الثلاثاء، 21 مايو 2013

" كرم العنب" .. تبشير ماكر بالثورة !


" كرم العنب" .. تبشير ماكر بالثورة !

 
أسامة الرحيمي

 
نشرت في مجلة إبداع ( 2010)
 
إذن عبد الوهاب الأسواني يري أن ثمة نذر ثورة تتجمع في الأفق !

أو علي الأقل هو يبشر بها !

كما أبان في خاتمة روايته " كرم العنب "

لاحظوا إيحاءات الاسم !

في آخر فقراتها قال : " نزلنا في مركب شراعي، وحين وصل بنا إلي منتصف النهر، رأينا جموعا كثيفة من كل نجوع بلدنا تهبط من أعلي الجرف، وتنزل في مراكب شراعية، وفي المقدمة جموع المقاليع كأنهم السيل الجارف، استقلوا قواربهم فغطوا بها سطح النيل حتي أن الماء بدا لي كالطريق البري المردوم بالمراكب والقوارب .."

احتشاد الفقراء بهذا الشكل ذروة بليغة يهفو إليها الجميع، إذ تنادوا للدفاع عن بقائهم بعدما ضاقت عليهم سبل الرزق، وحاق بهم الظلم من كل صوب  .

وأضاف متمما بشارته :" انتصبت الأذرع في المراكب والقوارب، متجاوبة معه، كأنها غابات النخيل، وأصوات الجموع تدوي في الفضاء كقصف الرعد"

جمل صريحة تعني أنه تمناها عارمة !

والحق أنه ماكر، أراد الاشتباك مع ما يحدث في مصر الآن من فساد، وتخريب، و"هاجس التوريث" المؤرق للجميع، لكن في حدود الأدب، الذي لا يحتمل فجاجة التقريرية في التعاطي مع مثل هذه القضايا الصريحة .

فاختار زمن الملك فؤاد، بما يعنيه من رسوخ الاستعمار علي قلب الوطن، وتداعيات انتكاسة الثورة العرابية المتلاحقة، بمرارتها التي تعاود الحلوق للآن، وازدهار خائنيها، وازدراء مؤيديها ومحاصرتهم، أبناء الحلم الوطني الكسيح، وتكريس ثروات ومقدرات الأمة في أيدي نصف في المائة من سكانها، وتحويل الاكثرية الكاسحة إلي مناكيد بلا حول ولا قوة، كأنهم جزء غاطس لاحق له في شيء .

والمكان في أقصي جنوب مصر، بإحدي قري أسوان، وأسماها " كرم العنب"، ليذكرنا بسخرية المتنبي الأليمة " نامت نواطير مصر عن ثعالبها .. فقد بشمن وما تفني العناقيد"، وفيها تدور أحداث لا تحتاج لفطنة كبيرة لالتقاط التشابهات بينها وبين واقعنا الحالي، بتشابكاته وشخوصه، وتراجع منظومات القيم أمام النهم والنهب الوحشي لأرزاق الناس .

علي رأس " كرم العنب" ديب ـ أو عمدة ( رشوان ) ـ بشرعية منقوصة، في دلالة آنية، دؤوب في نصرة الباطل، مراوغ في الحق، لم يتردد أبدا في سلب أراضي المأزومين، وتضخيم أملاكه، والتغاضي عن تصرفات شيوخ القبائل والنجوع المشابهة لفعاله، فأتاح مجالا آمنا للرشا والضلال وجرّ أي شخص يشمخ بأنفه إلي طابور ( المطاليب )  ليعمل بالسخرة في الأشغال الحكومية الشاقة المجانية، تماما مثلما تم جر جموع المصريين الآن إلي ساقية الشقاء التي لاتكف عن الدوران، دون أن تخرج ماء !.

للعمدة بنت وحيدة ليست جميلة، اختار لها زوجا من أبناء الفقراء (مراد)، وأغرقه بالعطايا والمنح حتي أفسده تماما، وفتح عينيه علي السلطة، بأن جعله نائبا له علي غير رغبة القوي المناوءة، فانفتحت شهوته بالضرورة علي كافة الملذات والأطماع، دون تورع عن منح أخته المخطوبة لفقير مثلها، إلي شيخ نجع نزوي جشع (عطوان)، قاسمه كافة جرائمه لاحقا، وشاركه الإجهاز علي كل من اعترض شرهه للسلطة، واسترخاص دماء الناس يكون أسهل الخيارات، فإذا بدأ يصبح وحشا منفلتا تستحيل السيطرة عليه مهما كانت إرادة صاحبه .

وحولهما شيوخ نجوع تم انتقائهم بعناية، وعمدا للقري المجاورة اختارتهم سلطات الاحتلال من العائلات والقبائل التي عادت عرابي باشا، أو تنصلت منه ووصفوا ثورته بالهوجة، وبدورهم كونوا طبقة أصحاب مصالح متماسكة، تتساند بوعي وحذق رغم ما بين أفرادها من كراهية مضمرة، وتعارضات، فليس أبسط من تخليهم عن مشاعرهم الخاصة، لصالح مغانم وتوافقات لاتنتظم حياتهم بدونها، ونموذجهم الواضح والفادح هو" عطوان البهرجان" ذلك الساهي، الذي يرتكب ويشارك في كافة الجرائم دون أن يرف له طرف، ويحيك المؤامرات لصالح من يقاسمه أطماعه.

هذه التشابكات صنعت واقعا فائق التعقيد، لا أحد يملك التسلل إليه دون إرادة رؤوسه، ومن يدخله لايمكنه الإفلات مرة أخري، تشكيل إجرامي لا سبيل للفكاك منه إلا الموت، لذا تتراص هذه الطبقة بكل عنفها وعفنها ضد أي شخص يحسن الظن بنفسه، أو يعتد بقيمة ما، أو يراهن علي قوة يمتلكها، أو ساعة خلاص يترقبها.

مثل الشيخ أيوب العواصمي الذي يسمونه (فرعون) استهانة بتمسكه بالقيم، واعتداده بتاريخ أبيه الذي أيّد الثورة العرابية، وخسر أملاكه بسبب موقفه هذا، لكن تظل سيرته العطرة مثالا في العدل والحكمة وانصاف البسطاء.

ومعه صديقه مهندس الري من وجه بحري، المستنير الذي يعقد في بيته جلسات مع الشباب الذين يعرفون قدر عرابي باشا وثورته المغدورة.

وابنه فريد العواصمي الذي يدرس في القاهرة وقرر إنشاء حزب جديد بعدما استنفدت الأحزاب القديمة أغراضها، وانتهت مع زعمائها، إيمانا منه بالتغيير الجماهيري، والانتخابات، والطرق السلمية، وأخذ علي عاتقه هو وزملاءه نشر أفكارهم الجديدة في أنحاء مصر، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الفاعلة.

لكن ماذا تفعل حفنة المخلصين هذه وسط أصحاب النفوذ الذين يمكنهم استخدام سلطاتهم في إرهاب الناس، وشراء ذممهم، وترويع كل من تسول له نفسه فعل أو قول الحق .

زمان ومكان وواقع لا فرصة فيه لشيء إلا تكذيب الصادق، وتصديق الكاذب، فأصحاب السلطة لصوص، يقتلون، ويكذبون، ويخطفون نساء غيرهم بالباطل، في الوقت الذي يتهمون أي صادق بالحماقة والغباء، ولايطيقون كلامه، فقلوبهم مستغلقة، يغمرها ظلام بارد مخيف .

" كرم العنب " رواية موجعة للقلوب مثل واقع مصر الحالي، فالأحداث تعكس قدرة الشر علي التحور والتشكل وفق منافعه، وتسد الأفق علي الناظرين، وتعميهم عن استشراف أي بصيص.

كأنما أراد الأديب " عبد الوهاب الأسواني " أن ينكت جراح الناس حتي لا تنغلق علي صديدها النتن، فيتألموا، ويتحسروا علي أوضاعهم، أو ليصرخوا ويتجمعوا في مراكبهم الشراعية، ليغطوا صفحة النيل، ويحولوه إلي شارع واحد، وتيار جارف للظالمين، فيستحيل إلي نهر ثائر بدلا من ذلك العجوز الراكد، ويملؤون قلوعهم بريح عاتية، لعلها " تكنس هذا العفن" .  

 

 

"كي لاننسي" قري فلسطين التي دمرتها إسرائيل في 1948 .. الأوطان لاتسقط بالتقادم !


"كي لاننسي" قري فلسطين التي دمرتها إسرائيل في 1948

               الأوطان لاتسقط بالتقادم !

عرض: أسامة الرحيمي

( في مجلة العربي الكويتية 2007)

إلي كل الذين شُرّدوا من قراهم فهاموا في الأرض .

إلي ذرياتهم جميعا "كي لاينسوا".

بهذه الجملة اللافتة استهلت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" كتابها التوثيقي الوافي" كي لاننسي"  بعنوانه التفصيلي "قري فلسطين التي دمرتها اسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها".

ورغم أن الطبعة الأولي من هذا الكتاب صدرت في 1997 والثانية في 1998 لم يتقادم عليه العهد بعد مرور عقد وزيادة، فهذا النوع من الكتب الوثائقية يضمن تجدده الذاتي بما يحويه بين دفتيه من حقوق تاريخية جليّة، ستظل حيّة إلي أن يستعيدها أصحابها، وهو ما يفسر إصرار الفلسطينيين علي الاحتفاظ بمفاتيح دورهم القديمة التي سوّاها المغتصبون بالأرض، وحرصهم علي أوراق الملكية القديمة التي يعود أغلبها لعهد الدولة العثمانية.

وفي التعريف بالكتاب قالوا أنه : " وصفا تفصيليا وموثقا للقري الفلسطينية الأربعمئة ونيّف التي هَجّرت إسرائيل أهاليها في سنة 1948 ، ثم دمرتها ومحت معالمها، ووزعت أراضيها ومزارعها علي سكانها الجدد من اليهود، وأقامت عليها مستعمرات بأسماء عبرية مستحدثة حلّت محل أسمائها التاريخية الأصيلة، وذلك إمعانا في إزالة الصبغة العربية لا عن التراب الفلسطيني فحسب بل عن خرائط فلسطين وذاكرة العرب والعالم أيضا.

والمؤلم أن بعض الدول العربية غيّرت المناهج الدراسية في الجغرافيا والتاريخ تحت الضغط الصهيوأمريكي الذي يحاول تشكيل المنطقة وفق أطماعه، وهو ما شجع بعض أصوات علي المجاهرة مؤخرا بإسقاط حق العودة عن الفلسطينيين، وهو أقصي أحلام الصهاينة، وأقل حقوق الفلسطينيين التاريخية والتي بادر هذا الكتاب بحفظها لهم، وهذا الجهد الجبار هو ثمرة  " تعاون جامعة بير زيت، ومركز الجليل للأبحاث الاجتماعية في الداخل، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية في واشنطن المشرفة في الخارج، وساهم فيه أكثر من ثلاثين باحثا، واستغرق نحو ستة أعوام. واستند هذا العمل الضخم إلي وفرة من المصادر العربية والأجنبية ( أعمال المؤرخين القدماء والجغرافيين والرحّالة) كما استند إلي البحث الميداني من أجل تحديد مواقع القري تحديدا دقيقا بالرجوع إلي شهادات الساكنين السابقين والأدلاء المحليين.

والكتاب يذكر أسماء وأماكن القري الفلسطينية " مرتبة وفق حروف الهجاء تبعا لكل قضاء. ويشتمل نصُ كل مدخل علي بيانات إحصائية ( إحداثيات الموقع، وعدد السكان وتركيبهم، وعدد المنازل، وملكية الأرض ووجه استعمالها) وعلي مقاطع تُجمل تاريخ القرية قبل سنة 1948 وتنسّق المعلومات عن طبوغرافية القرية، وهندستها، ومؤسساتها، ونشاطها الاقتصادي، ويحتوي المدخل المخصّص لكل قرية علي مقطع يستند إلي روايات إسرائيلية وعربية عن العمليات العسكرية التي أفضت إلي سقوط القرية بيد القوات الإسرائيلية.

وهذا يُحبط الوحش الصهيوني الذي غَصّ بما ابتلعه من أرض فلسطين التاريخية، معتقدا أن أصحاب الحق سينسون بيوتهم وزيتونهم، وأرواح أسلافهم التي مازالت تُحوّم فوق البساتين والبيادر، تنعي المساجد والكنائس المدمرة والمسكونة برجع الآذان وصدي الأجراس، ورائحة الزعتر التي تغالب عفن البارود.

وصدّر معدو الكتاب المقدمة  بمقولة لـ "موشيه دايان" أهم وزراء حرب اسرائيل، مأخوذة من كلمة ألقاها في معهد التكنولوجيا بحيفا في الرابع من إبريل ( نيسان)1969  ونصها حسب صحيفة هآرتس هو: " لقد أقيمت القري اليهودية مكان القري العربية. أنتم لا تعرفون حتي أسماء هذه القري العربية وأنا لا ألومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة، ولكن كتب الجغرافيا وحدها التي لم تعد موجودة . بل القري العربية نفسها زالت أيضا. فقد قامت نهلال في موضع معلول، وكيبوتس غفات في موقع جباتا، وكيبوتس ساريد في موضع خنيفس، وكفار يهوشوّع في موضع تل الشومان. وما من موضع بني في هذا البلد إلا وكان فيه أصلا سكان عرب".

واللصوص ظنّوا أنهم يستطيعون تغيير الجغرافيا كما زوروا التاريخ، وزعموا منذ القدم أن الله فضّلهم واختصهم بأرض فلسطين، وبرعوا في تلفيق كل شيء من الافتئات علي الله تعالي وتأويل التوراة وفق جشعهم، إلي تزوير أوراق ملكية البيوت والأشجار دون أن يرف لهم جفن.

وجاء في المقدمة: " لا جدال أن عملية الاستعمار الصهيوني لفلسطين التي بدأت أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر، وما زالت مستمرة حتي اليوم، إنما هي من أكثر المشاريع الاستعمارية لفتا للنظر علي مدي العصور، ففي غضون عمر من الزمن جري ما يشبه الانقلاب الشامل في الأوضاع السكانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت قائمة في فلسطين عند بداية القرن العشرين".

ويرصد الكتاب مصير 418 قرية فلسطينية دمرها الصهاينة وهجّروا سكانها في حرب 1948، بالإضافة لسقوط أكثر من عشر مدن فلسطينية، منها مدن كانت آهلة بالفلسطينيين حصرا ( عكا، وبئر سبع، وبيسان، واللد، والمجدل، والناصرة، والرملة)، ومنها مدن كان الفلسطينيون يمثلون نسبة كبيرة من سكانها( طبرية، وحيفا، والقدس الغربية) فضلا عن يافا ـ المرفأ البحري القديم ـ التي كانوا يشكلون الأكثرية العظمي من سكانها، وقد أخليت هذه المدن والبلدات، مع استثناءات قليلة أهمها الناصرة من سكانها الفلسطينيين وانتقلت أموالهم غير المنقولة ـ المراكز التجارية، والأحياء السكنية، والمدارس، والمصارف، والمستشفيات، والعيادات، والمساجد، والكنائس وغيرها من المباني العامة والحدائق والمرافق ـ جملة واحدة إلي مواطني اسرائيل ـ كما استولي الإسرائيليون علي ما سَلِم من المنقولات مثل : الأثاث، والأواني الفضية، والصور، والسجاد، والمكتبات، وسواها من المتاع التليد، وسائر ممتلكات الطبقة الوسطي من سكان تلك المدن الفلسطينيين .

ولم يبق من الـ 418 قرية التي دمرتها إسرائيل إبان النكبة إلا بضع عشرة قرية سلمت أو أصيبت بأضرار طفيفة، أما ما سوي هذه فقد دُمر تدميرا تاما أو أنه في حكم المُدمر عمليا، إذا مُحيّ في الواقع من علي وجه الأرض. فمواضع المنازل والمقابر المدمرة، ومثلها مواضع البساتين والبيادر والآبار وحظائر المواشي والمراعي، قسّمت ووزّعت علي المستعمرات اليهودية التي كانت تجاورها، أو تشاطرتها المستعمرات الجديدة التي أُنشت لاحقا علي أراضي تلك القري، وحلّت الأسماء العبرية التي سميت بها المستعمرات محل الأسماء العربية ، وربما اُستبقي في هذه الأسماء الحديثة صدي خافت أو ساخر من أصداء الإسم العربي. أما ورثة هذه القري فقد جاؤوا من كل الحركات الصهيونية الإسرائيلية الكبري: الجماعية، أو التعاونية، أو الزراعية ذات الملكيات الصغيرة ( كيبوتسيم وموشافيم ) وتنتسب هذه الحركات إلي أحزاب إسرائيلية تنتشر علي ألوان الطيف السياسي كافة، من أكثرها ليبرالية إلي أكثرها تشددا.

وبقي نحو 100 قرية فلسطينية داخل المناطق التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1948 من دون تدمير أو تهجير للسكان، وهي لاتزال قائمة حتي اليوم داخل حدود إسرائيل ما قبل 1967، وقد صودر أكثر من 80% من أراضي عرب 48 الذين لم يغادروا منازلهم قط، ووضعت تحت تصرف مواطني إسرائيل من اليهود حصرا. ومع ذلك فإن القري الـ 418 التي يرصدها هذا الكتاب كانت تشكل قرابة نصف عدد القري الفلسطينية التي كانت قائمة داخل حدود فلسطين الإنتدابية عشية التوصية التي اتخذتها الأمم المتحدة في نوفمبر( تشرين الثاني ) 1947 بتقسيم فلسطين. وقد تفرق من هذه القري نحو 390,000 لاجيء ريفي إلي الضفة الغربية وقطاع غزة، أو تدفقوا برا أو بحرا إلي الدول العربية المجاورة.

وشكل لاجئو الريف هؤلاء أكثرمن نصف اللاجئين الذين شردتهم حرب 1948، أما الباقي فهم من لاجئي المدن والبلدات السابق ذكرها ( 254,000  تقريبا ) فضلا عن  70,000 إلي 100,000 بدوي شبه متوطن . كما بلغ مجموع اللاجئين جرّاء الحرب من الريف والمدن 54% من مجموع سكان فلسطين العرب أيام الانتداب. كما بلغت مساحة أراضي القري الفلسطينية التي تم تقاسمها سريعا بين المستعمرات اليهودية، قديمها وحديثها، ستة ملايين دونم تقريبا.

وهذه الأرقام تبين مدي الكارثة التي حلّت بسكان الريف الفلسطيني الواقع داخل الحدود التي أنشأتها إسرائيل في سنة 1948 .

وكثير من هذه القري لاذكر لها في التاريخ، لكن قري كثيرة أخري شهدت معارك كبري، أو مرت بها جيوش عظيمة، أو زارها أحد الخلفاء أو السلاطين وسخا عليها ببعض المباني أو المنشآت. كما برز من بعضها الآخر نفر من أهل العلم، أو أرباب الحكم، أو أصحاب الطرق من المتصوفة، وزار عددا غير قليل منها خلال العصور الوسطي وما بعدها رحالة من البلاد العربية القريبة أو من البلاد الإسلامية القصية

في طريقهم إلي القدس أو دمشق أو القاهرة. وترك بعضهم لنا إنطباعات عن تلك الرحلات باللغة العربية أو التركية أو الفارسية. ويفصّل سجل ضرائب عثماني دُوّن في أواخر القرن السادس عشر المنتوجات الخاضعة للضريبة في 145 قرية من القري 418، ويتبين من هذا، ومن غيره من القرائن المكتوبة، أن هذه القري كانت في معظمها قائمة، ومعروفة بأسمائها العربية أو المعربة منذ قرون عدة قبل سنة 1948. كما تشهد البقايا الأثرية علي أن هذه المواضع استمرت آهلة منذ أقدم العصور.

واغتصاب ممتلكات سكان هذه القري لم ينزل بسكان عابرين أو رُحّل، وإنما بمجتمع زراعي أصيل عميق الجذور كأي مجتمع آخر في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وجدير بالملاحظة أن الكتاب استند في تعداد أسماء القري الـ 418 علي "معجم فلسطين الجغرافي المفهرس" وهو أشمل المصادر المتاحة، ولم يستخدم إلا قليلا جدا، ويحوي هذا المعجم الذي أعدته إدارة المساحة في حكومة فلسطين 1945 عشرة آلاف ونيّف من أسماء المواضع، مرتبة وفق أحرف الهجاء، ومصنفة إلي حوالي 36 فئة منها ( القرية، والمزرعة، والمنزل، والوادي، والجسر، والكهف، والموقع الأثري، والمستنقع ).

وطوبقت القائمة النهائية لأسماء القري والمزارع علي أسماء القري المدرجة في " الإحصاءات القروية 1945 " وهو آخر إحصاء للسكان وملكية الأرض قامت به سلطة الإنتداب البريطاني.

وجرت المقارنة أيضا بكتاب "إحصاء سكان فلسطين 1931" وهو آخر إحصاء للسكان تم في فلسطين أيام الإنتداب، وتمت الاستعانة ببعض الكتب الأخري لاستكمال الموضوع.

ولم يهمل الكتاب شيئا من تفاصيل القري مما يشجع  المخيلات علي تجسيدها في مشاهد تضيء وجه فلسطين الباهي في أطهر نقطة من وجداننا، لما يحفل به من صور حميمة للأماكن، والبشر الذين عمّروا البساتين بكدّهم، وملأوا البيادر بالمحاصيل، ولونوا بيوتهم بالأحلام.

وفي نهايته ستة ملاحق لشرح المصطلحات، وضبط التسلسل الزمني لأهم الأحداث في التاريخ الفلسطيني منذ أقدم العصور حتي سنة 1949، والعدد الإجمالي للاجئين من المدن والريف، والقري الفلسطينية التي هُجّر سكانها سنة 1948( مقارنة بين المصادر)، وخامسها للمستعمرات الإسرائيلية التي أقيمت علي أراضي القري الفلسطينية وانتماءاتها السياسية، أما الملحق السادس والأخير فخصص لشهداء وجرحي حرب 1947/1948، إضافة لمصادر الصور، وقائمة بالمصادر والمراجع، وفهرس تذيله خريطة بأماكن وأسماء القري .

وهذا كتاب ليس كغيره من الكتب الوثائقية، فهو لايحيي الحقائق فقط، بل يحفظها ويغلق عليها القلوب لتستدفئ برائحة الوطن، الذي قيّض له الله هؤلاء الباحثين المخلصين ليحفظوه من الضياع، كما نثق أن ثمة من سيعيد بناء هذه القري والمدن مرة أخري علي أنقاض المستعمرات الصهيونية إن شاء الله، وليعلم من يقبل بإسقاط حق عودة اللاجئين إلي أراضيهم أن الحقوق ستعود لأصحابها مهما طال الزمن، والتنازلات لن تغير الحقائق، فالأوطان لا تسقط بالتقادم .   

  

 

 

 

في رحيل يوسف أبو رية !


في رحيل يوسف أبو رية  !

 
كعادتها .. لا تأتي الأحزان فرادي !

والموت لايمهل أحدا .. ورحيل الأخيار له وطأُ شديد 

ألم تكن آلام غزة وحدها كافية لصبغ حياتنا بلون الحداد

كأن مضاعفات الشيخوخة كانت قليلة علي "محمود أمين العالم" .. لتضرب جسده الواهن سكتة قلبية

ولأنها هكذا .. لا تأتي فرادي ..!

وقبل انطباع الحزن علي جدار القلب .. رحل "يوسف أبو رية"

أنبأنا صوته قبل موته بأيام .. لكن القلوب بطبعها تأبي غياب الطيبين 

لم يخبر كل أصدقاءه أنه مكبود إلا حين بشّره الطبيب بأن الدواء حاصر الورم في نقطة ضئيلة، ولا ينقصه إلا فصِّ من كبد سليم

أمعن في توزيع التفاؤل علينا .. والوحش كامن !

تظاهر بالتماسك، لكنه لم يستطع إخفاء الفزع في عينيه، وبمجرد التفاته كان الجميع يمسكون قلوبهم ويلهجون بالدعاء.

كان يردد بفرح : هذا علاج جديد في مصر .. فرّ منه السرطان .. وانحسر في نقطة يمكن استئصالها وتعويضها بفصِّ صغير "!.

لكن الوحش كان له رأي آخر .. فتراجعه لا يعني غير التجهز للهجوم الأخير.

فلا الأدعية أفلحت ولا الدواء !!

قدم له شقيقه ابنيه بنبل صادق ليأخذ من أيهما ما يكفي لترميم كبده

قبل أن يدخل المستشفي منحنا جميعا فرصة للهرب من النظر في عينيه .. حيث يتمدد الرعب والهواجس، والتمس في عيوننا الدعاء

وأثبتت التحاليل أن أنسجة ابنيّ أخيه لاتصلح للتبرع بالفص فتداعت المضاعفات، وانهار تفاؤله الهش، وبدا صوته مُودعاً، يؤذن بالرحيل

كأنه كان يستشعر دنو أجله قبل ظهور أعراض المرض، فبني لنفسه مقبرة قرب مدافن الأسرة، لارتباطه بههيا ورغبته العميقة في العودة إليها .   

امتلأ وعيه المبكر بالفقراء، فاحتفي بهم في أعماله، وكان يرفض بإخلاص استبدال ألق كلمة "الكادحين" بمفردة بلاستيكية باردة اسمها "محدودي الدخل"، فكيف يوضع صناع الحياة علي هامشها !

اختار الكتابة عن الأجير في طاحونة أبيه بمحبة فائقة "أكثر من الكتابة عن الأب ذاته الذي حمل في سلوكه نزعة طاغية في حدود وضعه الطبقي".

ومن فرط حنوه عليهم تمثلهم في الموت بالكبد، تماما مثل تشيكوف الذي أصابه السُل ومات مصدورا كالبسطاء الذين انشغل بهم في كتاباته وحياته

فكيف يعرف هذه المعاني من يرون الحياة أرقاما وحسابات، وهم لايدركون أهمية الأدب، ولاتعنيهم حياة الأدباء، ولايقدرون فداحة إحساسهم بالعجز وهم يرون مرضاهم يتساقطون أمامهم، بينما هدية حاكم الشارقة لأدباء مصر التي يؤكد البعض أنها 20 مليون دولار محتجزة لدي وزارة المالية.

مات الشاعر محمد الحسيني مكبودا أيضا قبل شهر تقريبا، ولم يرف لأحدهم طرفا، باعتباره واحدا من ملايين مثله.

" اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ..."

في سرادق العزاء ببلده "ههيا" بالقرب من طاحونة أبو رية، ـ ولم يكن هناك من كُتّاب القاهرة غير "عزت القمحاوي" ـ اختار المقرئ سورة يوسف وحلت له آية : " وتولي عنهم وقال يا أسفي علي يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم "!

 وردد ".. يا أسفي علي يوسف .." !

أسامة الرحيمي

قاسم حداد: الكتابة أجمل شيء في الحياة (1-2)

ملاحظة مهمة قبل قراءة هذا الحوار
ــ عند مراجعتي لهذا الحوار قبل نشره علي هذه المدونة استوقفتني عدة أمور أراها مهمة لي قبل غيري مهنيا وإنسانيا، وهي تخص أسئلتيوطريقة محاورتي للشاعر الكبير "قاسم حداد"، وأري رقته الإنسانية أوضح وأوجع الآن لأنه أجاب علي أسئلتي من دون تذمر، وترفق بيفي إجاباته ولم يسبب لي حرجا، لأنني بحق كنت ساذجا في صياغةبعض أسئلتي، ولاحظت ميلاً غير مبرر لدي للتساؤل عن أشياء لا تخصعالمه الشعري، وخاصة بطريقة تفكيري وفهمي النسبي لعلاقة الإبداع بالإيدلوجيا، وعلاقة المبدع بلحظات الكتابة وغير ذلك ، لكنه لم يتردد مرة واحدة في الإجابة، وكانت كلها دقيقة وصحيحة، بقدر ترفقه وأدبه ـــ وضاعف الإشكال أنه اختار الإجابة علي الأسئلة كتابة في بيته لأنه وقتها كان مصابا بكسر في ساقه ويلزم الفراش، وأرسل الإجابات إلي بالإيميل مما حرمني من تدارك عوار أسئلتي وتصويبها في مجلس الحوار وهذا يحدث أحيانا، فالأدباء يمكنهم تدقيق الأسئلة وتصويب اتجاهات الحوار والحقيقة أن فرحي بإنجاز الحوار وقتها أنساني مراجعته وتدقيقه ومراجعة نفسي قبل نشره، مع أن هذه عادتي دائما في كل حواراتي، فلا أنشر شيئا قبل قراءات متكررة، ومناقشة المبدع في ملاحظة هنا أو هناك عبر الحوار.
أعترف أنني تعلمت درسا جيدا من " الشاعر " قاسم حداد، وإن جاء متأخرا للأسف وسط انشغالات الحياة المرهقة.
وأنوه هنا بلا تردد .. أنني أنشر الحوار بما فيه من سذاجة بادية في أسئلتي، وثقة عميقة ودقة في إجابات الشاعر العربي الكبير لأكفر عن ذنب غير مقصود ولعله يكون مفيدا لغيري ممن يمتهنون الصحافة ويحبون محاورة المبدعين.
ــ الأمر الثالث أنني نشرته أثناء عملي في جريدة الوطن البحرينية .. وهي تجربة عمل سيئة جدا في بعض جوانبها، خاصة أنني اكتشفت بعد فترة من وجودناهناك أنها جريدة طائفية بامتياز، وأصدرتها السلطات هناك خصيصا لمواجهة ومهاجمة الشيعة الذين يمثلون أكثرية الشعب البحريني، واستخدمونا كمصريين في معركة لا ذنب لنا فيها باعتبارنا سُنَّة ولن نجد غضاضة في التعاون مع تلك النزعات الطائفية، وهذا غير صحيح بالمرة، فالتجربة كانت مسممة الأجواء، وهو ما يشعرني بالأسي والحسرة كلما تذكرتها، وأحي بالخِزي لمن فكروا بهذه الطريقة، فكيف نكون نحن علي هذا القدر من العفوية ويكونون هم علي هذا المستوي من الخبث، وللأسف ساعدهم بعضالمصريين المثيرين للإشمئزاز، وهذا يجعلني أشفق علي نفسي وبعض الزملاء المخلصين في تلك التجربة المهينة.
ــ الخلاصة وبعيدا عن جو السياسة المحزن، فإنني لا أستحي من تقصير مهني، فالناس يتعملون من أخطائهم عادة وأشكر قاسم حداد الكبير علي رقته وجديته في الإجابات والصدق في التعامل، وأعتذر له .. وأجدد محبتي له ولإبداعه
ومن القراء ألتمس تفهم موقفي ونيتي الجادة في تفادي مثل هذا الخطأ .
 
قاسم حداد: الكتابة أجمل شيء في الحياة (1-2)
 
( جريدة الوطن البحرينية) 2006
 

 
 
 
 
       
 
    
حوار :أسامة الرحيمي
       

من
يرى شارب ''قاسم حداد'' الكثّ، وملامحه الجادة، وميله للصمت، قد يظنه جهماً..
فإن سمع صوته الهادئ الرصين،
ورأى ابتسامته الودودة، يوقن أن ثمة نبلاً أعمق من ذلك الانطباع الزائف.
ورغم مشروعه الإبداعي
الكبير يتكلم عن ذاته -إذا اضطر- بضمير الغائب كأنه شخص آخر لفرط تواضعه.
ومن
يقرأه يدرك يقيناً أنه أمام شاعر أريب توفر على منجزه، وبلغ حداً مدهشاً من بلاغة الاختصار وفصاحة المعنى، وتعاطى ألوان الكتابة بعذوبة فاتنة حتى تماهت تحت يديه الحدود بين القصيدة والسرد والمقال، وانتقل في أشعاره من العمودي إلي التفعيلة بسلاسة وضمّنها النثرـ مبكراًـ بدهاء فبدت أكثر غنىً... تفور وإن بدت هادئة، في رحلة بحث لا نهائية عن قصيد جديد.
قال عن نفسه
''لن تجد شخصاً يروي الأكاذيب بصدق فاتن مثلما يفعل''.
وهو من أصدق الكاتبين
.
وقال
: ''يعبر راحة الآخرين فيمنحهم ما يفيض عن حاجتهم من القلق المقيم''.
وهو أكثر الناس مراعاة للآخرين
.

*في
كتاباتك تتكلم عن نفسك عادة بضمير الغائب، وكأنك تقصد شخصاً آخر.. فهل هو فرط حياء وحياد، أم محاولة لرصد تناقضات الذات؟
- قلت للمرايا إن تفعل ذلك من أجلي، فمنحتني نعمة الكشف والاكتشاف والتماهي في آن واحد. في الفن لا يصلح الشغل بصوت واحد وشخص واحد ونص واحد. بهذا المعنى سيجد الفنان روحه مبثوثة في جسومٍ كثيرة، يجوز له الكلام عنها والتماهي معها والسفر فيها.
كأنني
بابن عربي سيسعفني ويقول بعد قليل: إن كل واحد لا يقبل الكثرة ولا يتعدد لا يعوّل عليه.
فأنت لا تعرف نفسك إلا إذا وضعتها أمامك في
صحن أفكارك وكراسة مخيلتك، وربما لا تكون حراً إلا إذا جعلت لنفسك النقائض الحميمة والصريحة ذات الجرأة وباسلة الشكيمة، من أجل أن يكون نصك شخصك ويزيد.
في
الكتابة، كلما تحررتَ من الكلام عن (ذاتك) أحسنت التعبير (عنها).
وهذا ما حاولت،
في تجارب شتى، أن أكتشف طاقة الجمال فيه.
* متسق مع ذاتك،
فلا تناقض بين إبداعك وأفعالك.. أي أنك واحد صحيح بلا كسور عشرية ولا فواصل، لكنك تتوقف كثيراً في كتاباتك عن نفسك أمام ما تصفه بأنه ''شهوة النقائض'' .. أليست هي أحوال المبدع وتبدلاته التي تشبه ''طقش حجرين'' لاستصدار شرر، فبين حالة وأخرى يولد الشعر، وتتناغم الأشياء أو تتصارع فتؤدي إلى بعضها، فهذه تلد تلك، وتلك تلد هذه، أليس كذلك؟
- هذا بالضبط ما كنت أكتشفه يوماً بعد يوم ونصاً بعد الآخر.
وما كنت أتحدث عنه في
النص الذي تعتمده في أسئلتك، هو ذلك الغنى الفاتن في التنوع الكريم بالضبط. ففي ذلك النص / الشهادة تيسر لي أن أقع على أجمل مداخل المنجم الذي سهرت عليه طوال حياتي وكتابتي، حيث النقائض التي تكتنز في تلافيف الشخص ويدخرها لي ذلك الكائن الغامض الذي يزعمني وأدعيه، لا يفعل سوى أن يمنح تجربتي الثروات الدفينة من أجل أن أكون جديراً بالكتابة وقادراً على حمل عبئها العظيم.
وإذا كنت قد حققت شعرية ما في
كتابتي، فذلك بفضل تلك الكمائن الفاتنة التي لا أنفك أستجيب لمغرياتها، وأسعى إليها واقعاً في شرائكها، تلك المكامن التي ليس من الحكمة تفاديها.
ولعل في
اختلاف الطبيعة الفنية والتعبيرية في كل كتاب من كتبي ما يمكن تفسير جانب منه في ضوء معطيات تلك الكمائن وهذه المكامن. 
*رددت عن نفسك
- أيضاً بضمير الغائب - مقولات كثيرة كاشفة ولافتة منها ''يعبر راحة الآخرين فيمنحهم ما يفيض عن حاجتهم من القلق المقيم'' و''لن تجد شخصاً يروي الأكاذيب بصدق فاتن مثلما يفعل'' و''أليفٌ ونافرٌ في آن'' و''مخبره أكثر ضراوة من مظهره'' و''مغامر في الكتابة ومحافظ في الحياة'' و''نصه أكثر تقدمية منه''.. فيما يبدو أنك وضعت يدك على أدق ملامحك .. فإلى أي حد يجب أن يكون المبدع واعياً بذاته، ورقيباً عليها، وناقداً لها؟
- لا أعرف إلى أي حد سيكون وعي الذات بالنسبة لي واضح الملامح مكتمل الإدراك من قبل المبدع، حتى إنني لست متأكداً مما تشير إليه في سؤالك فيما يتعلق بي. ربما لأن توصيفك هنا سيظل تقديراً نقدياً شخصياً قد لا يتجاوز الاقتراح النقدي على التجربة. من جهة ما هذا أمر جيد ولاشك أنه يساعد العملية الإيجابية قراءة ونقداً، غير أنني لست متأكداً ما إذا كان هذا ضرورياً ولازماً في مجمل التجربة الإبداعية بشكل عام. أقول هذا لئلا نكون عرضة لافتراض ما يصح على تجربة ما يصلح لتجربة أو تجارب أخرى، أو هو قابل لأن يكون حكم قيمة.
من جانب آخر،
سأتذكر هنا ما يقال عن أن ثمة ناقداً داخل كل مبدع، لكي أضع مقاربة سؤالك في سياق متاح قد يساعدنا على عملنا بشكل عام ويساعد حوارنا لما نصادفه في هذا الحقل.
من هذه الشرفة،
لاشك أن هذا سيكون في صالح الإبداع إذا نظر عليه بوصفه اقتراحاً محضاً.
*
أيضاً قلت ''''تخيلوا شخصاً ينهض من النوم ليجد نفسه موجوداً في هيئة شخص آخر.. هذا هو قاسم حداد تقريباً''.. هل اتساع التجربة يبدد اليقين .. أبعد كل إبداعاتك هذه تقول، هذا قاسم حداد تقريباً؟.
- يذهب المرء إلى ما لا يعرف سعياً لتقليص خسائر جهله. وكلما زعم أنه عرف شيئاً أكد أنه جهل أشياء كثيرة. هذا في السياق العام، أما في الشعر والإبداع فسوف يكون الأمر أكثر تعقيداً، فإذا كان على الكاتب، مثلاً، أن يكتب كتاباً واحداً، قيل إن عليه أن يقرأ آلاف الكتب، حتى إذا كان هذا القول مجازاً، وهو كذلك في الواقع، فإن الكتب هنا ليست سوى كناية عن الحياة والتجربة، الحياة ومعرفتها. مثلي مثل آلاف غيري، سأحتاج لشجاعة الأساطير لكي أزعم أنني عرفت، على الأقل لكي لا أثبت شيئاً على التعيين، بل لكي أضع نفسي في مهب الامتحان في كل لحظة، وأتيقن أن لا يقين يسعف المرء سوى الذاهب إلى ما يجهل لكي يتأكد مما يعرف.
*قال
''النفري'': ''كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة'' وهو ما تحقق بجلاء في كتابتك الصافية.. ولغتك المشدودة بلا تلكؤ، ومفرداتك العذبة الموحية، ملساء الحواف، عديمة النتوءآت، ساطعة المعاني، والمفردات المتوحدة بالمضامين.. كل هذا يوحي بأن الكتابة  سهلة وبسيطة، تغري أي مغامر بتقليدها، فهل الموهبة والقراءة تكفيان، أم أن الإبداع ''كيمياء'' أكثر غموضاً؟!
- كل كاتب يكتب ما تقدر عليه موهبته، وكل قارئ يقرأ ما تتيحه له ثقافته وحساسيته. فإذا ظن شخص أن هذه كتابة يسهل تقليدها، فهو في سبيل شيء غير الكتابة، لأنني لا أكتب الكتابة لأنها سهلة، لكنني أفعل ذلك لأن الحياة صعبة، والكتابة تساعدني على احتمالها والحلم بجمالها.
ولست ممن
يبالغون في تصوير تجربة الكتابة كما لو أنها المعاناة العظمى لدى الكاتب. قلت لك، بالنسبة للمبدع، الكتابة هي أجمل أشياء الحياة وأكثرها متعة. وعلى كل كاتب وكل قارئ أن يقول لنا عن ذلك التركيب الكيميائي الغامض لتلك التجربة.
* قلت إنك
..''شخص ضبط متلبساً بعبء الكتابة.. زاعماً أنه ذاهب إلى مستقبل الشعر، وعليه أن يكون جديراً بهذا الزعم''.. استوقفني معنى ''مستقبل الشعر'' .. فهل هو مفتوح على اللانهائي في علاقته بالقضايا؟ ففي شعرك- وعند محمود درويش وأدونيس وعفيفي مطر-اختفت القضايا الكبرى التي تعاطاها الشعر لعقود سبقت، نعم.. التحليقات الفنية واللغوية رفيعة والأشعار بالغة العذوبة، لكنها باتت أكثر عمومية وتجريداً، من يقرأ شعرك لن يعرف أنك من البحرين أبداً، وقد لا يعرف أنك عربي، لأنك تحلق في آفاق تخلو من المكان والزمان والقضايا.. فما حقيقة الأمر؟
- لا أعرف ما المقصود هنا بـ ( القضايا الكبرى)، خصوصاً تلك التي اختفت في كتابتنا. إذا جردنا هذا السؤال من لبوسه المتسائل سوف نتعثر فيما يشبه التوقع السابق للالتزام (بالواقع). أعرف حذرك من الوقوع في تلك الشراك. لكن الحق أنني، ومنذ سنوات، لم أصادف من يسألني مثل هذا السؤال، ليس فقط لأنني لم أشعر بما يوحي به سؤالك، وليس لأن فهمنا لقضايا الإنسان في الكتابة تخترق كل تلك المفاهيم الخارجية، ولكن خصوصاً لأن متغيرات بالغة العمق والحيوية قد قدمت في صعيد مفاهيم الكتابة والشعر والإبداع، بوصفها فعاليات إنسانية، عدداً لا يستهان به من المعطيات الجديدة وبلورت كثيراً من الرؤى الفكرية والفنية، بحيث أصبح الكلام عن (القضايا الكبرى)، سيبدو الآن غفلة (لئلا أقول تغافلاً) عن منجزات اللحظة الإبداعية في أجمل وأهم تجاربها العربية.
من بين عناصر فنية أخرى،
ستكون ذات المبدع هي القانون الرئيسي الصانع للإبداع، هذه الذات التي ستكون هي شرفة الواقع وعناصره الكونية التي يرى منها المبدع من خلال ذاته العميقة والصادقة.
* ـ فنيات الشعر في
نثرك تجعله يبدو شعراً خالصاً بدوره، وفي كتابك ''ورشة الأمل'' - على كثرة الحكايات ـ  قدرتك مدهشة على ترشيد اللغة، والنفس الروائي ظاهر، مما يضيق  الفروق بين الشعر والسرد والمقال، فهل طَبَيعِيٌ أن تنفتح تجربة المبدع على بعضها .. وما الحدود بين أنواع الكتابة في تقديرك؟
- باكراً، تعلمت من التجربة أن الشعرية هي القانون الرحب الذي صار يقود كتابتي، وبعد ذلك بقليل وجدت نفسي أكتب النص الذي يتحقق بقدر ما تصهره الطاقة الشعرية بمعزل عن التوقف عند تخوم التوصيف الشكلي للتعبير، حتى إنني عندما كتبت نص (الجواشن) مع الصديق أمين صالح كنا قد قطعنا طريقاً لا بأس به من الوعي بما نسعى إليه، ففي ذلك النص اقترحنا درجة من حرية الكتابة في النص، واكتشفنا بمتعة بالغة أن ثمة لا نهائية في الأفق الفني كلما تيسر لنا التوغل في معطيات مخيلتنا الفنية والرؤيوية.
وهذا ليس كل شيء بالنسبة لي،
فقد أصبحت الكتابة عندي سياقاً شعرياً بدرجات متفاوتة، فالشاعر هو كذلك دائماً حين يكتب أي نص، حتى أن المقالة للجريدة سيذهب إليها الشاعر بشروط شعريته وليس خضوعاً لشروط الصحافة. بهذا المعنى سأكون مخلصاً.
لا أفهم كيف
يمكن أن يخضع مبدع للحدود المستقرة لأشكال وأنواع التعبير في الكتابة.
تلك هي
حرياتنا الوحيدة التي أرجو أن لا نتخلى عن متعتنا فيها.
* ـ ما علاقتك بصياغة الفكرة الأولى،
وكثرة الشطب، والإعادة، وتحول الحالة باختلاف النص النهائي عن هواجس البداية، من الغالب ومن المغلوب .. وهل متعة الإنجاز تبدد المواجع؟!
- ليست ثمة مواجع لخلق لحظة الكتابة، ففي هذه اللحظة تكمن متعة حياتنا. وربما المتعة الروحية والغامضة هي جوهر ذلك الصنيع الكوني، غير أن تفاصيل الشغل هي أيضاً من بين أكثر جمالات الكتابة عندي. قلق الذهاب والانتظار والتشوق، واندياح الصور والإيقاع، وهذين العنصرين هما جوهر انبثاق الشرارات في ولادة النص عندي: الصورة والإيقاع، مهما كان طبيعة ما أكتبه، ففي كل كتابة صورة وإيقاع وبغير هذين المكونين لا كتابة تنشأ ولا شعر يتخلق.
بقي
أن أشير إلى المتعة المضاعفة التي تأتي بعد إنجاز النص، وهي متعة التبييض والمراجعة والتهذيب والتذهيب، وهي متعة تضاهي أحياناً متعة التدفق الأول للنص. ففي هذه العملية المذهلة الجمال والمتعة ربما تؤدي بي وبالناص إلى مطارح مختلفة كثيراً عما اقترحتها المسودة الأولى. خصوصاً وأنني سوف أعود إلى المسودة أحياناً بعد فترة أكون فيها في سياق النفسي والروحي ربما يكون مختلفاً، وأجد في تلك المسودة مادة خام أولى لبناء نص مغاير. تلك هي ما لا أفرط فيه بوصفه اللافتة: حميم لحرياتي في تحقيق النص. دون المبالغة في الزعم بأنها الولادة بدون ألم في المطلق.
* قلت
: ''لو عرفوا المعاني لأهدروا دمي''.. فما مدى ''عمدية'' المبدع في غموض نصه، وهل يفعلها أحياناً لتعمية العسس ''الموهوسين'' بالتفتيش في الإبداعات خشية مسّ أسيادهم، أم هي هيبة الشعر ومجافاة الإبداع للمباشرة؟
- ليس للإبداع أن يفتعل الغموض (عامداً)، ولا علاقة له بالعسس وليس للنشاط النضالي علاقة بالصنيع الفني ومهابة الشعر لا تنشأ عن غموض ما. 
إن المبدع فيما
يكتب نصه، لا يفكر في هذه الحدود والشروط والمحاذير والملابسات جميعها، إنه يكتب مخلصاً لحريته وصادقاً في إحساسه بالكون ومستجيباً لأعماقه ولا شعوره الصريح. يحدث ذلك بمعزل عن شروط الخارج، وعندما يكون الشعر غامضاً، وهو شرط الجمال في الإبداع عموماً، فإن الشاعر لم يقصد أن يكتب غموضاً إنه يكتب شعراً فحسب.
وهذا حسبه
.
* الاستعانة
''بالحدس والحلم وعوالم الباطن'' - وفق حيثيات منحك جائزة العويس-هل هي إمعان في الغموض أم استحسان لمعان إنسانية متعدية الثقافات تصل الآخر بسهولة؟
ليس لأن الحلم وعوالم الباطن
غامضة فحسب، ولكن لأن الصور الشعرية التي تتخلق بفعل مخيلة نشيطة وحرة هي أيضاً بالغة الغموض، ولعل طاقة الشعر هي في جوهرها تنشأ عن طبيعتها الغامضة. داخل النص شيء جميل هو الغموض بالدرجة الأولى، ذلك الغموض الذي يمنح النص القدرة على سبر الواقع وإعادة خلق الكون مرة تلو المرة، وظني أن غموض الباطن في النص، برغم بساطته الظاهرة أحياناً، هو ما يجعل نصوصاً تظل حية في مكان وزمان مختلفة ومتباعدة.