الاثنين، 20 مايو 2013

يوسف إدريس .. اقتحام "التابوهات" !

 
يوسف إدريس .. اقتحام "التابوهات" !
 
المصدر:الأهرام اليومى ( 23  ديسمبر 2009 )
 
بقلم: أسامة الرحيمي
 
 



 
تمتع الراحل الكبير يوسف إدريس بثلاثِ من خِصالِ الجوارح!
حِدّة الرؤية، والانقضاض الخاطف، والارتفاع بالفكرة إلي حيث يراها الجميع!
وتجلياته الإبداعية الدّالة عديدة ساطعة، وتستحق التأمل والاستمتاع بها من حين لآخر. وأتوقف هنا أمام أربع من قصصه، تحوي خلودها الذاتي، لمعالجتها قضايا إنسانية متكررة في أي وقت، وشتي المجتمعات .
في " أرخص ليالي " يدور الأجير "عبد الكريم" في دوامة العَوَز والجهل وقِلة الحيلة، فحياته من الحقل وقصم الظهر طوال النهار، إلي البيت، والمسجد. وبعد صلاة العشاء لا يجد مايفعله، ويخشي الذهاب إلي المقهي لأنه لا يملك مليما، ويدفعه ضيق ذات اليد إلي فراشه، حيث تتمدد امرأته في الظلام، "فيزغدها" حتي تستيقظ .
الليل بارد، والجيب ليس فيه ثمن كوب شاي، والخيارات منعدمة، والمتعة الوحيدة المتاحة تفاقم الأزمة ؟
لديه ستة أولاد، يطعمهم الخبز الحاف بالكاد، ولا يدري ما العمل؟
و" بيت من لحم" أكثر تركيبا والتباسا وإرباكا، حيث تعيش أرملة وبناتها الثلاث في حجرة واحدة، وبعد موت زوجها لايدخل عليهن رجل، إلا مقرئ كفيف عصر كل جمعة .
الفتيات فائرات، وفي سن الزواج، والعرسان طالت غيبتهم، فمن يطرق باب فقيرات قبيحات. ويتيمات؟
يتعزين بسماع تلاوة الكفيف للقرآن. وحين عرفن أنه يبحث عن " بنت الحلال"، ظهر السؤال بغتة، لماذا لا تتزوجه إحداهن؟ ورشحن له الأم، فتزوجته بعد تمنع، لعل وجوده يجتذب العرسان لهن .
وفي الليل انفك عقال الأرواح والأجساد، تقلبت الفتيات في صمت، وحبسن أنفاسهن، فهو في النهاية زوجها علي سنة الله ورسوله.
كان نهار الأم "غسيل" في بيوت الأغنياء، ونهاره قراءة في بيوت الفقراء،
واعتاد الرجوع ظهرًا ليريح جسده، فتهيأ له يوما أن
"الإصبع التي تطبق علي الخاتم كانت تختلف " .
وفهمت الأم ما جري، فأطبق عليها الصمت!
وبات الصمت لغتهن الوحيدة، والأعمي لايجرؤ علي السؤال، "والإصبع صاحبة الدور تضع الخاتم في صمت أيضًا، و"الظلام يعم، وفي الظلام تعمي العيون" .
وفي "طبلية من السما" إنشغل الفلاحون في موسم الحصاد عن "الشيخ علي" الفقير الذي يعيش علي ما يجودون به، نسوه لأيام فهدّه الجوع، فخرج إلي جُرْن القرية ثائرا متوعدا، لحظة خروجهم من صلاة الجمعة، وهدّد إن لم تنزل " طبلية من السما" ليسد جوعه فإنه سيسب المقدسات بلا تورع، فذعروا وأحضروا طبلية بسرعة، ورصّوها صحونا من أفضل ما طبخوا، فجلس يأكل بنهم، وأنساه الشبع وعيده .
وفي "المرتبة المقعرة"، رقد العريس ليلة دخلته فوق "المرتبة" الجديدة المنفوشة بجسده الضخم، وسأل زوجته الواقفة بجوار النافذة : "هل تغيرت الدنيا؟، فقالت: لم تتغير، فنام أسبوعا، وصحا ليسألها عن الدنيا، فقالت لا، ونام شهرا، وسألها، ثم نام سنة ولم يتغير شئ، " فنام خمس سنوات، فغوّر جسده المرتبة، وسمع ذات الإجابة فنام عشرة أعوام، فصنعت المرتبة لجسده أخدوداً عميقاً". وأطبقت عليه ومات
"حملوه بالمرتبة التي تحولت إلي لحد وألقوه إلي أرض الشارع الصلبة" فنظرت الزوجة من النافذة وأدارت بصرها في الفضاء وقالت:
ـ يا إلهي . لقد تغيرت الدنيا !!
قال يوسف إدريس : "الكاتب روحه معلقة بروح شعبه في مشنقة واحدة أو في باقة حرية واحدة "
ولقناعته هذه احتفي بالمهمشين، واستخدم عاميته السهلة، التي توافق طموح البسطاء أكثر من الفصحي، وخاصم البلاغة لصالح المضامين، وكثّف أعقد الأحاسيس بأقل الكلمات، واعتصر خلاصة القصة في الجملة الأولي .
تناول فقراء القرية والمدينة ببراعة, وحطم الصور النمطية للشخوص، واقتحم "التابوهات"، وزيف القيم الراسخة، ونفذ إلي عمق النفس الإنسانية بحسّ فني رفيع، وكشف مكامن قوتها وضعفها، وأَعْمَل مشرطه لاستئصال الداء، فجاءت قصصه نِصالاً جارحة، لقناعته أن الجِراح النظيفة وحدها هي التي تلتئم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق