الاثنين، 20 مايو 2013

بهاء طاهر : لا يمكن أن يكون الأديب عظيما ونذلا في آن

 بهاء طاهر
 
 
يري أنه لا انفصال بين سلوك  المبدع وكتاباته

بهاء طاهر : لا يمكن أن يكون الأديب عظيما ونذلا في آن

 
عناوين فرعية :
 ـ أوافق على انخراط الكاتب في الشأن العام وأن يكون له موقفا فكريا إلي جانب أعماله الأدبية
 ـ بعض الناس لا يحبون الحزن في أعمالي لكن الدكتور علي الراعي قال : " الفن في ذاته فرح"

ـ أحب البهجة والمرح لكن الظروف لم تساعدني علي إظهار هذا الجانب خاصة الأوضاع العامة المحزنة
 ـ العمل الأدبي ينفصل عن إرادة صاحبه عند مرحلة معينة لهذا لم أفلح في إعداد مسبق لأعمالي
 ـ هناك أصابع خارجية وراء الفتنة الطائفية في مصر ونعرف القوي التي يهمها ضرب وحدتنا الوطنية

حوار :  أسامة الرحيمي
 

ـ إذا رأيت " بهاء طاهر" سيشاغلك سؤال "ما هذه البساطة" !

ـ وإذا قرأت أعماله ستقول : " ما هذه العذوبة والأسى"!

 ـ وإذا إلتقيته ستندهش من كل هذا " الشجن  والصدق والمرح "!

ـ في حياته لا يختلف في شئ عن عامة الناس، ولا يهتم بتقديم نفسه أبدا، وإذا تعرف عليه أحدهم يرتبك من فرط الحياء .

ـ وأعماله تقطر حزنا علي المعذبين بأوطانهم، وقلوبهم، وإشفاقا علي الصادقين من عنت الحياة، وانهيار القيم  .

ـ وفي حواراته تري بعينيك، وتلمس اتساقه الشخصي مع أعماله، وكل ما بشر به من أيام البرنامج الثاني إلي الآن .

ـ كان مذيعا نابها، ومخرجا مخلصا للناس والحقيقة، يشعر أنه يشارك بجهده في بناء وطن، ونهضة أُمّة .

ـ وموظفا أمميا طاف بأنحاء متفرقة من الدنيا، خبر الشعوب والأحوال السياسية فاكتسب رؤية أشمل .

ـ وأديبا اعتصر خلاصة كل هذه الأشياء في مجموعة أعمال فوّاحة كالروائح العطرة .

ـ فاحتل مكانة رفيعة بين المبدعين، تليق بأعماله، وتمدد في قلوب الناس، الذين يبادرهم عادة بابتسامته الحميمة، فبسطوا له مشاعرهم، وبادلوه وداً بودٍ، وصدقاً بِصدق .

ـ بعض قصصك مثل "بالأمس حلمت بك"، و"أنا الملك جئت"، و"محاورة الجبل"، تبدو مشاريع روايات ـ "نوفيلا" ـ فهل تداعيات الفكرة أثناء الكتابة هي التي تفرض النوع، أم رغبة إبداعية في الجمع بين القصة والرواية ؟

الموضوع هو الذي يفرض الحجم والنوع، وبعض أعمالي بدأتها قصة فانتهت إلي رواية، وبعضها العكس، ولا أظن أن للكاتب سيطرة كاملة علي الإبداع، وضربت المثل كثيرا بروايتي "خالتي صفية والدير"، فالقصة كانت عن المقدس "بشاي" فقط، لكن شخصية صفية توسعت وفرضت نفسها وجعلتها رواية، وأظن أن الكاتب العاقل هو الذي يترك شخصياته تنمو بمنطقها هي، أما التخطيط المسبق كما كان يفعل أستاذنا الراحل نجيب محفوظ فهو أسلوب مهم جدا، وهو أسلوب كان يناسب انضباطه في الحياة، والملاحم التي قدمها، لكني لا أجيده، و كل ميسر لما خلق له .

ـ بالنظر إلي التجارب المتنوعة الغنية التي عشتها طوال حياتك يبدو إنتاجك قليل جدا، فهل معيار المستوي لديك مقدم علي الكّم ؟

خير لي أن أكون مُقِلاً من أن أكون مدلسا، بعض الأعمال الأدبية يقلبها كتابها مثل الجوارب، وأنا يصيبني الرعب من تكرار أي شخصية أو فكرة في أي عمل لي .
ـ كيف أمكنك إدراك صوتك الخاص في بداياتك وسط نوابغ جيلكم مع أنك لم تكن متفرغا للأدب، لدرجة أن يوسف إدريس قال عنك " هذا أديب لا يستعير أصابع غيره" ؟
 ـ والله لا أعرف .. ربما كان جيلنا حريصا بشكل عام علي عدم تقليد السابقين، و"يوسف إدريس" قدم أول قصة قصيرة لي في مجلة الكاتب، وكان النشر وقتها في غاية الصعوبة، فحين تذهب للأستاذ "عبد الفتاح الجمل" في جريدة المساء تجد أمامه تلا من القصص ويضع قصتك أسفله، ويقول " هييجي دورها"، وعمنا "يحي حقي" كان يقول تكفي قصة واحدة للمبدع في السنة، لهذا أظن الجيل الحالي أكثر حظا منا، أما تقديم "يوسف إدريس" لي فكان وساما وما زال، فأنا من دراويشه، وحبي له كالمريد للقطب، وهو غير قابل للتقليد، لأن موهبته متوحشة .
ـ كيف تري اتساق السلوك الشخصي للمبدع ومواقفه السياسية مع كتاباته، وهل يحق للرأي العام محاسبته أخلاقيا، أم أن الإبداع يغفر له أخطائه حتي لو كانت علنية ؟

 ـ أصعب سؤال.. أنا ممن يعتقدن إنه لا انفصال بين سلوك المبدع وكتاباته، لكن كثيرين غيري قالوا ثمة انفصال، وقلت لا يمكن أن يكون الأديب عظيما ونذلا في آن، وبعض الموهوبين يعتقدون أن موهبتهم تتيح لهم الحصول علي ما لا يحصل عليه غيرهم، وأنا أظن ذلك مشروعا إذا تطوع المجتمع بتقديمه للأديب الموهوب، لا أن يطلبه هو، ورحم الله "يحي حقي" الذي رفض الكتابة للأهرام علي ما فيها من مميزات، وأصر  علي البقاء في التعاون والمساء، وهذا كان يتسق مع زهده وتكوينه الشخصي وكتاباته أيضا . 
ـ هل من حق الرأي العام محاسبة الأديب علي سلوكه ومطابقته علي كتاباته ؟

 ـ شئنا أم أبينا هو يحاسبه، المتنبي مات قبل ألف سنة مثلا؟، لكنه مازال يشغل الدنيا والناس، ونحن في سنة 2010 نتفق علي شعره، ونختلف علي شخصه، وهذا يدهشني لأنه مات من قرون بعيدة لكن شعره ما زال حيّا، وتصرفاته محل جدل، وكنت أحب التحدث مع الطيب صالح عن المتنبي، وللمصادفة كانت الأبيات التي يحبها هي ذاتها التي أحبها، فالمتنبي شاعر عظيم .

 ـ ومتي يحق للكاتب التحدث في الشأن العام، وهل يقتصر هذا علي قضايا حرية الإبداع والتعبير، أم يمكنه الانحياز لتوجه سياسي ما، أم الأفضل تسريب آرائه في أعماله ؟

 ـ هذا الأمر متروك لكل كاتب، آخر ما قلته أنت عن تسريب الآراء في الأعمال الإبداعية كان نهج العظيم نجيب محفوظ، لكن يوسف إدريس كان علي النقيض وانخرط في العمل السياسي منذ شبابه، وأنا شخصيا أوافق على انخراط الكاتب في الشأن العام، وأن يكون له موقفا فكريا إلي جانب أعماله الأدبية، وكتابي " أبناء رفاعة" هو شهادتي عن هذا العصر .

 ـ هل يزدهر الأدب في فترات الانحطاط، أم ينتكس مثل بقية الأمور، أم لا يرتبط بالحالة السياسية ؟

ـ سؤال مهم جدا جدا ..، فالأدب كان مزدهرا في أوروبا في الحرب العالمية الثانية أثناء انشغالها في قضايا كبري، وفي العصر القيصري في روسيا حوكم ديستويفسكي وسجن، وهو نفس العصر الذي قدم تولستوي، وتورجنيف، وتشيكوف، ومكسيم جوركي، وغيرهم، وازدهر الأدب أيضا في أمريكا اللاتينية تحت دكتاتوريات جمهوريات الموز، وفي إفريقيا بعد التحرير "سوينكا" و"أتشيبي"، فيبدو أن القهر حافز للكتابة، وإن كان حائلا دون النشر، فلا ندري ماذا حذفت الرقابة في العصر القيصري من الأدب الروسي العظيم، وأنا صادفت شيئا مثل هذا في روايتي " شرق النخيل" فقد ظللت ثماني سنوات لا أجد من ينشرها، لكن القمع يمثل حافزا للمقاومة، لكن السؤال الفلسفي أي قمع هذا الذي يسبب ازدهارا للأدب ؟ إنه ثمن فادح، فإذا كان لابد من القمع "فبلاش أدب " !.

 ـ هل الحزن الذي نُحسّه في أعمالك حصيلة طبيعية لخبراتك في الحياة، أم إنشغال بحال الوطن وهموم الناس، أم ميل قديم في تكوينك، أو مزيج منهما، وهل صحيح أن الوعي يُورث الغمّ ؟

ـ طبعا .. طبعا .. وأنا ذكرت في أكثر من سياق أن ظروفي الشخصية لعبت دورا رئيسيا في هذا الحزن، فمعظم أفراد أسرتي ماتوا في الأربعينات في وباء الملاريا، ثم فقدت أشقائي تباعا، بأمراض مستعصية ولم تكن تمر سنوات إلا ويموت أحدهم، وأنا الوحيد الباقي من أسرتي، وبعض الناس لا يحبون هذا الحزن في أعمالي، لكن الدكتور علي الراعي قال ذات مرة ردا علي هذا : "إن الفن في ذاته فرح"، وأنا أحب الفرح، وأحب قراءة أعمال الراحل الساخر "محمد عفيفي"، وكتابات "مارك توين"، وأول ما أقرأه في جريدة الأخبار "أحمد رجب"، وأحب البهجة والمرح لكن الظروف لم تساعدني علي إظهار هذا الجانب، خاصة الأوضاع العامة المحزنة .

 ـ رفضت وجود فكرة علاقة الشرق بالغرب في أعمالك, لكن بعض الآراء النقدية تراها واضحة في "واحة الغروب" و " بالأمس حلمت بك" و" " الحب في المنفي" و"قالت ضحي" وقصة " الجارة" في مجموعتك الأخيرة فكيف تراها أنت كأديب ومواطن عربي ؟

ـ أنا بيّنت موقفي في مقالتين الأول عن "طه حسين" في كتاب "أبناء رفاعة"، والثانية بعنوان "لماذا يكرهنا الغرب"، والحكاية ليست حب وكراهية، فعلاقتي بالغرب متوازنة فلا أنا من الكارهين له ولا من المنبهرين به، المهم أن نعرف من نحن، مثل الصين واليابان، وكان تصور الغرب لهما ويعاملهما أسوا من العرب الآن، ولا أظن أن هناك دولة تحظي بالاحترام الذي تتمتع به الصين واليابان بعدما أصبحتا من القوي الاقتصادية العظمي، اليابان الرأسمالية والصين الشيوعية، لابد أن نجد طريقا لنا، ولا نرد علي اتهام الغرب لنا بنظرات استعلائية جدا مثل نحن أصل الحضارة وما شابه ذلك .

 ـ  لماذا تبدو النكسة لدي جيل الستينات جُرحاً طرياً يستعصي علي الإلتئام، هل لأنها اكتسحت أحلام جيلكم، أم أن ما جري في العقود اللاحقة أخفق في تهدأة آلامها ؟

ـ أظن الإجابة في الشق الثاني من سؤالك، صحيح كان وقع الصدمة كاسحا، لكن لاحت لنا فرصة للشفاء أثناء حرب أكتوبر 73، لكن التطورات اللاحقة أعادت إحباطات 67، ففي اللحظة التي ظننا أننا سنقوم، أعطوا فرصة للتيارات الظلامية التي قالت لنا أن ما حدث لنا كان بسبب بعدنا عن ربنا، والوضع الحالي يجبرنا علي البحث عن مخرج، لابد أن نفعل مثل الصين واليابان، وسمعت أن مهاتير محمد في بداية عهده جمع كل السياسيين وقال لهم إعطونا فرصة نعمل نهضة علمية ونبني البلد وبعدها إذا سمعتوا إني سرقت اقتلوني، فأية نهضة لها أساسيات، التنمية الزراعية والصناعية، وأن يتكاتف الجميع مثل ماليزيا، وبعد تحقيق النهضة فلنختلف كما نريد .

ـ هل تظن أن الثقافة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في بلدنا, أم أن مشاكل السكن والخبز والغاز لها الأولوية ؟

الثقافة ليست فقط قادرة، بل هي الشئ الوحيد القادر، والثقافة هنا بمعني الفكر السائد في المجتمع، مجموع القيم، فقيمة مثل النزاهة في اليابان تساوي الحياة نفسها، فلو مُسّت نزاهة وزير ياباني مثلا ينتحر فورا، ولا أقصد هنا الثقافة بالمعني الضيق مثل المسرح التجريبي فهي لا تفيد بشئ، الثقافة الحقيقية هي التي كانت تحصل أيام ثروت عكاشة، قوافل الثقافة الجماهيرية، وعرض الأفلام التسجيلية المهمة في حياة الناس علي الفلاحين، وظنّي أن كل شئ يبدأ بالثقافة، الانتصار يبدأ بالثقافة، والانكسار يبدأ بضربها .

ـ هل تعتقد أن ما حدث لمصر في السبعينات مثل المناخ الطارد للثقافة، وإطلاق اللحي علي القوي التقدمية، وما إلي ذلك مصادفة عادية، أم مخططا محكما ؟
ـ أنا رأيي أنه كان مخططا بإحكام، وعنوان أحد فصول كتابي اسمه الاستغناء عن الثقافة، وفيه فصل أساسي عنوانه" كيف وصلنا إلي الإخوان"، وليس صدفة أبدا غلق كل المجلات، وإطلاق الوعاظ ليسيطر فكرهم، كيف أتت التيارات الظلامية، الدين يمكن أن يكون قوة تقدم هائلة في حياتنا، كما حدث في تاريخنا، لكنه استخدم بشكل غير صحيح في السبعينات .

ـ كنت من مؤسسي البرنامج الثاني في الإذاعة ضمن فريق ضم سميرة الكيلاني ومحمود مرسي وصلاح عز الدين وفؤاد كامل برئاسة سعد لبيب الذي تصفه عادة بالديمقراطي، فما سر نجاح البرنامج الثقافي، هل كانت طبيعة المرحلة أم مهاراتكم الفردية والقدرة الجماعية ؟
ـ أعتقد أنها كل هذه العناصر مجتمعة، فأنا دخلت البرنامج التاني بعد شهرين من إنشائه، ولم يكن مذكورا على خريطة البرنامج العام، وكان لا يعطى فلوسا ولا يحقق شهرة لأحد، وكان الإقدام على العمل فيه يحتاج لتضحية، وسامية الكيلاني مثلا كانت قارئة نشرة في البرنامج العام وكان طه حسين يحب سماع النشرة بصوتها، لكنها تركت ذلك وجاءت إلي البرنامج التاني، ولم يكن هناك إغراء سوي هؤلاء الناس للثقافة، وكان بعضهم يتطوعون للعمل معنا من خارج البرنامج الثاني مثل فاروق شوشة وفاروق خورشيد وعباس أحمد، وهذه كانت سنوات بناء السد العالي والمصانع، وكان مانفعله شئ جديد وغير مسبوق، وكان يعطى أملا في المستقبل، فلسفة فتحي رضوان رحمة الله عليه، وأيضا كان مخططا للبرنامج التاني أن يُطعّم البرنامج العام، وهذا أمل لم يتحقق لأسباب كثيرة، لكن الأمل كان أساس حماسنا جميعا، كنا نشعر بأننا نشارك في بناء وطن، و نعمل من "صباحية ربنا" إلي منتصف الليل برضا تام، وبراتب 18 جنيه وكان كافيا .
ـ مقالتك "لماذا يكرهنا الغرب" كانت أسبق من سؤال الغرب الآن " لماذا يكرهنا العرب"، فما مدي اختلاف الأسباب علي الجانبين، وهل زادت كراهيتهم لنا الآن أكثر؟

ـ المسألة ليست كراهية أو حب، إنما لماذا يعادينا الغرب أو نعادي الغرب، وأعود لأقول فلننظر ماذا فعلت الصين واليابان، أما نحن فردودنا عادة في الاتجاه الغلط، شوف بلد زي الصومال كل فصيل فيها يدّعي إنه الصح، وأفغانستان، و باكستان، أبسط شئ إن الواحد يفجر نفسه ويقتل عشرات، ما هذا ؟، إنظر إلي مثل عظيم مثل فيتنام الضعيفة التي حاربت الغزو الأمريكى  داخل حدودها هي، ولم تذهب لتفجير مانهاتن .

ـ في نعيك للناقد الراحل "فاروق عبد القادر" قلت : "كان زهرة فى بستان الستينات، ولم يحد يوما عن المعايير الموضوعية للنقد"، ألم تكن هذه سمات جيلكم في كل المجالات وليس الأدب والنقد  فقط باستثناءات طفيفة ؟

ـ وإن لم يكن هذا سلوك جيلنا كاملا، إلا إنه كان مثلنا الأعلي علي الأقل، فاروق عبد القادر كان موضع احترام حتي من أعدائه، لذلك كان مثلا أعلي، ما كان يقوله يطبقه، وما يفعله يقوله .

ـ بطل قصّة " بالأمس حلمت بك" قال لـ "آن ماري" الفتاة الأجنبية : أريد أن يكون العالم غير ما هو، والناس غير ما هم" فهل يمكنك تصور هذا العالم الذي تمناه الراوي ؟
ـ عالم جديد شجاع، كما كانت تحلم به "ماري" فيه سعادة وبهجة وعدل، وأهم شئ أن يتحقق فيه العدل بالمعني السياسي، ويتمتع بكافة الحريات .

ـ كما أسلفت تطورت "خالتى صفية والدير" تحت أصابعك من قصة قصيرة إلي رواية، فلأي مدي  يقود العمل كاتبه، أم العكس، وهل ينفصل العمل عند مرحلة ما عن إرادة الكاتب وينمو ذاتيا  ؟

 ـ أعتقد أن العمل الأدبي فعلا ينفصل عن إرادة صاحبه عند مرحلة معينة، لهذا لم أفلح أبدا في إعداد سيناريو مسبق لأيّ من أعمالي، لأني أحيانا لا أعرف ما هي الجملة التالية. فكل ما يشغلني صدق العمل .
ـ إذا كانت "الترجمة خيانة" بنظر البعض، فلماذا أحب الناس ترجمتك للخيميائي لـ " باولو كويلهو "، ألا يخلص بعض المترجمين للنص أكثر من صاحبه  ؟

ـ هذا تفسير جميل جدا ..، لكني لا أعرف لماذا نجحت هذه الرواية بهذا الشكل الساحق، لدرجة إن "باولو كويلهو" نفسه حين جاء إلي مصر شكرني كثيرا، لكنني في ترجمة هذه الرواية راعيت البساطة، وقال البعض أنه بها نفس شعري ليس موجودا في الأصل، ولي ترجمة أخرى لمسرحية "فاصل غريب" لـ "جين أونيل" وكانت أول كتاب طبع لي في السبعينات، وأحرص بقدر الإمكان أن أكون قريبا من روح المؤلف .
ـ هل يمكن أن تكون الترجمة نصا موازيا للأصل ؟
ـ هذه هي الخيانة فعلا، فالمترجم لا يجب أن يُجمّل العمل ولا يُسوّءه، وعليه الالتزام بالأصل لايزيده ولاينقصه .
ـ في مؤتمر أدبي بمدينة براغ في يونيو الفائت أصدرت بيانا يدين الاعتداءات الإسرائيلية علي سفن أسطول الحرية وتضامن معك 15 كاتبا عالميا  فهل هذا من أدوار الأدباء ؟
ـ ذهبت إلي براغ وحالتي الصحية سيئة، لكن الاعتداء علي اسطول الحرية وقع قبل السفر، ونَكّد عليّ، وفي براغ عرفت أن نفوذ الصهاينة في شرق أوروبا قوي جدا، وغياب العرب قوي جدا أيضا، ووجدت الصهاينة في كل التفصيلات، وأشقائنا العرب لا وجود لهم، وأنا أكبرت السفارة المصرية لأنها أقامت حفل استقبال لوفود المؤتمر، وبعدما كتبت البيان تركته في أمانة المؤتمر وفوجئت بتوقيع 15 كاتبا مهما من دول مختلفة ومنها أمريكا، واهتمت به صحيفة تشيكية واحدة، ولم تهتم به صحيفة عربية واحدة، ولم أستطع نشر البيان، وكتبت عن الموضوع ثلاث مرات ولم يسألني أحد، وأنت أول صحفي يسألني عنه، وأنا كما قلت لك مؤمن باهتمام الأديب بالشأن العام .
ـ في نهاية " واحة الغروب" فجر "محمود عبد الظاهر" المعبد بشكل مباغت ومربك، فهل يقودنا مثل هؤلاء الممزقون إلي هدم تاريخنا ليتطهروا من إحساسهم بالخزي ؟
( ضحك وقال ما تقولش كدة عشان الناس تقرا الرواية) .. هذا حكم نقدي، ولا أستطيع أن أجيب علي هذا السؤال، وأرجو ألّا يكون صحيحا، وأظن إن الروايات بشكل عام لا تطرح أحكاما عامة، بل نماذج فردية وفي سياق تاريخي محدد .
ـ دعوت في "خالتى صفية والدير" إلى السماحة والمحبة بين المسلم والمسيحى، فلماذا ينفتح هذا الجرح من آن لآخر؟
ـ أعتقد إن هناك أصابع خارجية وراء الفتنة الطائفية في مصر، فنحن نعيش مع بعضنا منذ قرون طويلة، والسماحة متبادلة وراسخة بيننا، فهل يعقل بين عشية وضحاها أن تتحول إلي عنف وبغضاء إلا إذا كانت هناك أصابع خارجية تحرك الأمور، وببساطة شديدة نحن نعرف القوي الخارجية التي يهمها ضرب وحدتنا الوطنية، والمؤسف أننا نعيش هذه المشكلة من يوم ليوم، ولا نفعل اكثر من تبويس اللحي، من دون بحث عن حلول جذرية .
ـ هل الأدب يمكن أن يكون شريكا في تهدئة الخواطر في مثل هذه القضايا ؟
ـ وحده لا .. ضمن سياسة شاملة ممكن جدا .
ـ " في "الحب في المنفى"  قال إبراهيم: "هل تعرف كيف صدر الأمر بحرماننا من السعادة" فهل تعرف أنت كيف صدر الأمر بسرقة الفرح من الناس  ؟
ـ والله لا أعرف .. والله لا أعرف .. هذه المسألة شغلتني علي مدي حياتي، وأخذت متابعات تكاد تكون كونية، فهل العولمة الكئيبة هي السبب، أو عولمة الكآبة، وتعميمها علي العالم لاستمرار أغنياء العالم في استنزاف فقراء العالم، وهذه ليست قاصرة علي دول العالم الثالث،  لأن هناك مظاهرات ضد العولمة في الغرب .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق