فلسطين فى سارية واحدة، وظل يرفعهما فى التحرير حتي بعد تنحي حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية. وبعد استشهاد "مينا دانيال" واطلاقه مع صديقيه المخلصين "حسين البدرى" و"مايكل كرارة" حركة "كلنا مينا دانيال" وسموا علم مصر "بالهلال والصليب" وكتبوا عليه كلمة "حرية"، وأضافوا إليهما راية حمراء عليها وجه "مينا دانيال" الذي أسماه الناس " جيفارا المصري".
ـ لم يكن طارق قبل الثورة يهتم بالسياسة، ولم يكن يعرف أكثر مما يعرفه الناس عن الأوضاع العامة، ومثلهم كان يري القهر والجوع والذل في عيون البسطاء، ويسمع شكاواهم حول ضيق الحال.
وفي يوم 28 يناير الذي لم يكن مجرد فُرجة، تَعَرَّف علي ثوار كُثر، شباب لا يهابون الموت، ويقدمون أرواحهم بسخاء عفوي للوطن. تلك الفكرة المنسية التي أعادوا لها زهوتها لصدارة الوجدان العام وتقدموا صوب فوهات النار بصدور متحدية، فَتَشَجَّع طارق بدوره، واكتسب خبرة التجربة كاملة خلال ساعات قليلة. ومن رأي ليس كمن سمع ـ كما يقول ـ ويومها إكتشف أنه لا يتأثر بالغاز كالآخرين ولاتدمع منه عيناه، فتقدم إلي الصفوف الأولي مطمئنا، وكلما سقط شهيد بجواره ازداد إصراره، إلي أن إنكسرت شوكة الأمن، وفي آخر نهار الجمعة 28 يناير مال مع أصدقائه إلي صينية ميدان التحرير لعلهم يقتنصون بعض الراحة وسط ذروة الصدام، وقال لنفسه وهو يراقب صلابة رفاقه بإعجاب:" هؤلاء الأصدقاء إما مجانين أو راغبي انتحار"، فهم لا يخش ن الرصاص، لأن الأمر عندهم لم يعد مجرد اعتراض علي الظلم كما كان يظن في البدايات، بعدما تَخَضَّبَت ملابسهم بدماء الثوار، وتكللّت رقابهم بمسئولية الثأر من قتلة الشهداء.
وتجلي وعي "طارق الطيب" الذي اكتسبه من الثورة في قوله: " كنت سلفيا متشددا وأكره المسيحيين، لكني حين رأيت الأمور بنفسي اختلفت، كما يقول بيت الشعر: " قلوب العاشقين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرين"، وربنا لمّا يحب أحدا ينير له بصيرته، وأتمني علي الله تعالي أن يَمُنّ علي الشعب المصري بنور البصيرة".
أما حبه للشهيد " مينا دانيال" فلا علاقة له بالوعي السياسي، فصداقتهما إنعقدت قبل تغير فكره القديم، ولم يكن حينها يمتلك الروح الثورية الذي أنضجته، وبلورت القيم الوطنية في ذهنه، لكنه أحبه بمعني الحديث النبوي الرفيع:" الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها إئتلف، وما تنافر منها اختلف"، ومينا كان يحب الخير لمصر والناس، فكيف لايحب هو من يمتلك قلبا باتساع الوطن. يكرر طارق: " كان لازم أحب مينا دانيال "، وبعد استشهاده ورثت حبه في رفيقين يشبهانه في قناعاته الوطنية، هما "مايكل كرارة" و"مايكل يوسف"، ويحرص " طارق الطيب" علي زيارة والدة مينا، وتقبيل يدها، كما يحرص على تقبيل يد أم "خالد سعيد"، ويعتبرهما مثل أمه تماما. وهذا ما جعله ينتهي إلي أن مسلمي مصر ومسيحييها ليسوا شركاء وحسب، بل «مُلّاك الوطن»، واتحادهم من أجل أهداف عظيمة مثل مطالب الثورة يضاعف أهمية هذه القيم.
وأثناء التظاهر أمام سفارة الصهاينة فى ذكرى النكبة، هدّه الإعياء فناول العَلَم لصديقه "مايكل كرارة "وتمدد على رصيف كوبرى الجامعة، ونام، وحين أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز لم يشعر بها، ولم يوقظه إلا متظاهر تعثر في جسده وسقوطه بجواره.
في أحداث "محمد محمود" كان الثوار يقفون علي الجانبين ويتركون وسط الشارع لموتوسيكلات الإنقاذ، لتتمكن من نقل الجرحي والشهداء، لكنه اختار آخر نقطة آمنة، حتي يُمكِنه التلويح بالعلم لتشجيع الثوار علي التقدم، ويقنع الأمن بأنّه لا نية لدي الشباب للتراجع، ولم يشأ التقدم بضع خطوات أخري حتي لا يمنح القوات المهاجمة فرصة لتطويق الشباب بطريقة " الكمّاشة"، لذا تمسك بمكانه لتأمين ظهور الشباب، ما يعني أنه استوعب فكرة التكتيك الميداني من التجربة مباشرة، وبلا تلكؤ.
المفارقة أن الغاز الجديد الذي أطلقته قوات الأمن ضد المتظاهرين أَثَّرَ فيه للحظات، وأدمع عيناه قليلا، وخلال ساعة تقريبا إكتسب مناعة جديدة ضده، و"كان الوحيد من الشعب المصري الذي لم يطالب بالغاز القديم"، وفق الهتاف الطريف الذي انتشر في الميدان وقتها، "الشعب يريد الغاز القديم"! كعادة المصريين في السخرية وسط الشدائد.
ويُرجع عدم تأثره بالغاز الجديد إلي أنه رأي "مينا دانيال" ( بشحمه ولحمه لا خياله) وسط الناس في شارع محمود، فثبَّتهُ مثلما ثبّتَ هو العلم، لأن" مينا " بالنسبة له "يقين دائم " لا رمز مؤقت، وأن يأتيه وسط هذا الاشتباك يعني مباشرة "أنه علي حق".
ـ يقول طارق باطمئنان: " كنت أنظر في عين كل ضابط وجندي مباشرة، وكانت تفصلني عنهم مسافة صغيرة، فكنا نري بعضنا بوضوح، وأحدهم صوب الخرطوش ناحيتي فأشرت له أن الله معنا، وللحظات وجدت نفسي وحيدا في الشارع، وتقدم ضابط بحماس وهو يُعمّر بندقيته ويصوب ناحيتي، ويحميه عسكرى أمن مركزى بوضع درع أمامه، وهو لم يكن يحميه شيئا، لكن الضابط عجز عن إصابتي، واندهش فاقترب أكثر حتي أصبح بيني وبينه أقل من 15 مترا، ورأيت في عينيه الخوف، وظني أنه تصور أنني مفخّخ أو مجنون، كان من ضباط الشرطة(الغربان السود) وتراجع بظهره وهو خائف، وك ن جميلا بالنسبة لي أن "يخاف المسلح من الأعزل"، وبعدها عاد الثوار إلي الشارع.
ويجزم بوجود قناصة أعلى المبنى المواجه لمكتبة الجامعة الأمريكية، والفيلا المجاورة لها، وكانوا يطلقون الرصاص على المتظاهرين طوال يومى الأحد والاثنين، وكانت مدرعات الشرطة العسكرية توجه ضوء كشافاتها ناحية الثوار لتمنعهم من رؤية القوات، ولم يصيبوه هو لأنه كان وسط دخان كثيفة طوال الوقت منعهم من رؤيته.
كان طارق "ينام مثل الخيل واقفا" وسط الاشتباكات، وأيقظه مينا دانيال فقفز لأعلي مرّات متتالية ليفيق من غفوته، وكان أصدقاؤه يطعمونه وهو واقف مكانه.
صباح يوم اشتباكات ماسبيرو أخبره "مينا" أنه سيزوره في بيته، لكنه لم يأت ولم يخبره أنه سيشارك في المظاهرة، ليضمن مصريتها واعلاء للروح الوطنية في مواجهة التشدد المسيحي، واتصل به طارق أكثر من عشرين مرة، لكنه كان قد أغلق تليفونه، وذهب إلي لحظة استشهاده وحده، ويعلق طارق بأسي: " كنا متفقين نموت مع بعض لكنه لم يف بالعهد، اختار أن يحميني، واستشهد بمفرده".
وبعد ثلاثة أيام من الوقوف المتصل، واليقظة الدائمة، وسط اشتباكات محمد محمود، وبعدما استوعب الثوار رسالته، وأدركوا قيمة دوره، أشفق عليه أصدقاءه من الانهيار، وحملوه عُنوة إلي بيت صديقه "بوني" وأعطوه مُنوِمَا ليرتاح قليلا، لكنه لم ينم غير ثلاث ساعات عاد بعدها إلي الميدان، وبعد يومين أقام الجيش الجدار.
سألته لماذا لم يلقِ الحجارة علي قوات الأمن كسائر المتظاهرين واكتفاءه برفع العلم، فقال ببساطة: " أكره إيذاء أى انسان حتى لو كان يطلق الرصاص عليّ ".
وعلي خلاف كل الروايات يؤكد أن شهداء تلك الموقعة تجاوزوا 1005 شهيد، ويستشهد في هذا بمسئول مشرحة زينهم الذي عزلوه بعدما أعلن ذلك في اليوم الثاني، ولأن هؤلاء الشهداء كانوا معروفين من أوراقهم، قاموا بمسح بياناتهم من مصلحة الأحوال المدنية بالعباسية.
وفي الأيام الأولي لاعتصام مجلس الوزراء انضم هو ورفاقه، وأقاموا هناك باعتباره امتدادا طبيعيا للثورة التي لم تتحقق مطالبها بعد، ولأنه لايؤمن بالمثل الشعبي " الإيد اللي ما تعرفش تُعضّها بوسها"، يقول أنه سيظل يعُضّ هذه اليد إلي أن تقع أسنانه، ويعُضها غيره، إلي أن يتمكن أحدهم من قطعها لتنجح الثورة.
وعن حرق المجمع العلمي قال: " كنا أكثر من ثلاثين بين خريج وطالب جامعي، ولم نكن نعرف جميعا أن المبني هو المجمع العلمي، وظنناه تابعا لوزارة النقل، والذين أحرقوه هم الذين يعرفون ما هو، وهدفهم إلصاق تهمة حقيرة بالثوار".
ويتحرك طارق في الحياة والثورة باطمئنان لأن والده يمتلك روحا ثورية، ولا يبدي خوفه عند نزوله الميدان، وكلما أبدت والدته خوفها يقول والده: " له عمر، ولو له شربة ماء في الدنيا سيشربها، فخلّيه يعمل كل ما يُشرّفه في الدنيا ولا يموت مثل الخرفان".
ويتوقع أن يكون 25 يناير الجاري يوما كرنفاليا، لأن الجيش سيستخدم التيارات الدينية، التي يمكن أن تتجمهر وتزايد علي الثوار، ويشيعون أن البرلمان هو ممثل الشعب الشرعي، وسيقول للثوار من أنتم، وسيستخدم المؤسسات الإعلامية ومنها الأهرام، في ظل أمية تزيد عن40%، والجهل السياسي لنصف المتعلمين، ولا أريد أن أستخف بأحد من المصريين، ويعتقد بأنهم ربما يستخدمون سلاح البلطجة، ويؤكد: "أنا كثوري لا يشرفني أن أموت علي يد بلطجي"، لكن أهالي الشهداء لن يسكتوا، والثوار لن يتراجعوا حتي تتحقق مطالب الثورة.
لكنه يوقن قطعيا بـ: "أن انتصار الثورة حتمي، لا احتمالات فيه، فإما أن تنتصر أو تنتصر".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق