|
ملاحظة مهمة قبل قراءة هذا الحوار
أعترف أنني
تعلمت درسا جيدا من " الشاعر " قاسم حداد، وإن جاء متأخرا للأسف وسط انشغالات الحياة المرهقة.
وأنوه هنا بلا تردد .. أنني أنشر الحوار بما فيه من سذاجة
بادية في أسئلتي، وثقة عميقة ودقة في إجابات الشاعر العربي الكبير لأكفر عن ذنب
غير مقصود ولعله يكون مفيدا لغيري ممن يمتهنون الصحافة ويحبون محاورة
المبدعين.
ــ الأمر الثالث أنني نشرته أثناء عملي في جريدة الوطن
البحرينية .. وهي تجربة عمل سيئة جدا في بعض جوانبها، خاصة أنني اكتشفت بعد فترة
من وجودنا
هناك أنها جريدة طائفية بامتياز،
وأصدرتها السلطات هناك خصيصا لمواجهة ومهاجمة الشيعة الذين يمثلون أكثرية الشعب البحريني، واستخدمونا
كمصريين في معركة لا ذنب لنا فيها باعتبارنا سُنَّة ولن نجد غضاضة في التعاون مع
تلك النزعات الطائفية، وهذا غير صحيح بالمرة، فالتجربة كانت مسممة
الأجواء، وهو ما يشعرني بالأسي والحسرة كلما تذكرتها، وأحي بالخِزي لمن فكروا بهذه
الطريقة، فكيف نكون نحن علي هذا القدر من العفوية ويكونون هم علي هذا المستوي من الخبث، وللأسف ساعدهم بعض
المصريين المثيرين للإشمئزاز، وهذا يجعلني
أشفق علي نفسي وبعض الزملاء المخلصين في تلك التجربة المهينة.
ــ الخلاصة وبعيدا عن جو السياسة المحزن، فإنني لا أستحي من
تقصير مهني، فالناس يتعملون من أخطائهم عادة وأشكر قاسم حداد الكبير علي رقته وجديته في الإجابات والصدق في التعامل، وأعتذر له .. وأجدد محبتي له
ولإبداعه
ومن القراء ألتمس تفهم موقفي ونيتي الجادة في تفادي مثل هذا
الخطأ .
|
قاسم حداد : الشعر نقيض الاستكانة ( 2 من 2 )
( جريدة الوطن البحرينية) 2006
حوار: أسامة الرحيمي
"يحميني من العالم" هكذا أوجز علاقته بالشعر الذي بات يشبهه إلى حد التماهي! فمَن يطالع قصائده يعرف خصاله وقناعاته، ومَن يقترب منه يقرأ أشعاره في لفتاته وأفعاله!. فإذا توغل في دواوينه يدهشه تنوع التجربة واتساعها، فمنذ بداياته تنقّل من العمودي إلى التفيعلة بدأب المجددين، وأغوته ''قصيدة النثر'' مبكرا فأهدتنا أحلى تجلياته حيث حقق معضلة ''البساطة والعمق'' بعذوبة لا تتوفر إلا لندرة من المبدعين، تجعل كتاباتهم خادعة للوهلة الأولى، قد يستسهلها القارئ لكنه سرعان ما يفيق على اعتمالها في ذهنه وقلبه، لا تخمد ولا تكف عن ''الطقطقة''، تنشطر كأضواء المهرجانات وتشيع ألقها في وجدانه ليدرك قدر الموهبة التي يقف أمامها. فعلى قارئ ''قاسم حداد'' التمهل، والتأمل، حتى تتكشف له كوامنه، ويتركها تومض براحتها في مخيلته، ليعرف قيمة تجربته الضافية!. ؟ قلت: ''أكتب الشعر لأنني خائف وفي خطر دائم. الشعر فقط يحميني من العالم''.. إذا كان يحميك من العالم، فمتى يكون عذابك؟ وكيف تصيد القصيدة أو تصيدك.. كما يحلو للبعض تسميته ''عذاب الإرهاصات''.. ومَن منكما يتعب الآخر أكثر؟! - ليس ثمة عذاب عندما يتعلق الأمر بكتابة الشعر. على العكس، إنني أقول دائماً أن لحظة الشعر هي لحظة الجمال والمتعة والجنة الرائعة. ليس هناك لحظة حياة حقيقية مثل لحظة الشعر، لا عذاب أبداً، وإذا كان ثمة عذاب فهو هناك، خارج الشعر، في الحياة، قبل الكتابة وبعدها. من هنا قلت بأن الشعر يحميني من العالم. فكلما صرت في الشعر شعرت بأنني في المكان الآمن لحب الحياة. * هل نضج التجربة الشعرية يخلصها آليا من بقايا الأيديولوجيا، أم أنه تساقط القضايا الكبرى وتراجع الاهتمام بالهم العام؟ - من أين يأتي نضج التجربة لولا حركة الحياة وحيوية المعارف والمكابدات. غير أن هذا ليس حكم قيمة ناجز ومسبق على كل حركة ومتغيرات. سيبقى الأمر متوقفاً على كل تجربة بعينها عندما يتعلق بالتوصيف والتقويم، ودون أن يكون لصاحب التجربة فصل القول قبل الوقت والتحولات. بقي أن أشير إلى تعبيريّ (التخلص من بقايا الأيديولوجيات) و(تساقط القضايا). من عادتي التوجس من مسألة تداول المصطلحات دون التأكد من دلالاتها. 1-لستُ واهماً في ما يتعلق بالأيدولوجيا، لأنني لا أعتبر الأيدولوجيا في حد ذاتها منقصة أو سياق سلبي في حياة المبدع، فهي مكون ثقافي ومعرفي من شأنها أن تغني تجربة المبدع، وسيقدر المبدع دائما وعي طبيعة هذا المكون وصهره في مختبر العمل. غير ذلك ليس في واردي أن أتخلص من بقايا الأيدولوجيا، أقول هذا لكي أشير إلى ضرورة التريث كلما تناولنا قولا، لابد أن يكون قولا دالاً على معنى على التحديد، فلن يكون مقبولا، بعد كل هذا العمر المعرفي، أن نعتبر فكرة الأيدولوجيا فعل اختزال شامل لكل نشاط فكري أو سياسي يحجب المبدع عن حريته، ويخضع طاقة المبدع لسياق خارج تلك الحرية وبمعزل عن ذلك الإبداع. 2-... وبناء على الملاحظة السابقة، سنجد أنفسنا تحت وطأة نفس الوهم الذي مفاده انتفاء النزوع العفوي نحو القضايا الانسانية الكبرى، أو (تساقط القضايا) حسب تعبير السؤال. لا افهم كيف يستقيم لنا القول بـ(تساقط القضايا)؟ وأية قضايا ستسقط ويبقى المبدع مبدعا ومأخوذا بشوق الحرية والحب و العدالة والجمال وغير ذلك؟ فنحن حين نقول بـ(سقوط القضايا) سنقول، في نفس اللحظة، بانتفاء كيان الإنسان عموماً وانتهاء الوجود الكوني للمبدع. فالمبدع هو تلك القضايا الكونية الأصيلة الخالدة التي يسعى الكائن البشري لمعالجتها والبحث فيها والدفاع عنها وتحقيقها. ترى كيف يصح لنا القول بسقوط القضايا، فقط؟ ؟ هل ثمة علاقة بين الحركة الشعرية العربية الآن - ومنها تجربتك - والأوضاع السياسية المتردية.. هل هو انفصال سياقات، أم تنصل متبادل؟ - الأوضاع السياسية دائماً متردية، خصوصا من شرفة الشاعر، الذي لن يرى في الواقع غير ما يمعن السياسيون في إفساده. ؟ هل تعبير الشاعر عن ذاته تعبير عن الكون بدرجة ما؟ وهل الكون هنا هو المعاني الانسانية الأكثر عمومية في كل مكان وأي وقت؟ - يسعى الشاعر لأن يكون كذلك. على أن يكون جديرا به وفي الشرفة ذاتها التي يرى منها الله الخلق. ولعله لا يكون شاعرا إلا إذا كان كذلك. غير أن المعاني الشعرية لا تصبح كونية برغبة من الشاعر، لكنها تصير كذلك بنعمة من الآلهة. وهي آلهة لا ترى إلى العالم إلا من خلال ذات شعراء يحملون عبئهم الكوني بجدارة الحب، فالشعر هو فعل حب بالغ الرحابة وكثير الوعي ومتبلور الحكمة. بهذا الشكل يتوجب أن نتجاوز بساطة السؤال ونضع أنفسنا في مهب المعرفة التي تستكين. الشعر هو نقيض الاستكانة. * في بعض قصائدك تنقلت بين الضمائر(المتكلم، المخاطب، الغائب)، وبدّلت التفعيلات، وضمّنتها مقاطع نثرية بسلاسة ودهاء يجعلها أكثر غنىً، وهو فعل يشبه الفوران وإن بدا هادئا ، فهل هو بحث عن قصيدة جديدة وتمرد على السائد، أم أن ذلك يجري بلا قصد، وهل يمكن أن تنمو القصيدة وحدها بين يدي صاحبها؟ - في النص، لحظة الكتابة، أشعر بحرياتي الحقيقية المفقودة في الواقع تحت سلطات لا تحصى. في هذه اللحظة لا تعود الأفكار والمشاريع والوعي هو الذي يقود عملي، إنما هي المخيلة والحلم والرغبة الجارفة في لذة خلق الصور والإيقاعات واكتشافها والانغمار في نعمتها. تلك اللحظة سأكون حرا في إطلاق ما اقدر عليه من المرايا التي تفتح لي آفاق الرؤيا، من هنا لا تعود التخوم المألوفة بين الضمائر والصفات والأمكنة والزمن والحدود الفيزيائية قادرة على حجب اندفاعي الحسي مع اللغة عن الاتصال الجنساني البالغ الفتنة واللذة المتركزتين في ذات الشاعر الساعي لأن تكون القصيدة موجودة. فكينونة النص تصبح، جوهرياً، هي الغاية الأسمى من الكتابة بالمعنى الشعري الكوني. ففي لحظة الكتابة لا ينشغل الشاعر بالبحث عن قصيدة جديدة، ولا يكترث بالتمرد مستسلماً لاستحواذ نعمة النص وهو يتخلق، مغموراً بالهدوء الحميم بمعزل عن العالم، فهنا تتجلى العزلة الملكية التي لا تضاهى، وليس من الحكمة التفريط بكرمها على الكائن. بعد ذلك كله، إذا صادف أن كتبت شعراً جديدا وجميلاً فذلك من نعم الله علينا، أما أنا فقد حاولت أن أكتب ما نسيته الآلهة أو غفلت عنه. * قلت في ''سيرة النص'' : '' الاحتفاء باللغة هو الشرط الأول لتخلّق الحالة الشعرية، حيث الصورة الفنية لا تتحقق بغير طاقة الجمال الكامنة في اللغة'' .. فهل يمكن أن يتحول الاهتمام باللغة في مرحلة ما لهدف على حساب الشعر، وهل تطور اللغة يعني بالضرورة ارتقاء التجربة الشعرية. ألا تخشي تحول اللغة لمعبود أحيانا؟ - الاحتفاء باللغة من قبل الأديب هو فعل طبيعي وبديهي أيضا، فلن يفعل ذلك شخص آخر أكثر من الشاعر. من وجهة نظري إن عدم الاكتراث بهذه المسألة أو التغافل عنها هي استهانة بالغة الفداحة بالمسؤولية التي تتقدم إليها الشاعر، فأي تفوق وتميز في التعبير الشعري لا يتحقق بعناصر أخرى غير اللغة، فهي اللحمة والمادة الحية التي يشتغل بها الشاعر في صنيعه الفني. وحين تكون اللغة هدفاً بالمعنى التعبيري فإن هذا لا يكون مثلبة عندما يصبح الهدف هو من صميم التعبير الأدبي أي مكون جوهري في اللغة الشعرية، فاللغة الشعرية، فيما تعني الأسلوب والصورة وطريقة بنائها، فهي أيضاً وفي نفس اللحظة تجسيد شخصي لطريقة فهم اللغة والتعامل معها والسهر على بلورتها والعلاقة الذاتية للشاعر مع هذه اللغة التي سيقدر إبداعيا أن يجعل الكلمات تتخلص من دلالاتها المسبقة المستقرة الثابتة عند عتبة باب قصيدته الجديدة، لتبدو لنا، هذه اللغة، كائنا حيا حيويا جديدا ومغاير الدلالات والمعاني متميزا بحساسية مختلفة تبدأ في تقويض جاهزية ذاكرة القارئ بعدما استطاعت أن تمنح الكتابة طاقة لغوية نشيطة المخيلة. كيف يستقيم القول بأن الاحتفاء باللغة، مهما بلغ من العناية، هو فعل على حساب الشعر؟ لابد لنا من الاعتراف بالجرأة المناسبة بأن الكتابة الشعرية العربية سوف تتعرض للمزيد من العطب والقصور إذا تهاون بعضنا بالعناية بلغة تعبيرهم ومادتهم اللغوية الغنية البالغة الجمال، وإذا هم لم يسهروا على اكتشاف جمالات وعبقرية هذه اللغة التي سوف ترفد التجربة الشعرية بلا توقف كلما استطعنا الإخلاص للغة وعبرنا عن عشقنا لها. فاللغة ليست طوطما معبوداً، لكنها جديرة بالعشق الخالص. * إنشغلتَ كثيراً وعميقاً بالمصالحة بين التفعيلة وقصيدة النثر وزاوجت بينهما، ومحاولاتك في تجريب الأدوات واللغة الشعرية تعكس قلقاً خلاقاً.. فهل تحس أنك حققت شيئاً في هذا السياق إطمأنت له روحك، أم أن البحث والتجريب لا نهاية لهما؟ - في أية لحظة من تجربتي الشعرية، لم أشعر بالقلق فيما يتصل بالكتابة في الوزن وخارجه، فمنذ كتاب الثاني ( خروج رأس الحسين من المدن الخائنة ) الصادر 1972 اكتشفت أفقاً من جماليات السرد الشعري في النص، وببعض الجرأة كتبت بعض قصائد ذلك الكتاب بحرية استخدام النثر في الوزن، وقتها لم تكن هذه الإشكالية قد أثيرت بالصورة والحجم الذي صارت عليه في السنوات الأخيرة. الآن، وبعد العمر في التجربة، يـتأكد لي بأن نزوعي المبكر نحو عدم التوقف عند التخوم بين السرد والشعر بالمعنى التقليدي لتوصيف التعبير الأدبي، ساعدني على اكتشاف الشعر في الكتابة أيا كان شكلها، وجعلني على قدر لابأس به من وعي الشعرية في النص بمعزل عن الحدود التي تحجب نشاط المخيلة واللغة الشعرية وبالتالي في ثقتي في ذهابي الحر في التعبير عن ذاتي مكتشفاً ما تقترحه التجربة بدون أية مواقف وأحكام مسبقة، ومن غير أن اعتبر الثبات على توصيفات التعبير الأدبي حدودا تمنعني عن ذلك. الآن، ليس ثمة استقرار في قلق الكتابة. لكن ثمة أفق يغري بالسفر ويجعل الشعر هو هذا الجمال اللامتناهي في الذهاب إلى الأفق، وليس ثمة وصول في مثل هذا السفر.الشعر هو سفر. * وصلت إلى حد مبهر من ''بلاغة الاختصار وفصاحة المعنى'' ..وهذا يحقق الشاعر، ويشكل متعة للمتلقي، لكن.. أليس مأزقاً أن يجد المبدع نفسه عاجزاً عن إضافة جديد.. كأنه أمام ''حيطة سدّ'' ؟ - في فعل الكتابة والإبداع ليس ثمة مأزق على الإطلاق. المأزق هو في كونك تسعى بالكتابة للوصول إلى مكان أو مكانة. الشعر هو أزل الحياة والمعنى. انه مثل المستقبل، لا يأتي إلى أحد، عليك أن تذهب إلى المستقبل، فقط أن تذهب. قبلنا قال يوسف الخال، في لحظته تلك، أنه يقف أمام الجدار في التعبير الشعري. وهو الذي أسهم في تكريس حريات المخيلة وإعادة خلق صناعة الكتابة الشعرية العربية الجديدة. الآن، سيختلف الأمر كثيراً، فنحن لا نري جداراً أمام كتابتنا. على العكس، الغنى والتنوع في التجارب الشعرية الجديدة تساعدنا على الثقة بأن الأفق متاح لجميع المسافرين، وما على المسافر إلى أن يعد قاربه وأدواته وأحلامه ومخيلته وحرياته بالشكل الذي يليق بالأفق والمستقبل. * الميول الأيديولوجية لديك أنت وسعدي يوسف ودرويش وعفيفي مطر وغيركم، أين ذهبت... هل طمرها المستوى الفني وذوّبها في الإبداعات ولم يتبق منها غير بعض وميض في مفردات ومعان... هل هي ''الخضرمة''؟ أم انهيار الأحلام؟ أحلام الشعراء لا تنهار، أوهام السياسيين هي التي تنهار. الشعر هو حلم الانسانية الأبدي الذي يعرف عناوين سفره ولا تخطئ بوصلته التي ترى الحرية والجمال بثقة القلب. وبمعزل عن الخطاب السياسي المباشر، سيشعر القارئ بكثافة تجارب الشعراء بعمقها الفكري والأيديولوجي بوصفها مكوناً أساسياً من طاقة الرؤية والإبداع في كتابتهم. وكلما كانت هذه الرؤية والفكر متوارياُ وشفيفاً وجوهرياً أصبح النص أكثر جمالا وفعالية وصادقاً ومتحررا من غاية الدرس والوعظ الساذجين. |
الثلاثاء، 21 مايو 2013
قاسم حداد : الشعر نقيض الاستكانة ( 2 من 2 )
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق