الاثنين، 20 مايو 2013

د.أحمد أبو زيد : المصري يعتز بكرامته وإن لم يظهر هذا

د.أحمد أبو زيد

( الأهرام أكتوبر 2010 )

أرجع طبيعته للثقافة السائدة في المجتمعات الزراعية
د.أحمد أبو زيد : المصري يعتز بكرامته وإن لم يظهر هذا

عناوين فرعية :
ـ شعوب العالم الثالث لن ترضخ للعولمة التي إنكشفت سوءاتها بعد الانبهار الأول
ـ هناك نوع من التذمر سيؤدي لانفجار العالم الثالث ضد الأول ونشهد نهاية عصر العولمة
ـ الغرب كوّن معرفته نتيجة استلابه ثروة العالم الثالث، فلماذا يحجب عنه المعلومات ويمنعه من الوصول لمستواه
ـ المجتمعات العربية تلجأ للسحر كنوع من التعلق بالغيبيات بعد فقدانها الأمل في الواقع المرّ

حوار : أسامة الرحيمي

 
محاورة عَالِمِ جليل بقامة الدكتور"أحمد أبو زيد" مشقة ومتعة ؟
فالتجهيز لها يتطلب "مذاكرة ثانوية عامة" !
وقراءة أعماله تشعل الذهن أسئلة وحيرة، والوقوف علي سيرته يضاعف الإعجاب بتجربته كرائد " علم الإنسانيات " في الجامعات المصرية والعربية !
جَابَ مضارب البدو من إيران إلي المغرب، وشغلته الأخلاق الشرقية في الصين والهند لتشابهها مع الصوفية الإسلامية، وعايش القبائل الإفريقية فأيقن تمتعها بقيم حضارية أرقي ممن وصموها بالبدائية، ونهبوا ثرواتها لقرون، وصنّعوها واستداروا يبيعونها لهم !
ويحزنه بشدة احتكار دول العالم الأول للتكنولوجيا، وحرمان الدول الفقيرة منها، والتغرير بها  بوهم العولمة التي إنكشفت سوءاتها لدرجة تنذر بحالة تذمر عامة من فقراء العالم ضد أغنياءه وفق توقعه .
وبجانب جهوده العلمية الدؤوبة، ظل يحن إلي التمثيل الذي تعلق به إلي آخر سنواته الجامعية، وما زال يعشق الموسيقي، وتمني لو عمل صحفيا، فأشبعت المجلات التي رأس تحريرها شغفه بها .  
تسعون عاما قضاها في الترحال خلف قضايا الإنسان،  فردا وقبائل وشعوبا في أنحاء العالم، ما جعلني أشعر أن حواري معه مهما طال سيكون أشبه " بِصرِّ الفيل في منديل" .

ـ لماذا لا توجد دراسات أنثروبولوجية عن طبائع الإنسان المصري، وهل صحيح أن قبول المهانة من عاداته الطبيعية، وخضوعه بسهولة، وتفضيله الصمت. أهي صفات جينية، أم تراكمات تاريخية لا تنبئ عن ملامح نفسية محددة ؟
ـ أعتقد أن هناك خطأ في فهم طبيعة الإنسان المصري وشخصيته، فمن الظلم تماما أن نقول إنه سلبي ويقبل الإهانة، فهذه مسألة تعود للثقافة السائدة في كافة المجتمعات الزراعية، وإنسان هذه المجتمعات ينظر للبعيد وليس تحت قدميه، فالزراعة تحتاج لكثير من الصبر، وتتجلي كلمة "صبر" في أسماء الناس بتويعات مختلفة "صابر وصبرية وصابرين" وغيرها. والحقيقة أن الإنسان المصري يعتز بكرامته وإن لم يظهر هذا. أضف إلي هذا ما تعرضت له مصر من احتلالات متعاقبة عبر التاريخ، تعرّض خلالها شعب مصر لكثير من الإذلال والمهانة، خاصة في فترتي المماليك والعثمانيين، وآخرها الاستعمار الإنجليزي الذي اعتمد القوي الناعمة في التسلل إلي الإنسان، مثل التعليم، وفرق تسد، وحتي ثورة يوليو التي بشرت بالديمقراطية تحولت إلي دكتاتورية ضاغطة قاهرة. وبالرغم من هذا كله يظل اعتزاز الإنسان المصري بكرامته شديد ويظهر في الحالات الفردية لأن النشاط الجماعي محظور عليه، وأذكر في الستينات جاء إلينا أساتذة أمريكان ليدرسوا الثقافة المصرية، وحكت أمامهم زميلة لنا أن شخصا ألحّ في طلب المساعدة ووصفته بأنه بلا كرامة، فقال لها أستاذ أمريكي : "لا كرامة مع الفقر"، لذا أعتقد أن إفقار دول العالم الثالث عمديُ لإذلال شعوبها والسيطرة عليهم، كما يحدث لمصر الآن، والمزاوجة بين السلطة والمال مقصودة، ومع ذلك أعتبر الاحتجاجات الأخيرة مهما كانت أسبابها دليلا علي شعور الإنسان المصري بكرامته .
ـ هل تظن أن شعوب العالم الثالث سترضخ في النهاية لوحش العولمة وتتركه يفني ثقافاتها ويطمس هوياتها ؟
ـ لا .. شعوب العالم الثالث لن ترضخ لحركة العولمة، التي إنكشفت سوءاتها بعد الانبهار الأول، واتضح انها هيمنة وليست عولمة، وهيمنة متوحشة، وإن استخدمت القوة الناعمة، ولا ننسي أن هذه العولمة  هل التي جعلت أمريكا تحاول إذلال واخضاع العالم الثالث وبخاصة الدول العربية والاسلامية، سياسيا واقتصاديا، لذا بدأت تظهر كتابات عن سلبيات العولمة، وبدأ العالم الثالث يلتفت لأوضاعه ويقارنها بأوضاع العالم الأول، وهناك نوع من التذمر أعتقد أنه سيؤدي لانفجار العالم الثالث ضد العالم الأول، ونحن نشهد في رأيي بداية نهاية عصر العولمة، كما يتجلي في زيادة النعرات القومية والشعور بالانتماء بالرغم مما يقال عن ضعف الانتماء للأوطان نتيجة للكبت السياسي، وأعتقد أن تعالي هذه النعرات رفض للعولمة، خاصة الهيمنة الأمريكية التي ترفضها أوروبا نفسها الآن .
ـ تؤيد حق العالم الثالث في الاستفادة بتكنولوجيا العالم الأول، فكيف يمكن التفرقة بين الملكية الفكرية وديمقراطية الثقافة؟
- هذه النزعة موجودة في أفريقيا أكثر من أي مكان آخر، فالأفارقة يرون أن الدول الأوربية استعمرتهم واستنفدت مواردهم الطبيعية واستغلت طاقتهم البشرية، وأثرت بسببهم، لذا أصبحت تفكر بطريقة أفضل، وحققت حياة أفضل، والتعليم الجيد يزيد الرفاهية، والتطور التكنولوجي، وهذا كله بني بما استولوا عليه من المستعمرات، لذا يري الأفارقة أن لهم حق فيما وصل إليه الغرب من تقدم، بينما كانوا هم منشغلون بسبل المعيشة، وبما أن العالم الغني استغل قدراتهم الطبيعية، واستعبد ملايين الزنوج، فمن حقهم الحصول على المقابل بمنطق الشراكة.

ـ لكن العالم الأول يرفض هذا قطعيا، وسنّ قوانين دولية لحماية الملكية الفكرية، والتصدي لمن يستغلها دون دفع الثمن، فهل يحق للعالم الثالث الاستفادة بالتقدم التكنولوجي من دون استئذان؟
ـــ طبيعي أن يرفض العالم الأول، لكن المنطق أنهم طالما أخذوا، يجب أن يعطوا، والغني عادة لا يحب أن يعطي الفقير، والثقافة عندي لا وطن لها، ويشترك فيها كل البشر، ومن حق مَن لا يعلم أن يحصل على المعرفة ليحقق إنسانيته، وإذا كان الغرب كوّن معرفته نتيجة استلابه ثروة العالم الثالث، فلماذا يحجب عنه المعلومات، ويمنعه من الوصول لمستواه .
ـ  في كتابك "سيكولوجية العلاقات بين الجماعات" المنشور بسلسلة "عالم المعرفة" قلت :" نعيش اليوم موجة من الصراع والكراهية تسود بين الجماعات والقوميات المختلفة، تصل ببعضها إلى حد التصريح باستخدام العنف"، والواقع الآن تجاوز التصريح إلي استخدام العنف بإفراط، فهل عنف الأفراد والجماعات ناجم عن عنف الدول أم العكس؟
ـ الصراع مسألة دائمة منذ بدء الخليقة، وأعتقد أن الماركسية وضعت أصبعها على واحدة من أهم النقاط المميزة في تاريخ الإنسان والعالم، والصراع قد يكون مدمرًا، أو يؤدي إلى النجاح، فإذا قام على التنافس يؤدي في آخر الأمر إلى التفاهم والتعاون، فالصراع بين الإنسان والطبيعة؟ والإنسان والحيوان، أو القبائل بعضها البعض، لا بد أن يصل في النهاية إلى مرحلة تفاهم واتفاق وتهادن، وهكذا، صراع ثم تفاهم، وأعتقد أن العالم لن يصل أبدًا إلى مرحلة يسود فيها السلام المطلق، فهذه يوتوبيا مجتمع طوباوي، وهو لن يتحقق إطلاقًا لأنه مخالف للطبيعة الإنسانية، إلا إذا وصلت الإنسانية إلى مرحلة الصراع الثقافي، ساعتها سيختفي الصراع ويسود السلام رغم مثالية التصور.
ـ  قبل بضع سنوات توصل المركز القومي للبحوث الجنائية عبر دراسة موسعة إلى أن العرب ينفقون 5 مليارات دولار سنويا على السحر، ويوجد دجال لكل ألف عربي، فهل الأمية سبب هذه الظاهرة، بجانب الموروث الغيبي، والاستعانة بالقوى الخارقة، وهل ثمة تأثير للإحباط العام ؟
- سؤال مهم جدًا، ودراسة المركز القومي هذه تبين خطورة الوضع، والواقع أن السحر ليس مسألة قاصرة على مصر ولا الوطن العربي ولا العالم الإسلامي، فهو في كل الثقافات، فحتى الآن الخرافة في المجتمعات المتقدمة، والمجتمعات العربية تلجأ للسحر كنوع من التعلق بالغيبيات بعد فقدانها الأمل في الواقع المرّ الذي تعيشه، ويمكن القول أن الأسباب اجتماعية واقتصادية، فلو تحسن المستوى الاقتصادي للناس، وتلقوا تعليما جيدًا، سيبتعدون تلقائيًا عن السحر، لأنه مرتبط بالتفكير الماضوي الغيبي، وحينما ينحسر التفكير العلمي يحل التفكير الغيبي، صحيح الدين فيه ناحية غيبية، لكن الأديان بعيدة عن الخرافات، ومن يعجز عن احتمال مصاعب الحياة يلجأ للغيب و السحر، والخطورة في انتشار السحر بين الطبقات المثقفة، صحيح بعض الناس في مجتمعات أوربية يزورون مقابر الأولياء، ويقدمون النذور، إنما بطريقة أقل لأنهم لا يعانون الفقر والمرض والجهل مثلنا، وإذا صلحت أحوالنا سينفض الناس عن الغيبيات الضارة.
ـ  شاركت في إصدار مجلة "تراث الإنسانية" في الستينيات، وكان مكتوبًا عليها (سلسلة تتناول بالتعريف والبحث والتحليل روائع الكتب التي أثرت في الحضارة الإنسانية بأقلام الصفوة الممتازة من الأدباء والكتّاب والمفكرين)، فأين نحن الآن من تلك المشاريع الثقافية، وصفوة الكٌتّاب، ولماذا انهار كل شيء ؟
- ترأست تحرير مجلة "تراث الإنسانية" لفترة قصيرة بتوجيه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة آنذاك، وفي السبعينيات حصل تحوّل في نظرة السلطة للمثقفين، والمفارقة أن عبدالقادر حاتم الذي قام في السبعينات بإغلاق المجلات كان هو المشرف عليها في الستينات، لأنهم وجدوا أن المثقفين يسببون إزعاجًا، وكان رؤساء تحريرها قبلي هما زكي نجيب محمود، وفؤاذ زكريا، وأنا خلفتهما بعد عودتي من الكويت، وكانت أهميتها أنها تعرف القارئ بنوابغ الفكر العالمي، وأهم الكتابات التي صدرت في العالم بمختلف ثقافاته ولغاته لينفتح على كافة أنواع الفكر، وحاولت لاحقا مع الدكتور الشنيطي تبويب الأعداد السابقًة حسب الموضوعات واصدارها في شكل موسوعي، وجمع أعدادها التي صدرت خلال 12سنة في أربع مجلدات، لكن عبدالقادر حاتم قال :"يبقى عملنا إيه، إحنا كدة هنساعد المثقفين اللي احنا عايزين نقتلهم خالص"، وخسرنا ثروة مثل مجلات "الرسالة" لأحمد حسن الزيات، و"الثقافة" وكانت تصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر وأشرف عليها أحمد أمين وطه حسين، و"الكتاب" وأشرف عليها د.عادل الغضبان وكان من الموسوعيين، و"المجلة" التي رأسها "يحيى حقي"، و"المسرح" و"الشعر"، وهذه المجلات كوّنت أجيالا من مفكري العصر الليبرالي  .
ــ هل يشعرك الواقع الآن بإحباط ؟
- ليس فقط بإحباط؟ بل يشعرني باشمئزاز، أعطيك مثالاً واحدا، جاءتني دكتورة جامعية تجري بحثا للترقية إلي أستاذ مساعد، وقالت لي أنا قرأت كتابك عن البنائية، وفيه جملة لم أفهمها، في الفصل المكتوب عن بارت تقول :"وانصرف بارت عن التفكير اليساري بعدما كان شيوعيًا" وسألتني ما معني يساري؟ فقلت لها أنت عضو هيئة تدريس بالجامعة لا تعرفين معنى التفكير اليساري، فكان ردها مذهلاً، قالت :"أصلنا ماأخذناهاش"، وهذا حال أغلب أساتذة الجامعة الآن للأسف، ولأن مصر فقدت سماحتها " الكزموبوليتانية"، فقد كان لنا أصدقاء من جاليات كثيرة، وكان هذا بمثابة التلاقح الثقافي، وأيضا أوقفت جامعاتنا إرسال مبعوثيها للخارج وانغلقت على نفسها، وتكاثرت أعداد الطلاب، علي أيامنا كنا 5 قسم الفلسفة ويدرس لنا 9 من كبار الأساتذة، كل طالب له أستاذين تقريبا، وعلاقاتنا بهم كانت مباشرة، ولم يكن الأساتذة يؤلفون كتبًا، بل يرشدوننا إلى المراجع المهمة، أما الأساتذة الآن فيعدون مذكرات يسمونها الكتاب الجامعي ويحصدون منها الآلاف، وما زلت أذكر أول كتاب طبعته في حياتي كان " تايلور عميد الإنثروبولوجيين" بمطبعة المعارف، وأعطوني مائة جنيه وكانت ثروة وقتها، ومؤخرا سمعت أن أستاذ اجتماع توفى قبل سنوات وترك 11 مليون جنيه من بيع المذكرات، وهذا لا يصيبني بالإحباط فقط بل بالقرف.
ـــ  إكتسبت المثابرة من عائلة والدك ذات الأصول الصعيدية، وهم رجال مال وأعمال، وعشق الأدب والشعر والموسيقى من عائلة والدتك ذات الجذور التركية، فبات تكوينك كوزموبوليتاني مثل مدينتك الإسكندرية، فكيف صالحت بين هذه الأشياء؟
ــ والدتي من أصول تركية لكن أبوها كان أزهريا، وجدي كان يدرس أصول فقه في المعهد الأزهري في الإسكندرية برأس التين، وبجانب كتب الفقه في مكتبته، وجدت كتبا كلاسيكية مثل تاريخ ابن خلكان، وكتاب الأغاني طبعة ساسي في شارع الأزهر، والحيوان للجاحظ، والحيوان للدميري، وغزليات عمر بن أبي ربيعة، ونسخة كاملة من "ألف ليلة وليلة"، و"رجوع الشيخ إلى صباه"، وكتب أدب مترجمة، وكان له أصدقاء عميان يعزفون العود والكمان، وشيوخ زمان كانوا يحبون الموسيقي، ووجدت العديد من اسطوانات الغناء المصري القديم والتواشيح، والموسيقى الكلاسيكية، وهذا هو المحيط الذي نشأت فيه وشكّل وجداني بلا قصد، إضافة لتأثير الجاليات الأجنبية، والمدرسين الإنجليز والفرنسيين، وجدي لأبي كان يستورد الفحم من الخارج، لبيعه للسكة الحديد التي كانت تعمل بالفحم آنذاك، وورث والدي مهنته، واذكر الصراع بينه وبين مستوردي الفحم اليهود في إسكندرية، وعرفت أن الصراع على المال لايقل عن الصراع على السلطة والحروب بين الشعوب، لكن شيئا في الجينات جعلني أميل إلى جانب أمي، فقرأت الفقه، والشعر، والأدب، وعشقت الموسيقي فأمكنني التكييف بين هذه الأشياء.
ـ  حين تري مليارديرات مصر الآن ألا تندم أنك لم تصبح رجل أعمال منذ البداية ؟
- لماذا أراهم ؟!  قديما قلت ربنا يكفيني شر أهلي، وبعدين أنا رجل (كويس وعال) الحمد لله، "منهومان لا يشبعان.. طالب علم وطالب مال"، أولاد أعمامي لا يشبعون من الفلوس، الله يعطيهم، وأنا لا أشبع من العلم، وربنا أعطاني الكثير والحمد لله .
ـ  حصرت تصرفات الإنسان بين الإرادة الانفعالية والإرادة الفاعلة، فكيف وفقت أنت بين هاتين الإرادتين في حياتك، وهل عرّضك تعارضهما أحيانا لأزمات ؟
- عادة يتعرض الإنسان لمواقف متعارضة تحتاج لقرار ويضحي فيه بكثير من رغباته، والقرار الصائب الذي يمكن الإنسان من التغلب على نزعاته الشخصية لصالح المجتمع، والفضل في تفعيل الإرادة الفاعلة عندي يرجع إلى التربية التي تلقيتها في البيت، والأساتذة الذين علمونا في الابتدائي والثانوي، وتتلمذنا في الجامعة علي أساتذة كبار، ما خلق عندي اهتماما شديدا بتنفيذ الواجب ولو تعارض مع رغباتي، والإرادة المنفعلة تنتجها التربية الخاطئة بتلبية رغبات الفرد وإن تعارضت مع المجتمع والجماعة، والأم هي المُعلّم الحقيقي لنا جميعًا، اعترفنا أو لم نعترف نحن أبناء أمهاتنا، نحمل اسم الأب لكن التكوين يرجع للأم، فهي تعلمنا تحمل المسئولية وتبلور شخصياتنا المستقلة دون عداء مع المجتمع، مما يربي الإرادة الفاعلة، وكثيرا ما تنازعتني هذه العواطف، لكني عادة كنت أختار ما يلاءم قيم المجتمع وأفضله على أهدافي الشخصية، والإرادة الفاعلة تحتاج للقدرة علي تحمل المسئولية، وفي عصرنا كان الناس يتحملون مسئوليتهم بلا تردد، نتيجة للتربية الصحيحة.
ـ  ألم يعرضك تعارض الإرادتين لمآزق ؟
- بعدما أنهيت الدكتوراه سنة 1956 عرض عليّ أستاذي في جامعة أكسفورد العمل بجامعة مانشستر وقال إن الأوضاع غير مستقرة في مصر، وسنعطيك مرتبا عاليًا جدًا، وكنت أعرف أن مرتبي حينما أعود إلى مصر لن يتجاوز 40 جنيهًا، صحيح كان مبلغا محترمًا، لكنه لا يقارن بمئات الجنيهات في مانشستر، لكني شعوري بواجبي تجاه مصر التي أوفدتني جعلني أُنَحّي استفادتي الشخصية، وسنة 1963 كان الدكتور عباس عمار ـ أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة ووزير الشئون الاجتماعية مع جمال عبدالناصر ـ نائب رئيس مكتب العمل الدولي وسمع عني من أحد أساتذتي في أكسفورد فاتصل برئيس جامعة إسكندرية وطلب منه إعارتي لمكتب العمل الدولي، وبعد 3 سنوات انتهت إعارتي، فعرض عليّ أن أستقيل من الجامعة وأظل في جنيف لأنه أنشأ قسما لدراسة المجتمعات القبلية خصيصًا لي، وهو تخصصي، وظللت أنا وزوجتي ليلة كاملة نناقش مسألة العودة لمصر أو الاستمرار في جنيف، وفي الصباح قالت لي زوجتي :"أنت لن تستريح إطلاقًا إلا في مصر"، وأخبرت عباس عمار فقال لي: "إنت غاوي رمرمة"، لكنه في ليلة السفر أقام لي حفل عشاء وقال لي :"هذا قرار حكيم" ولو عادت به الأيام وكان نائب مدير مكتب العمل الدولي ـ ويوشك أن يكون المدير ولم يسعفه القدرـ لما تركت مصر على الإطلاق، وهذا يكشف أن الإرادة المنفعلة لم تستجب للإغراءات، واستخدمت إرادتي الفاعلة خوفا علي أولادي وأهلي، فلم أكن أحب أبدًا أن أربي أولادي خارج مصر، وقد حرصت علي تعليم أولادي تعليما مصريا في كل المراحل.
ـ ما أهم ما يستحق إعادة الاكتشاف في شخصيتك الآن؟
- أنني أحببت التمثيل منذ الابتدائي وتعلقت به، واشتركت في فرق التمثيل بالجامعة، وكان المشرف عليها رجل اسمه "محمد مصطفى سامي" وأصبح لاحقًا مؤلفًا وسيناريست سينمائي وكتب عدة أفلام، وفي المدرسة الثانوية قدمنا "مجنون ليلى" لأحمد شوقي وليست "حزمني يا بابا" التي تقدمها فرق الجامعة الآن، وكان الممثل الراحل "محمود مرسي" رحمه الله بطل عروضنا دائمًا، وظللت أهوي التمثيل إلى أن انتهيت من الجامعة، وكنت "غاوي أعزف كمان" وكنا نتعلمه في المدرسة فاشتريت واحدا، وأخطأت يوما وأخذته معي إلي البيت، فقال لي والدي :" أنت رايح تتعلم ولا تبقى مزيكاتي" وأجبرني على بيع الكمان، وانقطعت صلتي بالموسيقى كعازف، لكني ظللت هاويًا مخلصا، وأيضا كنت أتمنى أن أكون صحافيًا وهذا تحقق لي بدرجة ما، فكنا في الابتدائية نصدر مجلة سنوية، وفي ثانوية رأس التين أصدرنا مجلة المدرسة، وكان لدينا أستاذ يعلمنا كيف نكتب، وكيف نجري الحوارات قبل إنشاء كليات الإعلام وأقسام الصحافة التي ربما كنت أدخلها لو كانت موجودة، وقد أشبعت هذه الميول لاحقا بشكل أو بآخر، فأنا مستمع جيد جدًا للموسيقين خاصة الكلاسيك، وحفيدتي "شيرين" بيانست ماهرة، وعزفت في مدن مهمة منها استانبول، وأثينا، وميونيخ، وروما، وحققت ما لم أفعله، وأيضا كتبت في أفضل المجلات مثل الرسالة، والتراث الإنساني، وعالم الفكر، و"مطالعات في العلوم الاجتماعية" التابعة لليونسكو، والعربي الكويتية، فتحقق حلمي الصحفي، فالرغبات التي يحلم بها الإنسان وهو صغير يمكنه تحقيقها بإرادته الفاعلة.
ـ أفادتك هواية الصحافة المبكرة في كتابة أبحاثك ومقالاتك بسلاسة وبلغة راقية ؟
- حين أصدرنا مجلة "عالم الفكر" قال لي أستاذ الأدب العربي العراقي "محبوبة" زوج الشاعرة الشهيرة "نازك الملائكة" وكانت معه وقتها، تعبيرا لا أنساه وهو إن مجلة "عالم الفكر" مثال للصحافة الأكاديمية وكنت أول مرة أسمع هذا التعبير، أي أنني كنت صحافيا بمستوى أكاديمي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق