الاثنين، 20 مايو 2013

صلاح عبدالسيد: الإبداع يُحرر روح الكاتب ويُحيله عصفورا ينقر أبواب السماء

صلاح عبدالسيد: الإبداع يُحرر روح الكاتب ويُحيله عصفورا ينقر أبواب السماء

المصدر:الأهرام - الطبعة العربية

صلاح عبدالسيد تصوير: بسام الزغبي

- فى روايته الجديدة «العنتر» يفاجئنا الأديب « صلاح عبدالسيد» بأمرين لافتين.
الأول أن شخصيات العمل تتحداه، وتتمرد عليه، وترسم لنفسها وحياتها شكلا مختلفا ومضمونا مغايراً لما خطط له كمؤلف.
- والثانى استهلاله الرواية بسيرة «عنترة بن شداد» بتداعياتها الشهيرة، لكنه ختمها بجملة مناقضة لكل هذه الإيحاءات، حيث أُجبر بطلها «عنترة بن الزيني» تحت التعذيب فى السجن للقول:«أنا عبلة»، لينقذ رقبته من غِلظة البيادة.
وهو ما كسر تراتبية ومنطقية التوقعات. فعادة يتأهب المتلقى للسير الشعبية باعتبارها «المعادل الموضوعي» لهزائم أبطاله، ومددهم لتجاوز إحباطاتهم.
- مما جعلها رواية تستحق التأمل. فهى موحية وماكرة، دلالاتها متداخلة ومربكة وممتعة. وصاحبها دؤوب كدأبنا به، نذر نفسه بجدية من بداياته لحرفة الأدب، فأعطاه الأدب وجهه، ووهبه أسراره، فاستحالت مشقة الكتابة بين يديه إلى متعة، وبات بنَّاءً مُتمكنا، لايخشى تمرد شخوصه، ولا اختياراتها، بل راح يُوّسع لها سِكَكَاً، لا يتيحها بهذه الثقة إلا شيوخ الطائفة الدُهاة، الرابضون على موهبة نابضة.
"العنتر" اسم روايتك الأخيرة. استهللتها بسيرة «عنترة بن شدّاد» لتكون - خلفية واضحة فى تكوين بطليها «الزيني» وابنه «عنتر»، وكان المتوقع بمنطقية الأحداث أن تُعينهما هذه السيرة البطولية على تجاوز واقعهما وأسباب ضعفهما، لكنك عالجت الأمر بشكل مغاير ولافت، فكيف تفسر هذه المفارقة؟
الأمر ليست فيه أية مفارقة. فهو منوط برؤية الكاتب. فلقد ضقت ـ أنا المؤلف ــ من زمن بتلك العنترية التى تضفى على البطل الفرد قداسة وهمية على كل ما فى البطل الفرد من مثالب، وكان على أن أسقطه من علياء تاريخه وأنتصر للفرد العادى الخارج من تاريخ طويل من التعذيب والهوان. والذى استطاع بعد انقسامه أن يتحد ويعيد بناء نفسه. لذا كان لزاما على أنا المؤلف - أن أخلق شخصيَّتَى «الزيني» وابنه «عنتر» ليؤكدا لى ذلك المعني، فسرّبت إليهما أثناء الخلق الجينات السلبية، وازدواجية الانتماء. والتأرجح بين النقيضين، الأسود والأبيض، والتغاضى عن مسلك الزوجة والأم، والقنص الدائم من «عنتر» لحبيبته «عبلة» وإيغال «عنتر» فى حلمه الطفولى وحتى مرحلة الشباب، وتركت تلك الجينات السلبية تأكل جدار شخصيته ضمن عوامل أخري، حتى أسقطته فى نهاية الرواية كما أردت لها.
- هل معطيات حياة شخصيات الرواية لم تعطهم سوى الحق فى الحلم فقط؟ وهل الظروف القاسية يمكن أن تمنع أوتحد على الأقل من قدرة الفقراء على المقاومة والنضال؟
المؤلف حين يخلق شخصياته فى أى عمل لا يحدد مسارها بشكل قاطع فى البداية، فلا يقول هذه شخصية خَيِّرَة، وتلك شِرِيرة، لكن أثناء تنامى الشخصيات تصعد وتهبط حسب «جيناتها» الفنِّية. ولا أستطيع القول أن الحلم لا أكثر منوط بشخصيات الفقراء وحدهم، وأنهم لا يقدرون على النضال، فكم من فقراء مناضلين وحالمين وكم من أثرياء على غير ذلك، ليست المسألة فى ذلك التصنيف الطبقي، إنما هى فنية من البداية إلى النهاية، والحلم متاح لكل شخصيات العمل وكذا النضال. لكن مَن مِن شخصيات العمل تستطيع أن تصعد بالحلم إلى السماء؟، ومن منها يستطيع مواصلة النضال؟، الأمر مرهون بسجله « الجيني». تلك هى المسألة.
هذا يؤدى لسؤال مهم وإشكالية جدلية لم تحسم على نحو قاطع حتى الآن. - هل الشخصيات تخضع لسيطرة الكاتب على إطلاقها؟ أم أنها فى مرحلة معينة تستقل بإرادتها عن إرادة المبدع وتحدد مسارها ومصيرها بنفسها. متى بظنك يمكنها التمرد عليه؟ وكيف عايشت هذا فى روايتك « «العنتر»؟
الكاتب فى بداية حياته الإبداعية عادة يحكم سيطرته على شخصيات أعماله، يخلقها ويحدد مصائرها، ويأمرها أن تحيا فتحيا، وتموت فتموت. فيكون بذلك خالقا جبارا لايسمح إطلاقا لأية شخصية أن تخرج أو تتمرد عليه، وعليها جميعا الإذعان. لكنه على غير العادة، وبعد ممارسة الإبداع لألف عام، والإبحار فى أعالى بحار الإبداع، وبعدما تَبْتَل روحه، تنفلت قبضته الصارمة عن رقاب شخصياته، بل إنه يجدها واقفة قبالته تناطحه الرأى بالرأي. وفى روايتى «العنتر» والتى بدأتها بلا إعداد ولا تخطيط، انتصبت الشخصيات واقفة تناطحني، بل إن شخصية «الزيني» التى خلقتها تمردت عليَّ، وكلما رسمت لها فعلا لم تفعله، وفاجأتنى بأفعال وأقوال أخري، وتمادى «الزيني» وأصبح يؤلف وخلق نفسه كما يتمنى هو، خلقته أسود قصير القامة، فجعل نفسه أبيض طويل القامة، وتمادى أكثر فأراد أن يكون وحده المؤلف، وكان بعد انتهاء عمله فى المساء يعود وحده إلى داره، ويدخل مرحاضه وحده، وينام وحده، وتمادت شخصيات العمل وتحدت المؤلف، وتزوجت وأنجبت وأصبحت حقيقة ملموسة من لحم ودم، ولم يكن للمؤلف إلا أن يرفع يده وانتقامه عنها، ويتركها تتدبر حياتها كما تريد، وأذعن وتراجع ليصبح شاهدها الذى يروى البشر شهادته، وأنا أعلم أن تمرد شخصيات المؤلف عليه وخروجها على إرادته إشكالية جدلية لم تحسم بعد على نحو قطعي.
لكنى أقول أن هناك أعمالا استثنائية فى حياة الكاتب، ربما عمل واحد يجد فيه المؤلف شخصياته تخرج عليه وتناطحه الرأي، بعدماعاشت معه طويلا، وتنفست تحت جلده، فتتشظى روح المبدع، ويبحر فى أعالى البحار. وحين يغرق فى القاع لألف مرة وينجو لألف مرة، تكون مثل هذه الرواية متاحة للمبدع.
- وماذا عن مراوحة «سقف الإبداع» صعودا وهبوطا عبر تجربة الكاتب، وطبيعة علاقته بالمحيط السياسى والاجتماعي، ومدى ارتباطه بوعى الكاتب وتنامى حرفيته؟
لا شئ يرفع «سقف الإبداع» لدى الكاتب غير المغامرة بعمل إبداعى جديد يعصف بالأساليب التقليدية القديمة، ويعبرها ويلقى بالمبدع فى أتون بحر الإبداع الثائر، يغوص فيه ويستخرج من أعماق نفسه تجليات إبداعه, فكلما غاص المبدع فى الأعماق أهداه البحر لآلئه، وأسلمه كنوزه. هو إذن الخروج على المألوف والساكن والعادي، هو الابتكار فى الشكل والمضمون. وعبر رحلة الإبحار تلك والتى قد تمتد فى الزمان لعشرات الأعوام، يتنامى وعى المبدع وتُشحذ حرفيته، وينجلى بصره وبصيرته، ويتسع العالم أمام عينيه ليصبح المبدع نفسه العالم بحاله. وعلاقة السقف الإبداعى بالمحيط السياسى وثيقة، وكلما كان المجتمع سليما معافى تحققت فيه حرية المبدع، وارتفع السقف، وامتلك المبدع حرية الخطأ، وتنوعت ألوان الإبداع وزهت، وعلا فيها نشيد الحياة. وإذا كان المجتمع محاصرا بالجهل والفقر والاستبداد، ذويَ فيه الإبداع وتراجع، وأصبح حشرجة فى الحلوق، أو رموزا فوق الورق. ولو تجاسر المبدع لكان السجن مآله. وفى مثل ذلك المجتمع لا تجد نشيدا للحياة.
- بالمقابل هل ثمّة تغيُر يلحق بوعى الكاتب ومبدأيته مع تقدمه فى العمر، وكيف ينعكس تراكم الخبرات على أعماله؟
ليس الأمر مجرد تقدم فى العمر ولا تراكم خبرات. الأمر موهبة، وقد تكمن الموهبة فى أعماق المبدع لآلاف السنين، مثل بركان خامد، وفجأة تنفجر، ويشتعل البركان، ودائما ما تحضرنى تجربة الشاعر الكبير»محمود درويش»، فبداياته كانت متواضعة، بل إنه كان يقلد «نزار قباني» ثم فجأة وعلى غير توقع انفجر بركان «محمود درويش»، واستطاع هذا المُحاصر المنفي، الذى بلا وطن ولا أمل له فى الرجوع، أن يعود إلى وطنه، ويستعيد قريته، ويشيد بيته، ويزرع زيتونه، ويطلق عصافيره. بل إنه استطاع أن يُضيّفنا فى بيته على «خبز أمه، وقهوة أمه». وأمكن للشاعر الكبير أن ينتصر بنا على مُستعمِرِه البغيض.
إذا صادفك تعارض بين تداعيات لحظة الإبداع والقيم الدينية أو المجتمعية السائدة، كيف تصالح بينهما، خاصة إذا كانت لديك ثوابت روحية؟
ــ ليس هناك أى تعارض بين الإبداع والقيم الدينية والثوابت الروحية، فالإبداع تجلى روح المبدع، والقيم الدينية تجلى روح المؤمن. ولأن الإبداع إيمان فالطريق واحد. وكم من مبدع كان ملحدا فى بداية إبداعه، ثم وجد نفسه فى النهاية يطرق أبواب السماء. والذين لم يستطيعوا أن يصلوا بإبداعهم إلى سِدرة المنتهى لا يملكون من القوة الإبداعية والروحية ما يمكنهم من الصعود، وهم فى الغالب باحثون ضلوا طريقهم إلى الإبداع، وغرقوا حتى آذانهم فى التنظير الفلسفى للوجود، وتشككوا فى السماء وفى البشر وفى كل شيء. وعلى المبدع ألا يخشى من التناقض بين الإبداع والقيم الدينية. عليه أن يصعد، وسيجده يدق بنبضات إبداعه فوق سدرة المنتهي.
-هل يمكن أن يتحول الكاتب إلى شخص بيروقراطي، يسقط فى تكرارية تجعل منه موظفا نمطيا لدى أعماله؟ أم يجب أن يكون متمردا بطبعه، وأن يكون تجدُّده حتميا فى كل عمل؟
الكاتب مخلوق من طين، وعليه عبر إبداعه الطويل لآلاف الأعوام أن يحرر روحه من الطين، وأن يتحول عصفورا ينقر أبواب السماء، فإذا لم تسعفه موهبته وأحوال مجتمعه ظل فى الطين. وفى الطين يتحول إلى موظف يقرض فى الأوراق، فتخفت بقايا موهبته ويتراجع وعيه، وابتكاره، وفهمه، وإقباله على الحياة ليصبح هذا الكائن الرتيب البارد الممّل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق