الاثنين، 20 مايو 2013

فسـاد الأمكنـة والأرواح!


فسـاد الأمكنـة والأرواح!
 
المصدر:الأهرام اليومى ( 13 يناير 2010 )
 
أسامة الرحيمي


في أواسط ستينات القرن الماضي ذهب الأديب " صبري موسي" إلي جنوب الصحراء الشرقية بالقرب من السودان، في مهمة صحفية لمجلة "صباح الخير"، وهناك نبتت في ذهنه بذرة روايته "فساد الأمكنة" ذائعة الصيت، وبعد عامين زار ضريح "أبي الحسن الشاذلي" فامتلأت روحه بالفكرة، وكتبها. وحلّقت بنا مُخيّلته في منطقة فريدة لم يطرقها أحد قبله في الأدب العربي، وافتتحها بهذا الاستهلال اللافت: "لو أتيح للملمح أن يكون مرئياً لطائر يحلق عالياً، محاذراً في دورانه المغرور أن تصطدم رأسه المُريّشة بقمم الصخور ونتوءاتها، لرأي جبل الدرهيب هلالاً عظيم الحجم، لا بد أنه هوي من مكانه بالسماء في زمن ما، وجثم علي الأرض منهاراً متحجراً، يحتضن بذراعيه الضخمتين الهلاليتين شبه وادٍ غير ذي زرع، أشجاره نتوءات صخرية وتجاويف، أحدثتها الرياح وعوامل التعرية خلال آلاف السنين".
وربما لم يتوفر لمبدع غيره حالة التلاقي النادرة هذه بين عناصر تبدو متنافرة، فجبل" الدرهيب" الرابض في أقصي جنوب الصحراء الشرقية شَاطَرَ البشر بطولة الرواية، وألقي بظلاله وجلاله علي أرواحهم، وشهد صراعاتهم، فيما تتنازعهم البراءة والأطماع، الطهر والفساد، وتكالبهم علي المغانم في باطنه وكنوزه الدفينة، في مسارات درامية مركبة، أدت بهم إلي نهاية مأساوية.
"نيكولا" المهاجر الروسي "الذي ليس له وطن"، وتنقل بين تركيا وإيطاليا، لكن روح " جبل الدرهيب" سكنت وجدانه من أول زيارة، فأقام فيه، محاولا التطهر من آثامه، وغالبته طبيعته الإنسانية، فلم يفلح في إنقاذ نفسه؟!.
" كل نهار قائظ. يصعد "نيكولا" إلي قمة جبل "الدرهيب". يبقي عاريًا ومصلوبًا "تحت شمس أغسطس الجهنمية". ويظل إلي أن "تنحرف الشمس عن مجلسها العمودي", فيري أنه "غير جدير باحتمال العذاب بهذه الطريقة". فيدحرج جسده العاري علي حصي دقيقة وبلورات رخامية ذات أسنة قاطعة تفرش سطح الجبل الهلالي التكوين ليصل إلي مأواه في باطن الجبل "ليواصل الطقوس بطريقته الأخري".
في تلك الأماكن ينحصر الصراع عادة بين الإنسان والطبيعة، لكن مُخيّلة "صبري موسي" أدهشتنا بتضاد النوازع الإنسانية، حيث تقاطعت أطماع المهندس الإيطالي" ماريو"، مع جشع الباشا المصري، والخواجة أنطون، ونزوات "الملك فاروق" حاكم مصر الذي ذهب إلي هناك سعيا وراء بكارة " إيليا " الفاتنة ابنة "نيكولا"، فأفرز هذا التفاعل الإنساني غير المتوقع فيما يشبه الأساطير الإغريقيةً، وأضفي علي الرواية غني دراميا مبهرا.
حاول "نيكولا " الانحياز للبراءة، ولأنه لم يكن منزها شارك في صناعة الفساد، فرغم محاولاته الإخلاص للطبيعية، وإجلاله روح الجبل، تواطأ في حفر الأنفاق لنهب ثرواته الكامنة وإفشاء أسراره، فتساوت خيانته للمكان ـ موطنه المختار ـ بخطيئة الخواجة أنطون، وأفراد حاشية الملك الذين يرون الطبيعة مصدرا للثراء من دون الالتفات لقيمتها.
وتجلت المأساة في تلهف الملك فاروق علي نَيْلِ : "."إيليا" ابنة "نيكولا"، الفاتنة ذات الستة عشر عامًا بوجهها الأبيض كنور الصباح وشعرها الذهبي، فيطلبها لتخرج معه في رحلة صيد وهمية"، ". ويجد "نيكولا" نفسه مجبرًا علي الموافقة وفي صدره تعربد آلاف الانقباضات.".
كأن شخصيات "فساد الأمكنة" اكتسبت إراداتها الخاصة، بمنزع عن المبدع، وتحركت ونمت ونضجت بمفردها، وصنعت أحداثها من خارج مخيلته، ووضعت نهاياتها المأساوية بنفسها، لتثير استفسارا مهما، عمن أفسد الأمكنة، والأرواح؟
تقاطع هذه الشخصيات، بنزعاتها المتباينة، ومصائرها الأليمة جعل "فساد الأمكنة" تبدو فتحا في الرواية العربية آن صدورها، بِلُغتها المغايرة للسوابق الأدبية، واحتشادها بوقائع عجائبية، ومعان أولية مثل البراءة والخطيئة والجشع باعتبارها من أبجديات المجتمع الإنساني.
القراءة المتمهلة تدرك خبايا النص الذي لايدانيه التقادم، حيث تقع أحداثه آن تسميتها، والأشياء فيها توجد كما لحظة الخلق الأولي، وبدائية المكان تضع الإنسان في مواجهة ذاته، وتبلبل خياله بأسئلة جدلية كبري مازالت تفتش عن إجاباتها منذ القدم وإلي الآن!
وفي مشهد فريد من نوعه، يُجْبِر الملك "عبدالله كريشاب" علي مضاجعة سمكة "عروس البحر" ليتلهي هو وحاشيته ببؤس إنسان عديم الحيلة، حطّته سادية الجبروت في حال مذرية، فبات يثير الإشفاق أكثر من الضحك، ما حدا بخيال "إيليا" تصور جسم الملك الذي افترسها كائنا ممسوخا إلي سمكة متوحشة!.
ومع كل تجليات الحضارة التي أنجزها الإنسان، مازال يتخبطه مسّ من البدائية التي كانت منطقية في زمن الأدغال والفيافي، وسط المخلوقات المتوحشة، لكن بالرغم من تجاربه المتعددة، والتقدم العلمي والتكنولوجي، وتوفر سبل العيش المريحة، يبدو واضحا أن كل هذا لم يهذبه في أعماقه، فهو ما زال يتخلي بإرادته عن كل هذا في لحظات عمي حضاري علنية، ينتكس خلالها وحشا كاسرا ينهش غيره ببساطة، ليكرر طرح الأسئلة الأبدية الموجعة، ما كل هذه الحروب؟ ومن المسئول عن كل هذا الدم؟.
يري "صبري موسي" أن: " الحكايات والأحداث ذات النهايات السعيدة غالباً لا تثير انتباه الناس، وسرعان ما تغيب عن ذاكرتهم، أما النهايات الفاجعة فتدفعهم للتوقف والتفكير والتأمل، وتتيح الفرصة لأفكار العمل الوصول إلي وعي القراء".
دار الشروق أعادت طبع الرواية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق