فى دور الدولة وموقف عبدالناصر من المبدعين
المصدر:الأهرام اليومى ( 23 يوليو 2012 )
أسامة الرحيمي
اسامة الرحيمى | ||
بالرغم من الجدل المرهق المحيط بثورة يوليو للآن، لا يختلف الفرقاء على أنها كانت زلزالا أطاح بثوابت سلبية استقرت لآلاف السنين على كاهل مصر، على رأسها الأنظمة الحاكمة الاستبدادية الوافدة عليها من الخارج لآلاف السنين، ودهور من ظلم اجتماعى امتدت لقرون صنعت حضيضا تاريخيا لم تشرق عليه شمس إلا صبيحة أربعاء 23 يوليو 1952، حين دبّت الروح فيها مجددا بعدما ظنّها العالم مواتا منسيا.
ــ وانتشرت هزّات زلزال يوليو باتجاهات متفرقة داخل مصر وخارجها، لكننا هنا نقف فقط أمام المشهد الثقافى الذى أنشأته الثورة، و هو من أهم ما قدمت للأفقين المصرى والعربى، وأظهر ما بقى فى الذاكرة الجمعية، وآخر أثر إيجابى يراه الناس ويلمسونه رغم كل التشويه النشط لايجابياتها، والتضخيم العمدى لسلبياتها طوال فترتى السادات ومبارك.
- فمنذ خطواتهم الأولى أدرك ضباط يوليو أن لا سبيل لتحقيق أهداف الثورة إلا بتغييرات جوهرية يلمس الشعب فوائدها، فكان الإصلاح الزراعى وإعادة توزيع الأرض على الفلاحين خلال أقل من شهرين، بجانب مكاسب اجتماعية أخرى حققت نتائج أعمق من كل التوقعات، مما أكسب الحركة زخمها وأضفى عليها مسمى وقوة الثورة، لكن هذا النجاح كان بحاجة لآليات تواصل حيوية، تبلور المتغيرات الهائلة، وتعين المجتمع الجديد بمدَد ثوري، فكانت المؤسسات الثقافية.
وعند تشكيل أول وزارة «يولوية» بعد إبعاد على ماهر، وقعت عيون قادة الثورة على «فتحى رضوان» صاحب التاريخ السياسى الساخن، ومن أبرز وجوه الحزب الوطنى فى الفترة السابقة على يوليو، وأحد أهم الأقلام الموجعة للإنجليز والقصر، وكان معتقلا فى سجن الهايكستب وقت قيام الثورة، لا لشئ إلا لأنه قَضّ مضجع الملك بمقالاته.
- وكان من حظهم اختيار «فتحى رضوان» كأول وزير للإرشاد والثقافة، حيث بادر من فوره بوضع مداميك المؤسسات الثقافية المصرية، مثل الإذاعة المصرية الحديثة، واختط منهجها الذى اعتمدت عليه مصر والثورة لعقدين تقريبا، وفى ستة عشر شهرا فقط بالوزارة أقام ستة عشر صرحا، تحولت لاحقا إلى مؤسسات وهيئات ما زالت تطرح مع كل محاولات التعجيز، منها هيئة الكتاب، ودار الوثائق، ومعهد السينما، وفرقة رضا، والباليه، وأوركسترا القاهرة السيمفونى، والثقافة الجماهيرية التى أصبحت هيئة قصور الثقافة، واضطلعت منذ بداياتها فى عهد «سعد كامل» بدور مشهود فى تقريب الفنون للشعب، فكان البسطاء فى القرى يشاهدون الأفلام والعروض فى الأجران. ذات الأماكن التى «يدرسون» فيها محاصيل جنوها من حقول منحتها لهم الثورة، فاكتسب الفيلم ألق القمح، وكست زهوة القطن عروض المسرح، واقترب الكتاب من أيد متعطشة للعلم والمعرفة، فترامت مدارج البهجة، واتسعت مدارات الأحلام، فى وطن شَبَّ عاليا، وحين طاول السماء، هاجمته طائرات «العدوان الثلاثى»، فهبّ الشعب يدافع عن نفسه بحماس كبير، أعزل لكنه صادق، وبات أهل مصر على قلب رجل واحد، اسمه «جمال عبدالناصر».
- ومن الشائع عن الثقافة آنذاك أن «ثروت عكاشة» هو من أنشأ المؤسسات، والحقيقة أنه كان ثانى اثنين من البنائَين العظام، فدوره جاء لاحقا ومكملا لما بدأه سلفه «فتحى رضوان»، وهما مع آخرين من قادة الثورة أدركوا قيمة المسئولية التاريخية، ودقة الظرف التى كانت تعيشه مصر.
- ولم يقف دور فتحى رضوان على الإنشاء والتأسيس فى المبانى والرؤى وحسب، بل كان سببا مباشرا فى تحريض قادة الثورة على الاحتفاء بمفكرى وكتاب مصر الكبار فى صدارتهم طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم، وبقية رموز ثورة 19 من الفنانين والمبدعين، وحرص عبدالناصر على تكريمهم فى عيد العلم من كل عام.
- وظل رضوان وأفكاره محل إكبارهم، وبقى وسطهم عزيزا موفور الكرامة، إلى أن غادرهم بإرادته، وحين انهالت لاحقا سهام الانتقام من يوليو وعبدالناصر دافع عنهما بأمانة وتجرّد، قاصدا وجه الحقيقة التاريخية كما جرت.
- وتولى الدكتور «ثروت عكاشة» وزارة الثقافة ثمانى سنوات على مرتين، المرة الأولى من نوفمبر 1958 إلى سبتمبر 1962. وهو ممن آمنوا بمبادئ يوليو وشاركوا فى إنجازها، كضابط فى سلاح الفرسان، وكان عضوا رئيسيا فى تنظيم الضباط الأحرار، لكنه لم يتردد فى التخلى عن مقعده فى مجلس قيادة الثورة لزميل آخر، واشتهر بين الضباط بسعة معارفه، واتصاله بالفنون الرفيعة كالموسيقى والأوبرا والتشكيل والباليه وغيرها، وربما هذا ما أغراه بوظيفة الملحق الثقافى بسفاراتنا فى الخارج، لينهل من منابع الثقافة الأوروبية، وحين ناداه داعى الوطن لتحمل مسئولية الثقافة، أثبت أنه رجل دولة، وصاحب وفيُّ للمبدعين، يحتفى بهم ويذود عنهم.
- وعمل منذ أيامه الأولى على استكمال المؤسسات الثقافية التى نُسبت إليه ببساطة، لإجادته وكثرة منجزه، لكنه لم ينس فضل «فتحى رضوان»، وكثيرا ما استحسنت هذا الخلط بين انجازات الاثنين، لأنهما أسهما بإيثار فى بناء وطن كبير، لصالح شعب عظيم، من دون مزاحمة ولا تلهف على تصحيح هذا الخلط، ولا تنسيب الأفعال لاسميهما، لكن الإنجازات كانت أوفى من البشر، وأصرت على الالتصاق باسميهما.
- وهذا ما يجعل استعراض تلك الإنجازات مفرحا، ونسبها بعمومية لوزارة الثقافة، وهى أعمال جد عظيمة، لم يكن يقدر على التخطيط لها وتجسيدها إلا أناس من أولى العزم كهذين المؤسسين، وقد قدما مؤسسة سينما ناجحة، وثقافة جماهيرية نشطة، وأكاديمية فنون تضم معاهد الفنون المسرحية، والسينما، والكونسرفتوار، والباليه، وأوركسترا القاهرة السيمفونى، والموسيقى العربية، والفنون الشعبية، بجانب تأسيس مسارح القومى، والحديث، والجيب، والعرائس، إضافة لفرق الأقاليم المسرحية.
- مع إقامة متاحف الحضارة والقبة السماوية بالجزيرة، ومختار، ومحمد محمود خليل، وقاعات الفنون التشكيلية فى باب اللوق، وشارع قصر النيل، والمراكز الفنية المتخصصة مثل: الحرف التقليدية بوكالة الغورى، والبحوث الفنية ببيت السنارى، والفن والحياة بسراى المانسترلى، والنسجيات بحلوان، والخزف بالفسطاط، والاهتمام بمراسم الفنانين بوكالة الغورى وقصر المسافرخانة، فيما يبدو بشكل قاطع أن هؤلاء كانوا يبنون مستقبل أمة، بمنأى عن أى هوى شخصى.
- كما بذلت الدولة فى عهد ثروت عكاشة جهدا هائلا بالتعاون مع اليونسكو لنقل معابد رمسيس الثانى إلى أبوسمبل، وإنقاذها من الغرق فى بحيرة ناصر، وإقامة مشروع ضخم للصوت والضوء بآثار الجيزة والأقصر وأبوسمبل، وتسجيل معالم قرى النوبة وفنونها الموسيقية وحكاياتها الفلكلورية قبل غرقها، وللأسف لانعرف أين اختفت هذه الكنوز.
- ويذكر أن عكاشة سنة 1963 دعا حشدا من الفنانين والأدباء لمعايشة تجربة بناء السد العالى فى رحلة شهيرة من القاهرة إلى أسوان على مركب فى النيل، واسهموا بدور فعال فى التعريف بأهمية هذه المشاريع القومية والكونية، لأنها لصالح الإنسانية فى عمومها.
- كما بادرت الوزارة بتسجيل التراث الشعبى من الفنون والعادات والتقاليد فى مختلف المحافظات، وارسال متخصصين فى التراث إلى أوروبا لتعميق دراستهم فى هذا المجال، واستضافة مشاهير الفنانين والمفكرين الأوروبيين لعرض أعمالهم، وإلقاء محاضرات فى القاهرة.
وقامت أيضا بإصدار مجلات «المجلة» و«الفنون الشعبية» و«المسرح» و«الفكر المعاصر»، لتغطية تخصصات الفكر والثقافة وتعظيم فرص الدراسة والنشر والقراءة. كما أصدرت سلاسل الكتب العظيمة، وبأسعار زهيدة، فكانت الثقافة صنو الخبز، تقدم للشعب بشكل شبه مجانى، كونها ضرورة وليست ترفا، ولا تختلف عن المعايش اليومية.
ــ فضلا عن إطلاق مشروعى «التفرغ للإبداع» وصندوق رعاية للفنانين والأدباء، لإعفائهم من متاعب لقمة العيش، والتوفر على مشاريعهم الإبداعية. وهذا المشروع على نُبل مقصده، سقط فى عهد مبارك ضمن ما سقط بيد «وزير الحظيرة»، واستبيح لصالح «شلل المنافع»، ضمن حالة الانحطاط العام السابقة على ثورة يناير.
- ولم يعمل «فتحى رضوان» ولا «ثروت عكاشة» يوما لصالح الدولة على حساب المبدعين أو الإبداع، بل ظلا مخلصين لحرية الإبداع، وأحقية الكتاب والفنانين فى هامش أوسع مما تتيحه السياسة الموجهة وقتها، ومعروفة هى حكايات انحيازهما للمبدعين والدفاع عنهم أمام الرئيس جمال عبدالناصر، مثل الحكاية المعروفة عن إنقاذ ثروت عكاشة رواية «ثرثرة فوق النيل» لـ«نجيب محفوظ» من وشاية بأنها معادية للثورة، والحق أن عبدالناصر بكل ما قيل حول دكتاتوريته، ونظامه الأمني، لم ينفعل يوما ضد كاتب، ولم يكون رأيا قبل تحرى الحقيقة، وحين سأل عكاشة عن رواية محفوظ هذه قال له: «إذا لم يحصل الفنّ على هذا القدر من الحرية، فلن يكون فنا»، ولأنه كان صاحب رؤية، ويعرف أقدار المبدعين، ويدرك أهمية الدفاع عن الحريات، ولأن عبدالناصر بدوره كان يعرف قدرات وزير الثقافة، وقدر نجيب محفوظ لم يمنع «ثرثرة فوق النيل» بالرغم من أنها أغاظت عبدالحكيم عامر، ويقال إن هذا الأخير سأل محفوظ عنها مباشرة فأجابه: «دا كلام حشاشين»!.
- وفى عام 2004 نشر ثروت عكاشة مقالة بجريدة الوفد بصدد الدفاع عن صهره «أحمد أبوالفتح»، انتقد فيها بلا تنصل بعض ما شهده بنفسه من سلبيات فترة عبدالناصر قال فيه: «وبعد أن تخلص مجلس قيادة الثورة من الضباط الأحرار الذين اضطلعوا بتنفيذ الثورة سواء فى سلاح الفرسان أو غيره من أسلحة الجيش لمجرد مطالبتهم بالديمقراطية التى هبوا من أجل تحقيقها بالسجن والتعذيب والتشريد يكون بذلك قد قضى على من غمرت قلوبهم بالمعانى الطاهرة للثورة ولم يعد يسانده غير نزر يسير من خلصائه وكثرة غالبة من الانتهازيين ذوى الأطماع الذاتية التى جرت على الوطن أهوالاً ما كان أغناه عنها، وهكذا لا يكاد رهط من أصحاب المبادئ النبيلة يشعلون ثورة إنسانية حتى يقصيهم تيار الانتهازيين الجارف».
- وهذا الرأى يظهر لنا الفارق بين الوزير المثقف، صاحب الموقف، الذى يمتلك القدرة على المعارضة وهو فى الحكم، والانتقاد بعد مغادرته بلا خوف من سهام التشكيك فى وطنيته واخلاصه، وتؤكد هذا قصة أوردها ثروت عكاشه فى كتابه المهم «مذكراتى فى السياسة والثقافة» عن جريمة التنصت على الناس فى عهد عبدالناصر، وملاحقتهم حتى فى مأمنهم، وهذه الحكاية بما فيها من ألم تكشف أننا أمام بشر، قادوا فترة مهمة فى تاريخ بلدنا، ازدحمت بالمحاسن والمثالب، صحيح انهم اجتهدوا لأجل مصر بإخلاص، لكن طباعهم الانسانية غالبتهم بأشكال متباينة. قال عكاشة: «لم يكن مضى على تعيينى وزيرا أكثر من شهرين عندما اتصل بى سكرتير رئيس الجمهوريه يدعونى إلى لقاء عاجل مع الرئيس عبدالناصر الذى ما إن لقيته حتى طلب منى الاستماع إلى شريط صوتى مسجل لمجموعة من الأشخاص انهالوا على شخص الرئيس بالشتائم البذيئه ناعتين إياه بأحط الصفات، وسألته مندهشا عمن يكونون، فذكر لى اسم أحد الوزراء واسم أديب رائد مرموق، وانه استغنى عن خدمات الوزير، وامر باعتقال الأديب الشيخ.
ولما سألته عن الغرض من دعوتى للاستماع إلى ذلك التسجيل، قال إن يحيى حقى رئيس مصلحة الفنون كان موجودا معهما ويتعين إحالته إلى المعاش، فبادرته بقولى: لكن الواضح من الشريط الصوتى أنه لم يشارك فى هذا السباب، وهو رجل مشهود له بعفة اللسان ودماثه الخلق، فضلا عن أنه أديب مرموق ومحبوب، وتوقيع العقاب ظلما على هذا النحو سوف يكون له أثر سيئ فى أوساط المثقفين وعامة الشعب على السواء، فقال: ولكنه كان موجودا ولم يعترض، وهذا يكفي، فناشدته أن يترك الأمر لى حتى أعالجه بأسلوب مناسب، فوافق، مقتنعا، بعد إلحاح».
ويكمل ثروت عكاشة حكايته: أسندت إلى يحيى حقى الإشراف على مركز تدريب العاملين بالوزارة، كما أسندت إليه بجوار ذلك منصبا مهما بدار الكتب، ثم رئاسه تحرير مجلة «المجلة» حتى لا يشعر بغربة عن عالمه فى مجال الفكر والأدب والفن، فقبل منى ما عرضته عليه بدماثته المعهوده، وطبعا كان ذلك كله بعد إعفائه من منصبه كمدير لمصلحة الفنون.
- وخلص عكاشة إلى: «إن التجسس على الوزراء واحصاء تحركاتهم وسكناتهم وأسرارهم الشخصية كان أمرا يتساوى مع التجسس على المجرمين والخارجين على القانون، وكان هذا درسا وعيته كوزير حديث العهد بالمنصب».
ــ وما يعنينا هنا هى استماتة الوزير فى حماية مبدع بقامة «يحيى حقى»، بل وكافأه تقريبا بدلا من معاقبته، والمدهش أن عبدالناصر لم يعترض، وإن اصر على حبس الأديب «محمود شاكر» قرابة سنتين، لأن الواقعة حدثت فى بيته، وشارك فيها الشيخ «أحمد حسن الباقورى» وأعفاه عبدالناصر بدوره من منصبه كوزير للاوقاف.
ــ والانصاف هنا يقتضى التحدث عن وجه آخر للثقافة فى تلك الفترة، وهو الابداع الذى شهد ازدهارا وتنوعا لا مثيل له فى عقدى الخمسينيات والستينيات، فى الأدب والفن التشكيلى والسينما والغناء وحركة النشر، وغيرها من الفنون.
- وأثرت الثورة بشكل أو آخر، وإن بمواربات إبداعية فى أعمال مسرحية لجيل يوليو مثل ميخائيل رومان، وألفريد فرج، والشرقاوي، ونعمان عاشور، ومحمود دياب، ونجيب سرور، الذين منحوا المسرح المصرى مددا كبيرا من النصوص والعروض الرائعة ضمنت لنفسها الخلود الفنى، وستظل دليلا على غنى الوجدان المصرى، وتألق مواهب كبرى تعلقت بحلم كبير.
وظهرت أعظم أعمال «أعمال نجيب محفوظ» ويوسف إدريس، وعبدالرحمن الشرقاوى، وسعد مكاوى وغيرهم من مبدعى الرواية والقصة، لكن المهم هنا الوقوف أمام حقيقة أن غالبية أعمال هؤلاء الكُتّاب استعصت على الاحتواء أو التوجيه السياسى، رغم انتماء أكثريتهم إلى اليسار وليبرالية ما قبل يوليو، ولم تُلاحظ شعارات الثورة فى أعمالهم، وتعرضوا لسلبيات النظام السياسى بوضوح لافت، وانتقدوا تجربة يوليو الاقتصادية، ورأوها رأسمالية دولة لم ترق لمستوى الاشتراكية، بجانب افتقارها إلى الحريات، مما دفع بعضهم للقول إن مكاسب الثورة تبددت، ولم يبق شئ إلا سيطرة العسكر، وهو ما سهّل على السادات ومبارك الإجهاز على أحلام البسطاء بسبب إقصائهم بالأساس من معادلة السياسة منذ بدايات ثورة يوليو، وسط عجز النخبة الفادح نتيجة للإقصاء ذاته، ولم يكن أمامها غير الإبداع لتقول عبره ما تريد، كما بدا فى قضية (مِسْرِواية) «بنك القلق» لتوفيق الحكيم، التى بادر الأستاذ «محمد حسنين هيكل» بنشرها على مسئوليته فى الأهرام، وحاول عبدالحكيم عامر منعها بتحريض من صلاح نصر لكن عبدالناصر طلبها وقرأ بعضها أمام عامر وقال له إذا كان توفيق الحكيم قد نشر «يوميات نائب فى الأرياف» قبل الثورة فمن حقه أن ينشر «بنك القلق» بعدها، وهذا الموقف يذكر بتحيز عبدالناصر لتوفيق الحكيم فى مرتين سابقتين، الأولى حين رفض إخراجه من دار الكتب ضمن حركة تطهير أقرها وزير التعليم «عبدالجليل العمرى»، وفضل عبدالناصر استقالة الوزير على خروج الحكيم، ومرة ثانية حين وافق على تمثيل الحكيم لمصر فى هيئة اليونسكو، ونصحه عند سفره لتولى تلك المهمة بالتخفف من المسؤليات الرسمية والتفرغ للكتابة. (وهذه الحكاية موثقة بكتاب الأديب يوسف القعيد محمد حسنين هيكل يتذكر - عبدالناصر والمثقفون والثقافة).
- وكذا شهدت الفترة نفسها نشر روايات نجيب محفوظ المحسوبة ضد ثورة يوليو، من «أولاد حارتنا» إلى «دنيا الله» و«ثرثرة فوق النيل» و«الشحاذ» و«تحت المظلة»، و«السمان والخريف» و«اللص والكلاب» و«المرايا» و«ميرامار»، ثم تلك الرائحة لــ صنع الله إبراهيم، ما يكشف أن الأدباء لم تضق بهم الدنيا كما يُصوّر البعض، فلم تحرمهم قيود السياسة من اللوذ بالرمز، وإيماءات الأدب، ومع هذا لم يخل الأمر من مفتشى الإبداع، ووشاة تلذذوا بالكيد للأعمال الأدبية وأصحابها لدى قيادات أمنية وسياسية لا تعرف عن الإبداع غير أنه مصدر قلق، وجهات دينية تستسهل التحريم والملاحقة، لكن التاريخ حفظ لعبدالناصر انحيازه الأكيد للمبدعين، كما فعل بصدد نشر «أولاد حارتنا» فى جريدة الأهرام، وفيلم «شىء من الخوف»، وغيرهما الكثير من إبداعات أنقذها من الجهل والبطش.
- وتتبقى أمامى واحدة من غرائب تلك الفترة وتخايلنى عادة، وهى أن جُلّ الكُتَّاب الذين اعتقلوا فى عهد عبدالناصر، ومنهم - مثالا لا حصرا - الراحلون عبدالعظيم أنيس، وفؤاد حداد، وحسن فؤاد، ثم صنع الله ابراهيم متعه الله بالصحة، وفخرى لبيب، وغيرهم عشرات، لم يكتبوا تجارب السجن بعدائية ولا انتقامية، بل عرضوا لها بروح إبداعية، وتناولوا إنجازات ثورة يوليو بلا مرارة، وتمتعوا بقدر كبير من الموضوعية فى تقييم شخص عبدالناصر مع أنه اعتقلهم، وبالمقابل انتقدوا السادات ومبارك بشدة رغم اتساع هوامش حرية التعبير ولو ظاهريا فى عصريهما.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق