الاثنين، 20 مايو 2013

حسين عبدالعليم : مهمة الإبداع قراءة التاريخ من الزوايا المنسية

 حسين عبدالعليم : مهمة الإبداع قراءة التاريخ من الزوايا المنسية

المصدر:الأهرام اليومى

حسين عبدالعليم

فى سنوات التكوين أتاح له مجتمع الفيوم رؤية تفاصيل النسيج الإنسانى المصري، وعلاقة المسلم بالمسيحى ضمن عادية الحياة اليومية، فتشرّبت روحه التشابكات التاريخية بلا عمد.
وقرأ فى وقت مبكر قصة مُهرِج استبعده صاحب السيرك بسبب الشيخوخة، ولفرط تأثره بآلام المهرج احتفظ بها لسنوات، وحين فقدها حَزِن بشدة، فنصحه والده أن يعيد كتابتها من ذاكرته. وأضاف إليها من خياله حتى ظن أنها أفضل من القديمة، وفى كل الأحوال حسمت علاقته بفعل الكتابة.
وتولع بالقاهرة عبر صديق أشعل ذهنه بأخبار مقاهيها ومبدعيها، وحين انتقل إليها نهاية الستينيات رأى يوسف إدريس ولويس عوض ونجيب محفوظ، وخالط العديد من كتاب الستينيات، واحترف القراءة، وأدركته حرفة الأدب، ونشر بعض أعماله على استحياء فى دوريات متفرقة، لنجد أنفسنا الآن أمام مبدع عصامى خالص، اختط لنفسه أسلوبا يشبهه، صادقا جدا، وقليل الكلام.
رواياته "بنَفَس القصة القصيرة" كما وصفها "علاء الديب"، تحتشد بتفاصيل كثيرة مختزلة، لأن الكتابة عنده مثل "تشيكوف" و"ابراهيم أصلان" تعنى "الاختصار"، وتبهر وجدان المتلقى بوميض الوعى الآسر، وتمتعه فى آنٍ.
روايتاه الأخيرتان "موزاييك" و"زمان الوصل" صدرتا معا. رصد فى الأولى التدهور الذى داهم مصر مع الانفتاح الاقتصادي، وآثاره التى تراكمت بالسلب تدريجيا فأدت إلى قيام ثورة يناير.
وفى الثانية عَرَض لواقع عجائبى يعيشه "صائد طيور"، اضطره ضيق الحال لبيع بندقيته، والتخلى عن عشقه، وأحاله تبدل الأحوال إلى نقيضها إلى طائر مهيض يتلهى به من أفسدوا زمانه، وعجزه عن الإفلات وسّع المصيدة لملايين مثله، لم يعد بإمكانهم غير الحنين إلى "زمان الوصل".
ـ فى روايتك الأخيرة «موزاييك» رصدت تفاصيل تحلل القيم، كأن لا أحد يمتلك شيئا يخاف عليه، والمجتمع فى حال مخيفة من السيولة، تطرح سؤالا جوهريا، من فعل بنا كل هذا؟ هل يمكنك الاجتهاد فى إجابة السؤال كما اجتهدت فى إحكامه؟
من فعل بنا هذا؟ أعتقد أننى أجبت بشكل درامى فى آخر صفحتين من الرواية وهى حكاية تراثية عن ديك كان مراوغا ومخاتلا، وحصل على كل شىء من الناس ولم يعترض أحد إما خجلا أو إذعانا، نحن السبب وليس الديك.
والرواية عرضت لفترة الانفتاح الاقتصادى أيام السادات، حين أخلّت رأسمالية جديدة مختلة بالعدالة الاجتماعية على يد الانتهازيين الذين لا يعرفون من أوطانهم غير ما يقدرون على خطفه منها، وكذا ظهور الفن الهابط فى تلك الفترة التى أدت إلى انهيار عام دفع الأوضاع فى النهاية إلى قيام ثورة 25 يناير.
ـ وروايتك الجديدة أيضا «زمان الوصل» تُعدُّ أول عمل فى الأدب المصرى عن «صيد الطيور»، وعلاقة الصياد وبندقيته، وتشابكات حالة الصيد المدهشة، فمن الصياد ومن المصيد بنظرك، وهل بتنا طيورا يتلهى بنا البعض للتسلية؟
كنت من عشاق صيد الطيور، لكننى أقلعت عن تلك العادة السخيفة التى تقوم على القتل، ونحن بالفعل بعد ثورة 25 يناير صرنا طيورا يتلهى بنا البعض، لكننا لسنا فريسة دائمة ولا سهلة كما قد يتوهم ذلك البعض، خاصة إذا كان الصياد أقل ذكاء.
ـ الراوى ذاته يبدو عصفورا مهيضا ينزف، كأنه وقع فى فخ قاس، وصيادون غلاظ القلوب هدّموا عُشّه، وبدّدوا أمانه، فبات يحوّم حائرا بلا مستقر. فأى ألم هذا، ولماذا أبطالك «حزاني» إلى هذا الحد؟
فى «زمان الوصل» تحديدا كنت أشعر أننى أصبحت فى مكان ليس مكاني، وزمنا ليس زمني، وأتوق للرحيل، وبت آمل أن يعود زمن الوصل ولو ساعة واحدة، وقد خففت ثورة يناير عنى قليلا، ثم عادت وأثقلتنى بأحزان مختلفة.
ـ رواية «المواطن ويصا عبدالنور» تظهر حميمية نسيج المجتمع المصري، فالتسامح فيه ليس تفضلا من طرف على الآخر، بل «طبيعة جينية»، فهل هى استفادة بما عشته بنفسك فى الفيوم، أم إنشغال شخصى بالمسألة القبطية؟
نعم التسامح «جين طبيعي» لدينا، وصفة أصيلة فى الشخصية المصرية، ولم يكن يوما تفضلا من طرف على الآخر، وعندى انشغال قديم بالمسألة القبطية مضاد للتطرف من أى طرف، وهو أحد أهم الهموم التى تتردد فى أعمالي، وأعتقد أن الأدب قادر على مواجهة التشوش الطائفي، والمشاركة فى التنوير بشرط عفوية المعايشة والتناول، وإلا أصبحت الحكاية تلك الصورة الشهيرة للشيخ وهو يسلم على القس.
ـ فى روايتك السابقة «سعدية وعبدالحكم وآخرون» عرضت لزمن «محمد علي» ليس عبر وقائعه السياسية الكبري، بل من خلال تفاصيل صغيرة، مثل مهنة البغاء، ومدرسة الممرضات، وأول استخدام للكلاب البوليسية فى مصر. فهل يمكن للإبداع قراءة التاريخ من تلك الزوايا المنسية؟
أعتقد أن مهمة الإبداع تحديدا هى قراءة التاريخ من الزوايا المنسية.
ـ أشرت لتحطيم الخمارات وإغلاق بيوت الدعارة وتشديد القوانين هل الروائى ملزم بالمعلومات الدقيقة عن المرحلة التى يتناولها؟
ألزم نفسى بالمعلومات الدقيقة عن المرحلة التى أتناولها لأن ذلك يعطى العمل مصداقية وفى رواية «سعدية وعبدالحكم» كتبت ثبتا بالمراجع التى استخدمتها عن تاريخ الفترة وتاريخ الأمراض والأحداث المهمة وحتى الإعلانات فى الصحف. إن هذا النوع من الكتابة يتطلب قارئا جادا وأعتقد أنه موجود وإن كان بنسبة قليلة.
ـ نهلت بقدر كبير من ذكرياتك وحياتك الشخصية، كما يبدو فى أعمالك، فلأى مدى يمكن إخضاع التجارب الشخصية لشروط الكتابة، وهل يكفى الحنين والاجترار لبناء إبداع؟
الذكريات والحياة الشخصية يمكن فعلا اخضاعها لشروط الكتابة على أن يحترس الكاتب من الوقوع فى أسر جمالها، واستعادة الماضى ليست مجرد حنين، لكنها استحضار للماضى القريب ووضعه فى حالة جدل حول الواقع المعيش، والمفارقة بين الماضى والآنى تؤدى إلى التوقف والدهشة، وتراكم الاندهاش يشارك بشكل أو آخر فى التغيير.
ـ الجنس فى أغلب أعمالك يتجاوز الحسّى إلى الإنساني، بمنأى عن منطق التحليل والتحريم، فعل عفوى يعكس طبيعة الإنسان، وشخصية المتشدد تحظى باستخفاف ملحوظ، فهل هذا ناتج عن موقف فكري؟
ليس ناتجا عن موقف فكري، لكنه الاتساق الذاتى للشخصيات وتفاعلاتها الطبيعية فى الحياة.
ـ العلاقة بين المعرفة والخسارة شرطية لديك، فمن يعرف يخسر ويحزن، أليست المعرفة سببا للحضارة، ونتيجة لها، وسبيلا لراحة الإنسان وسعادته؟
هناك علاقة بين المعرفة والحزن، فمن يعرف يحزن، ونظرة الأدب لهذه القضية تختلف عن نظرة العلم والمنطق، وهنا أذكر مقولة للشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى فى ديوانه «جوابات حراجى القط» أنا شفت. ولما شفت. عرفت الفرق بين البلياردو وعنبر العمال.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق