الاثنين، 20 مايو 2013

الدكتور محمود حافظ: أتمنى على الرئيس مبارك أن يصدر قرارا بتعريب التعليم


الدكتور محمود حافظ: أتمنى على الرئيس مبارك أن يصدر قرارا بتعريب التعليم
 
المصدر:الأهرام اليومى ( 7 سبتمبر 2010 )
 
حوار : أسامة الرحيمي
 


د. محمود حافظ في حواره مع الأهرام



يقف الدكتور «محمود حافظ» على رأس قرن كامل، لايفصله عنه غير أربعة أشهر!
ففى يناير المقبل يكمل المائة عام إن شاء الله. قطعها كلها فى الدرس والبحث، دءوبا مثابرا، حفظ خلالها القرآن الكريم، وأتقن اللغة العربية من مدرسيه فى الابتدائى والثانوي، وتعلم الجدية والالتزام من أساتذته الأجانب فى كلية العلوم بجامعة القاهرة. فى طفولته عشق أكل التوت، وصيد الفراشات، وجمع الحشرات زاهية الألوان، والتى تخصص بها فى دراساته العليا، وتعلم من بعضها الصبر والجلد، وحقق فيها اكتشافات تنسب إليه فى المحافل العلمية الدولية حتى الآن.
ورأى بنفسه والده يخطب فى الناس فى أثناء ثورة 1919، ويلهب حماسهم، فنصبوه ملكا على فارسكور، واعتقله الإنجليز، وحكموا عليه بالإعدام، ثم اضطروا للعفو عنه واستقبله الأهالى كالفاتحين.
وحين مات سعد زغلول طلب منه ناظر مدرسة السعيدية الثانوية أن يقرأ القرآن على روح زعيم، الأمة فتلا: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا» ظنّاً منه على صغر سنّه وقتها أن الرجل الذى اجتمعت عليه قلوب الأمة يستحق أن يساق إلى الجنة. وظل طوال عمره يحرز النجاحات، حتى بات ضيفا مفضلا فى المؤتمرات العلمية بأنحاء العالم، وأنجز أبحاثا اشتهرت باسمه فى الحشرات والمقاومة البيولوجية للآفات التى تلتهم 30% من محاصيل العالم سنويا، وتكبده خسائر بالملايين.
لكن عشقه الأثير الدائم هو اللغة العربية، التى أحبها وأجادها، وبرع فى استخدامها، فاختير عضوا بمجمع اللغة العربية منذ 1964، حتى اعتلى مقعد رئاسته بعد رحيل الدكتور شوقى ضيف، بجانب رئاسته المجمع العلمى الذى أنشأه "نابليون بونابرت" أثناء الحملة الفرنسية.
الحديث إلى الدكتور «محمود حافظ» ممتع، ويغرى بالإنصات وحسب إلى ذكريات قرن من النشاط، لذا اختصرت أسئلتى لأفسح المجال لحكيه الحميم، وتفاؤله المدهش فى هذه السن المباركة.


 * ــ شاهدت فى طفولتك الإنجليز يحاصرون دار والدك المناضل حافظ إبراهيم دنيا الذى نودى به ملكا على مدينة فارسكور بعدما أعلن تأييده لثورة 1919، وصادروا 15 فدانا كان يملكها، فما تفاصيل تلك الفترة؟
ـ بعد تخرج الوالد من كلية الحقوق عمل بالنيابة وذهبنا معه إلى إسنا سنة 1914 وبقينا إلى سنة 1918 وشاهدت فيها التماسيح على شاطئ النيل، وانتقل بعدها ليعمل مفتشا لمرور جمرك اسكندرية، وطالبه إخوته بالعودة إلى فارسكور ليعتنى بأطيانه فعاد، وكان يتقن اللغة العربية وخطيبا مفوها ووطنيا ويحب سعد باشا وحين هبّت الثورة خطب فى الناس وألهب مشاعرهم، فاستولوا على قطار إنجليزى كان محملا بالأسلحة والأغذية، وألقوا به فى ترعة الشرقاوية، ونودى بوالدى ملكا على فارسكور، واختفى والدى عن الأنظار لكن زوج أخته نائب العمدة أبلغ عنه وأخذوه إلى المنصورة وحكم عليه بالإعدام ثم أعفى عنه وعاد إلى البلد واستقبل استقبال الفاتحين.
* ــ من كتاتيب فارسكور, إلى الجامعة ومجامع اللغة, مشوار كفاح طويل ومتنوع، هلا أطلعتنا على بعض جوانبه؟
ـ التحقت بمعهد دمياط الدينى لسنتين فأحببت اللغة العربية وحفظت جزءا كبيرا من القرآن الكريم فاستقام معه اللسان، لكن والدتى أصرت على نقلى إلى التعليم العام، وأذكر قصة لطيفة فى الابتدائى فقدكنا نقضى الإجازة الصيفية فى فارسكور، وكنا نذهب إلى قرية كفر أبوعضمة المجاورة لفارسكور لنأكل التوت والجميز، وبهرتنى الحشرات ذات الألوان الزاهية، وكان لدينا «مدرس الأشيا»ـ الأشياء هى التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية ـ واسمه «إبراهيم حامد» وعرضت عليه الفراشات وكنت أُحَنِطها فأعجبه ما فعلت وشجعني، وكان الشيخ «محمد توفيق» مدرس اللغة العربية يجعلنا نقرأ العبرات والنظرات للمنفلوطي، و"كليلة ودمنة" لـ«ابن المقفع»، ومدرس الإنجليزية «على الهاكع» علمنا نطق اللغة الإنجليزية بدقة، وأنهيت الشهادة الابتدائية بتفوق، وكنا نمتحن فى المنصورة، وصممت والدتى أن أتلقى التعليم الثانوى فى مدرسة السعيدية بالجيزة، وطلبنا أن يكون الالتحاق بالداخلية المجانية لأن والدى كان قد باع كل أطيانه تدريجيا، ولا أنسى البوسطجى وهو ينادى مهللا: "يا حافظ أفندى مبروك محمود قبل فى الداخلية المجانية"، وجئت مع والدى إلى القاهرة، وعبرنا النيل فى فلوكة لنذهب إلى السعيدية، ورحب بى الناظر لتفوقي، وفى سنة أولى ثانوى سألنا مدرس اللغة العربية «أمين راجى عبدالشافي»: هل فيكم من يحفظ شيئا من المحفوظات؟، فرفعت يدي، وقرأت من الذاكرة مقالا نشر للشاعر أحمد شوقى عن الناشئ الذى يأخذ شهادته فيظن نفسه «أبوالعُرِّيف»، وقال فيها شوقى: «مابال الناشئ واصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة، فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفرت بزخرفها كلتا يديه، هجر العلم وربوعه، ودعا إلى معاهده بأقطوعة، طوى الدفاتر وترك المحابر، وذهب يخايل ويفاخر، كأنه يدعى علم الأول والآخر، فمن ينبيه، بارك الله فيه لأبيه، وجزى سعى معلمه ومربيه، أن الشهادة فاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب»، ففرح بى المدرس جدا وتبنانى تقريبا، وهو كان مهندما، يرتدى البدلة والطربوش، وذات مرة دخل ابن الأميرة «عين الحياة» أخت الملك فؤاد بلا طربوش، فسأله: أين طربوشك يا ولد؟ ـ وكان هذا الولد وأخوه زملاء لنا بالمدرسة لكنهما يعيشان فى غرفتين أشبه بجناح خاص، ويأتيهما الطعام من قصرهما، لأنهما لا يأكلان مما نأكل ـ وحين سأله الأستاذ «أمين راجى» عن الطربوش أشاح الولد برأسه كأنه لا يبالي، فغضب المدرس وذهب للناظر طالبا معاقبة الولد، فاستنكر الناظر طلبه وقال له إنه ابن الأميرة «عين الحياة» أخت الملك، فقال المدرس سأستقيل إن لم يعاقب، وكان الولد قد كلم والدته وجاءت إلى المدرسة، وأفسح لها الناظر، واستدعى المدرس الذى قال لها : «يا سيدتى الأميرة. إذا كنت تريدين تعليم ابنك تعليما خاصا فليكن فى قصرك، أما هنا فكل الطلاب سواسية طالما تجمعهم جدران أربعة»، فاستنكرت الأميرة ما قاله، ويبدو أنها لم تفهم كلمة سواسية واعتبرتها شتيمة، وذهبت إلى وزير المعارف «على الشمسى باشا» فنصر المدرس نصرا مؤزرا، وأصر أن يعتذر ابنها للمدرس، وقال لها بيت الشعر» «قم للمعلم وفه التبجيلا. كاد المعلم أن يكون رسولا»، واعتذر الولد للمدرس، وكتبت صفحة بيضاء فى تاريخ المدرس، وتناقلتها كل المدارس بفخر مثالا لاعتزاز المدرس بنفسه، وحين مات سعد باشا فى السنة نفسها 1927، قال الناظر: هاتوا محمود حافظ دنيا ليقرأ القرآن، وأذكر الآية التى بدأت بها وهى قوله تعالى: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ»، ثم تلوت بقية السورة. وبعدما أخذت شهادة الثانوية بمجموع كبير أرادت أمى أن أدخل الطب، لكن والدى قال لى إن «مجد الدين حفنى ناصف» مدير مكتب «لطفى باشا السيد» يريد أن يراك فذهبت إليه فى مكتب مدير الجامعة، فقال لى إن الطب مدته طويلة سبع سنوات أما كلية العلوم فأربع سنوات فقط، وساعدنى الدكتور «مصطفى مشرفة» وكان أستاذا للرياضيات فى التحويل إلى كلية العلوم، وكان فيها أيضا الدكتور أحمد زكي، وبقية الأساتذة أجانب من ألمانيا وسويسرا والنمسا والسويد وفرنسا وانجلترا، وتعلمنا على أيديهم تعليما راقيا، وكذا النظام والدقة وتقدير الوقت، وكانت علاقتنا بهم حميمة، وكان الدكتور «أحمد رياض تركى» يتمم علينا بالاسم وكنا 23 طالبا فقط فى فصل الكيميا، وكان تعليمنا أقوى من الآن بالرغم من تقدم العلم حاليا، لأننا كنا نقدر العلم وكانت أمامنا القدوة الصالحة والقيادة السليمة، كانت بيئة صالحة ومختلفة عن واقعنا الحالي.
* ـ أنشأت متحفا للحشرات يضم 40 ألف حشرة من أندر المجموعات الحشرية فى العالم. فكم جمعت من فراشات اللغة، والكلمات النادرة ؟
قرأت واستوعبت الكثير فى اللغة عبر مراحل التعليم المختلفة وبعدها، وحين كان يطلب منى طلاب البحوث أن أكتب لهم «أوتوجراف» كنت أفضل حديث ابن قتيبة: «لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه علم فقد جهل»، وكنت أدعوهم إلى القراءة المستمرة والاستزادة من العلم، وأيضا كنت أكتب لهم الحديث الشريف: «لا تزال أمتى بخير ما وقر صغيرهم كبيرهم، وما رحم كبيرهم صغيرهم»، ودائما كنت أحب ترديد حكمة «على ابن أبى طالب»: «لسان العاقل وراء عقله، وعقل الأحمق وراء لسانه».
* ـ تحدثت فى عشرات المؤتمرات عن الهرمونات الحشرية ومانعات التغذية كوسائل لوقاية النبات ومكافحة الآفات فكيف يمكن مكافحة الآفات اللغوية وانهيار مستوى العربية فى الحياة والتعليم؟
ـ من الأسف الشديد أن اللغة العربية تتعرض لهجمة شرسة، وربما تكون هناك قوى خفية أو تحتية تعمل على النيل منها، ويتبدى ذلك فى انتشار العامية بطريقة مبتذلة ليس لها مثيل، وبعض الصحف تكتب مادتها بالعامية، والشباب يستخدمون لغة متردية لم نسمع بها، وما نأكله وما نشربه وما نلبسه وما نتداوى به يزخر بألفاظ دخيلة على اللغة العربية، واللافتات على واجهات الحوانيت تكتب بألفاظ عربية وحروف أجنبية، وحتى المناديل الورقية، فكلمة « fin» الإنجليزية تكتب بحروف عربية «فاء ألف ياء نون» مثل هذه العلبة على مكتبي، ونحن فى مجمع اللغة العربية، وتجدها أيضا على مكتب شيخ الأزهر، وهناك قانون صادر سنة 1958 فى عهد جمال عبدالناصر ينص على منع كتابة الكلمات الأجنبية فى الشوارع وعلى المحلات، لكنه لم ينفذ، وحاول أحمد جويلى عندما كان وزيرا للتموين بعث هذا القانون من مرقده لكن الظروف حالت دون ذلك، والغريب أن ليبيا نفذت قانون منع اللافتات الأجنبية بصرامة، وتدرجت فيه العقوبة من الإنذار إلى الغرامة، ثم سحب الرخصة، فالحبس تنفيذا لتوصية مجمع اللغة العربية هناك، وتتجه سوريا لإصدار قانون مشابه.
* ـ هل ثمة علاقة لمستوى ونوعية التعليم الآن بتدهور اللغة العربية؟
ـ طبعا، فهناك 250 مدرسة من الحضانة إلى التعليم الثانوى لا تدرس اللغة العربية، و18 جامعة مصرية التعليم فيها كاملا بالإنجليزية بالمخالفة لقانون الجامعات الصادر عام 1925، الذى ينص على أن يكون التعليم باللغة العربية ويجوز استثناء التدريس بلغة أجنبية بصفة مؤقتة، وعشرات الآلاف الذين يتخرجون من هذه الجامعات لا علاقة لهم باللغة العربية، بل انتماؤهم يكون لتلك اللغات وللبلاد صاحبة هذه اللغات، وستكون لهم الحظوة كما يحدث لخريجى الجامعة الأمريكية، فالهوة تزيد بين خريجى هذه الجامعات الأجنبية وخريجى الجامعات المصرية، ولابد من وقفة صارمة لإصلاح التعليم العام والعالى لتضييق الهوة بين هؤلاء وأولئك، ولا يعنى ذلك أننى ضد تعلم لغة أجنبية بل هى ضرورة كإطلالة نيّرة على ثقافات الغير، وعلى التقدم العلمى لديهم.
* ـ كلامك يؤكد أن اللغة العربية رقم واحد فى تكوين الهوية؟
نعم رقم واحد، وللأسف الشديد أن حوالى ثلاثة أرباع مليون طالب فى كليات الطب بفروعها الخمسة وكلية العلوم والهندسة والتمريض كل دراستهم بالإنجليزية، ونادينا كثيرا بتفعيل قانون الجامعات الذى ينص صراحة منذ 1925 على أن يكون التعليم باللغة العربية، كما يحدث فى سوريا الآن، وحاول عمداء الطب فى الجامعات ولكن حتى الآن وانا مع تعريب الطب وقد ثبت بالتجربة أن الطلاب يستوعبون الطب بلغتهم أفضل عشرات المرات من تعلمه بالإنجليزية، ولابد من إنشاء منظمة عربية قومية للترجمة، لتعريب أمهات الكتب العلمية فى جميع التخصصات وتعليم الطلاب اللغة الإنجليزية، وأرسلنا توصيات إلى الوزارات المعنية ولكنها لم تجد صدي، ونشكر للدكتور فتحى سرور استجابته لتعديل قانون المجمع، وبالرغم من هذا لم يستجب أحد لتوصياتنا، وأتمنى على الرئيس مبارك أن يصدر قرارا بتعريب التعليم ومنح قرارات مجمع اللغة العربية قوة التنفيذ، لوقف الاعتداء الصارخ على اللغة العربية، لنعيد لها مكانتها.
* ـ كيف نشأت العامية المصرية، وهل كان انصهار الأجانب ـ مثل المماليك ـ فى المجتمع المصرى بأعداد ضخمة سببا فى نشأتها، ليتخففوا من عبء الفصحي، أم أنها ضرورات الحياة لتسهيل وتبسيط التعاملات اليومية؟
مصر للأسف الشديد طوال تاريخها كانت مطمعا للمحتلين، وآخرهم كان الإنجليز الذين حاولوا طمس اللغة العربية وجعل التعليم كله بالإنجليزية، ومن قبلهم كان الاحتلال التركى الذى فرض اللغة التركية وانتشرت بجانبها اللغة الفرنسية، وتكاثر وجود اليونان والطليان بنسبة كبيرة جدا فى مصر بعد محمد علي، وهذا كله يعنى أن الاحتلالات كان لها أثرها فى إضعاف الفصحى وانتشار العامية، بالإضافة إلى محدودية التعليم، وارتفاع نسبة الأمية بين أكثرية الشعب، فهى للآن تصل لحوالى 50% بين السيدات و40% بين الرجال، والأمية سبب رئيسى فى انتشار العامية، وأيضا سهولة التعامل بالعامية فى مختلف شئون الحياة.
* ـ أحمد شوقى قال أخشى على الفصحى من عامية بيرم التونسي، وقال طه حسين أخشى على الفصحى من يوسف إدريس، فهل يمكن المصالحة بين عامية مقبولة وفصحى سليمة؟
يمكن المزاوجة بين عامية نظيفة وفصحى سليمة، وهذا يمكن أن يخرج لنا وليدا جديدا، هو لغة هجين من الاثنتين، ويكون تواصل الناس به سهلا.
* ـ ما دور وزارة الثقافة فى دعم اللغة العربية ؟
يمكنها جدا دعم اللغة العربية بما تملكه من مؤسسات يمكن أن تتضافر جهودها مع المجمع فى النهوض باللغة العربية، وكذلك الإعلام عن طريق الإذاعة والتليفزيون، والصحافة أيضا، وكلها لها أدوار مهمة للغاية.
* ـ تقف الآن على رأس قرن من الزمان فيبدو المشهد شاسعا. فما أهم ما تراه فى حياتنا من على رأس المائة عام؟
إذا كان ما نشهده الآن على غير ما نصبو إليه فإنى أعتقد أن الزمان سيدور دورته كما حدث فى الماضي، وباعتقادى فيما يخص اللغة العربية إن الزمن سيعيد لها اعتبارها ومكانتها وسيحفظها إلى يوم يبعثون لأنها لغة القرآن، وكما يرى الجميع العالم الآن يمور بتغيرات وتحولات لم يشهدها من قبل، ثورة علمية هائلة تتمثل فى المعلومات، وفى الاتصالات، والهندسة الوراثية، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم الليزر، وعلوم البيئة، والفضاء، وما سيحدث فى قابل الأيام من تطور يفوق كل الثورات التى نشهدها، وبما أودع الله فى عقل الإنسان من هذه القوى الخارقة أتصور أن العصر المقبل سيستكشف ماوراء الحجب وما وراء الطبيعة، وسنشهد العجب، فنحن فى عصر الخيال . جيلكم تربى وجدانه على ثورة 1919، فما الفروق بينه وبين الأجيال الحالية؟ ـ أنا ونجيب محفوظ جيل واحد، فأنا مواليد يناير 1911، وهو مواليد ديسمبر، وهناك أيضا الدكتور طه حسين والدكتور إبراهيم بيومى مدكور، وعبد الحميد بدوى باشا وعبد الرزاق السنهوري، ومصطفى عبدالرازق وأمين الخولى وأحمد حسن الزيات كل هؤلاء تعلموا تعليما جيدا، وهم بناة المجتمع المدنى المصري، واستطاعوا بعقولهم النيرة وخيالهم الخصب أن يكوّنوا الأجيال التالية عليهم . كيف ترى مصر بعد 91 سنة على ثورة 1919؟ ـ لست متشائما، والسبب التقدم العلمى الحالي، والإبداع يؤكد أن هناك عقولا جبارة أدبية وثقافية، وفى اعتقادى أن المستقبل سيكون لصالح الشباب، وسيجئ وقت قريب يحمل لنا صحوة ثقافية، وكما هناك صحوة علمية عالمية، ستكون هناك صحوة عربية علمية فى مستقبل الأيام وكذا فى الثقافة والأدب والفن، أما السياسة فلها ضوابط مختلفة، فليس ضروريا أن تقوم ثورة مثل ثورة 19، بل ستكون ثورة سلمية، وصحوة إلى الأمام، فالزمن دورات، وأنا متفائل بأن دورة الزمن ستعيد لمصر مكانتها فى العلم والثقافة، أما فى السياسة فنرجو من الله التوفيق لأن مصر لابد أن تعود إلى حالة من الرخاء والاستقرار.
* ـ من يقرأ كتاب «الربيع الصامت» لـ «راشيل كارلسون»، وهو كتاب علمى مكتوب بخيال أدبي، خلصت فيه المؤلفة إلى أن المبيدات ستقتل العصافير, وسيأتى الربيع صامتا بلا زقزقة، يظن أنك مؤلفه لأنه يجمع تخصصك فى العلم واللغة، فكيف ترى الأمر الآن بعد 56 عاما من صدور الكتاب، هل بات الربيع صامتا، أم السنة كلها؟
ـ أنا كنت هناك فعلا، ففى سنة 1963 كنت فى أمريكا وكنت على موعد مع البروفيسور «إدوارد نكلاين» كبير علماء الحشرات، لكن مساعديه قالوا لى إنه ذهب إلى الكونجرس ليدافع عن سيدة مجنونة اسمها «راشيل كارلسون» مؤلفة كتاب «الربيع الصامت»، وشركات المبيدات وقتها كانت عبارة عن أباطرة، ونفوذها جبار، لكن هذه المرأة كأنها كانت تقرأ فى صحف الغيب، وتنبأت بكل ما حصل للبيئة العالمية، وأنا حضرت أول مؤتمر عقد فى استوكهولم عن «تلوث البيئة بالمبيدات» فى بداية سبعينات القرن الماضي، وهوكان استجابة لكتاب »الربيع الصامت« لأن المبيدات قضت على الأعداء الطبيعية للحشرات، وأثرت على البيئة وصحة الإنسان، ونحن فى مصر عانينا كثيرا وما زلنا من المبيدات المسرطنة، وإن كان استيرادها واستخدامها قد انخفض لمستويات أقل بكثير.
* ـ الحشرات تلتهم وتفسد 10% من محاصيل العالم، أى حوالى 93 مليونا من الأفدنة, نصيب مصر منها يزيد على 60 مليون جنيه فما السبيل لتجنيب العالم ومصر هذه الخسائر الفادحة ؟
ـ فى آخر تقرير لمنظمة "الفاو" ثبت أن النسبة 30% من الإنتاج العالمى وليس 10% ما تهلكه الحشرات والأمراض النباتية، الفيروسات والبكتيريا والفطريات أى أن النسبة زادت بشكل كبير جدا. ما السبيل لتجنيب مصر والعالم هذه الكارثة؟ للأسف لم ينجح العلم حتى الآن فى استئصال هذه الآفات لأنها تتناسل بأعداد رهيبة. اكتشفت ذبابة الرمد، وأثبت أنها الناقل الرئيسى لأمراض العيون فى مصر، وتنتشر فى أواخر فصل الربيع، فما الأخطر بتقديرك عمى البصر أم البصيرة ؟ ـ البصر والبصيرة كلاهما

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق