الاثنين، 20 مايو 2013

أصدقاء نجيب محفوظ يجدِّدون ذكراه مساء كل جمعة


 
بالقرب من بيته علي ضفاف النيل
أصدقاء نجيب محفوظ يجدِّدون ذكراه مساء كل جمعة
( ديسمبر 2009 )
 
المصدر:الأهرام اليومى
بقلم: أسامة الرحيمي

أصدقاء نجيب محفوظ في جلسة الجمعة الاسبوعية

قبل ثلاثة أيام مرت ذكري ميلاد الراحل الكبير " نجيب محفوظ "!
وبالرغم من إبداعاته العظيمة التي قدمها، وأنفاسه التي ما زالت تدفئ الأماكن التي تردد عليها، لم تلق روحه الإجلال اللائق منا، لا في ذكري وفاته ولا ميلاده، وبلغ إهماله حدّاً يدفعنا لمواراة وجوهنا خجلا منه، عساه لا يرانا من مرقده
تحدثت وزارة الثقافة كثيرا عن إقامة متحف له، ولم يحدث شيئ للآن، ولم يحتج واحد من لجنة المتحف علي هذا التراخي، خاصة الذين لاحقوه كظله في حياته، والتقطوا الصور بجواره، وتحدثوا باسمه كثيرا !
ولم تفكر إحدي الهيئات الثقافية العامة ـ علي كثرتها ـ إصدار أعماله الكاملة لتعريف الأجيال الجديدة به، وتركت إبداعه الأدبي نهبا لدور نشر خاصة تهتبلها، وتبيعها بأسعار فوق طاقة القراء .
علي النقيض من هذا كله، حرص بعض أصدقاءه من غير المشتغلين بالأدب، علي الوفاء له بعيدا عن الأضواء، وكأن رحيله شغفهم به، وجعله أكثر حضورا بينهم.
ومعروف أن أديب نوبل ـ رحمه الله ـ كان يُخصص يوم السبت لراحته الأسبوعية، وفي الستة أيام الأخري يؤم مجالس متفرقة بأنحاء القاهرة، يختلف إليها محبوه وقراؤه من مشارب وأعمار وتخصصات شتي، أساتذة جامعة، وفنانون، وأطباء، ومهندسون، وموظفون يتسمع نبض الحياة منهم، فتعلقوا به وباتت رؤيته مقصدا أسبوعيا مقدسا لديهم، فبادلهم ودّاً بودٍ، واتخذهم أصدقاء .
وبعد رحيله، توافقوا علي الاجتماع مساء الجمعة من كل أسبوع بالقرب من بيته علي ضفاف نيل العجوزة، يتنسمون سيرته العطرة، ويناقشون إحدي رواياته كل شهر بحيوية ودأب، فأكسبهم أدبه حِسَّا نقدياً سليما، وذائقة رفيعة .
تَقَصيت أثره في قلوبهم، وكتاباته الممتدة في وجدانهم، وانعكاس خصاله النبيلة علي سلوكهم الراقي، فوجدتهم يحفظون علي الرجل مكانته الرفيعة، ويوقرونه كأنه مازال بينهم !
وبلا اتفاق أسموه " الأستاذ "، فإذا نطقها أحدهم فالمقصود بها " نجيب محفوظ" وحده، فهو عندهم أجدر المبدعين باللقب !

د. أحمد شوقي العقباوي ـ أستاذ الطب النفسي بطب الأزهر ـ يري أن : " الأستاذ كان له مجال حيوي تحسّ به، يُكهْربك، وأول عُمُد شخصيته الأصالة، فهو ابن مصر متراكمة الطبقات، وثانيها إخلاصه لهدفه وغايته من الحياة حيث تفرغ للكتابة وتلقي مفرداته من البيئة وصاغها بشكل فني ورؤية فلسفية، وثالثها بساطته الشديدة والمرح. فالمبدع الحقيقي يحافظ علي الطفل بداخله ويرعاه ليظل قادرا علي الاندهاش والانبهار طوال الوقت، وهو في هذا إبن القاهرة القديمة التي تلخص مراحل الحضارة المصرية، وانتماؤه الصادق لبلده أثّر فينا، وكان كالشمس بعيدا ومتفردا، لكن دفئه وشعاعه يصلان إلينا، وأثره يجب أن يؤخذ في سياق تاريخي ومجتمعي، فهو لم يغادر المحروسة وظل مخلصا للجمالية والقاهرة القديمة فاعترفت به شعوب الأرض ومفكري العالم، وهذا يعطينا إحساسا بأنه عمل فني جميل وحضاري، ـ وإن كنت ضد تصنيمه ( تحويله لصنم )، فبينما كان يجري تقزيم مصر، أعلي نجيب محفوظ قيمتها عند فوزه بنوبل، وجعلنا نعتز بذاتنا ومنحنا إحساسا بالفخر، وسيظل قيمة في ضميرنا، لأنه عاش مخلصا لما خلق له، ولا أحد يخلق عبثا، وهو من المبدعين القلائل الذين رَوّضوا الإبداع، فكل شيء عنده كان يخضع لتوقيت، وإدراكه المبكر بدوره حافظ علي انضباطه، فكان ملتزما أكثر من الألمان في المواعيد، وكان تجسيدا لليبرالي الذي يقبل الآخر مهما كان وجه اختلافه معه .
ـ وسيظل نجيب محفوظ بنظر د. لطفي بولس ـ أستاذ بعلوم الاسكندرية ـ : " مثلا رائعا للشخصية العظيمة التي لم يجد الغرور إلي نفسها منفذا، وأفضل من ارتقي بالرواية العربية إلي مصاف الأدب العالمي، وصور أحداثه وشخصياته ببراعة فوتوغرافية، وسيكلوجية عميقة وبسيطة، وتسلسل منطقي، وترابط يظهر المقاصد الفلسفية لأعماله من دون مبالغات، وهذا ما حبّب أدبه لقراء اللغات الحيّة في أنحاء العالم.
ولم يكن د. يسري هاشم ـ أستاذ بطب القاهرة ـ يهتم بالأدب لكن الدكتور أحمد شوقي العقباوي أغراه بكلامه الجميل بقراءة روايات الأستاذ فكانت بداية علاقته بالأدب : " وبعدما اعتدت قراءتها وجدت طعمها أحلي كثيرا من البدايات، واستقبالي لها تحسن تدريجيا، لذا أنصح الشباب بقراءة نجيب محفوظ لأن أعماله بسيطة رغم عمقها الفلسفي، ونصحنا الدكتور شوقي أيضا بقراءة كافكا، لكني رأيت الأستاذ أعمق منه في تحليل النفس الإنسانية، وأظن أن نوبل تشرفت به وهو عندي أهم من نالها ".
ـ وكانت أمتع سنوات د. محمد عبد الوهاب ـ أستاذ بطب بيطري الزقازيق ـ التي قضاها بالقرب من الأستاذ يستمع إليه ويحاوره : " من دون حدود ولا حواجز، وكنت أشعر أنه رجل نوراني تصالح مع ذاته، لا يتكلم إلا بعد تفكير، وتشعر في حضرته أنك أمام منظومة قيم ورؤي وتواضع جم. وأذكر أني سألته يوما : "متي عرفت موقعك من الرواية العربية لأول مرة يا أستاذ ؟ فقال : " عام 1949 بعد نشر "زقاق المدق" قال لي الكاتب الكبير "إبراهيم عبد القادر المازني" : " تعرف يا نجيب أنك بروايتك هذه خطوت بالأدب العربي أول خطوة حقيقية نحو الأدب العالمي". لكنه لم يستسلم لشهادة المازني علي أهميتها وكأنه لم يسمعها لأنه كان يري أن الإطراء يعطل الإبداع الذي بدأه من ثلاثينات القرن العشرين واستمر حتي أنفاسه الأخيرة .
ويري الفنان التشكيلي محمد الشربيني أن الأستاذ كان لديه مشروعه الإبداعي منذ البداية : " وأية رواية من أعماله الأولي تستمتع بها كأنها مكتوبة اليوم، لأنه كان واعيا بتطور الرواية علي مستوي العالم، وبما يحدث في مجتمعنا، وحاول تقريبه لنا.
واختار الأديب حسين عبد الجواد مدخلا مختلفا ليذكرنا بأن مصر : " منذ القرن التاسع عشر شهدت صالونات ثقافية عديدة، وصاحب الصالون عادة يكون الشخصية المحورية، والأكثر تأثيرا، لكن نجيب محفوظ رغم حضوره الطاغي لم يفقد عادته الدائمة في الاستماع ومناقشة الأفكار التي تطرح عليه، ولم يميز نفسه عن أحد من ضيوف ندواته، وأذكر في إحدي الجلسات أن أحدهم أعطاه "كارتا" وقال له ": السفير الإسرائيلي عايز ييجي يسلم عليك"، فرد الأستاذ : " الندوة دي مش بتاعتي .. خد رأي الموجودين واللي يقولوه أنا موافق عليه"، واعترضنا فرفض حضور السفير. ومن جانب آخر أري أن خبرته في السينما جعلت إحساسه بالتكوين الدرامي عال ومركز جدا، كما يظهر في أعماله اللاحقة علي اشتغاله بالسيناريو، وبمناسبة ذكري ميلاده أذكر أنه رحمه الله كان يسمي أسبوع ميلاده " أسبوع الآلام" لإصرار العديد من الصحفيين والإعلاميين علي الاحتفال به، وكان الأكثر حظا من يتواجد يوم 11/12، ولم أره أبدا يأكل من "تورتات الميلاد" التي كانت تتوفر طوال أسبوع الآلام، وسمعته يقول أنه نسي طعم السكر لطول انقطاعه عن تناوله، مما يعكس انضباطه في كل شئون حياته .
ـ وآثر د. فتحي هاشم ـ بيطري ـ ألصق المرافقين لنجيب محفوظ وكان الأستاذ في سيارته يوم طُعن في رقبته ـ أن يحكي لنا شيئا موحيا يجسد حضور الأستاذ في حياته للآن في اليقظة والمنام فقال : " .. أحلم بالأستاذ كثيرا .. لكن هذا الحلم تحديدا تكرر معي ويظهر لي فيه كأنه عائد من الآخرة لحضور مناسبة اكتشاف اسكندرية القديمة التي كانت غارقة تحت البحر بعد إنحسار الماء عنها بدعوة من شخصيات أوروبية، وكنت معه أنا ومحمد الحارس فقال لي : " يا فتحي أنت معي لكن هذه المرة اتركني بمفردي"، وكان ممشوق القوام، وذهب بمفرده وتفقد الآثار من السطح ثم اتجه لأسفل، فتساءلت كيف سيصعد هذا الارتفاع الكبير عند عودته، وظهر بعض الأصدقاء فقلت لهم تعالوا نسلم علي الأستاذ، فقالوا إنه ميت، فقلت لهم عيب فقال نجيب محفوظ : " أنا عارف إن أنا ميت، يا فتحي لاتكن مثاليا"، وراح يتفقد توابيت ضخمة من جرانيت أسود، فسألته كيف ستصعد، قال أنا خلّصت مأموريتي وسأعود، واستند إلي أحد التوابيت، فضحك الأصدقاء وقالوا ألم نقل لك إنه ميت، فقال : يافتحي لا تشغل بالك سنتقابل كثيرا".
ويشير المهندس حسن اسماعيل لأن:" شخصية الأستاذ كانت مغناطيسية جاذبة، فمنذ اقتربت منه في سنواته الأخيرة لم أستطع الابتعاد عنه حتي رحل، وعلاقتنا بأدبه كانت أسبق من ذلك بكثير، ووعينا تفتح علي رواياته، والأفلام المأخوذة عنها، وتعلقنا بشخصيات" سي السيد"، و" بسيمة عمران"، ورددنا عباراته الشهيرة مثل " بضاعة أتلفها الهوي" ، " وأحبك يا أبيض "، ومنذ التقيته في التسعينات أصبحت جلسة الاثنين في " فندق المطار" موعدا مقدسا في حياتي، وبهرني بتواضعه، وثقافته الموسوعية، واستغناؤه عن الدنيا ضمن له مجدا يليق به .. رحمه الله .
ورغم أن د. زكي سالم ـ أديب ـ لايُزكّي أحدا علي الله إلا أنه يحسب "نجيب محفوظ" من أولياء الله الصالحين :" فمن يقرأ رواياته بعمق، أو يدرك معاني قصصه، ويتأمل ببصيرة " الحرافيش " و" أصداء السيرة الذاتية " و" أحلام فترة النقاهة " يري روحانية خالصة، وإيمانا صافيا ينبع من روح شفافة خبرت جوهر الوجود، وذاقت معني الوصال، وتخصصي لسنوات في دراسة التصوف ساعدني علي تأمل أستاذي الأكبر عن قرب، فرأيته يجسد معاني التصوف الرائعة، فتواضعه كان صادقا، وبساطته صافية، وعاش مترفعا علي الصغائر، لم يتعلق بشيء، ولم يسع وراء مال، ولا جاه، ولا سلطة، ولا شهرة، فأتته الدنيا بما فيها، لكنها لم تدخل قلبه !، وعلي مدي سنوات طويلة، لم يحك لنا شيئا عن نفسه فيه عُجْب ولا خُيلاء، ولم يكن يحب المديح، ويتقبل النقد برحابة وبشاشة، ويلتمس الأعذار للناس، ويحنو عليهم، ويذكر الآخرين بالخير أو يسكت عنهم، ويمقت الكراهية، ويحسن الإصغاء للناس، ويصمت طويلا، ويلخص آراءه في كلمات قليلة تمثل حكمة بالغة، ولم يكن ينتمي لأية طريقة، لكنه ذاق الصوفية فعرفها، وشكل تجربته الخاصة به، فعاش فنانا عاشقا لمخلوقات الله، ذواقة لجمال كونه، متبتلا في بديع صنعه، ومخلصا في عمله .
ويعدد جمال الهلالي ـ مهندس استشاري ـ أسباب تأثره بالأستاذ بجانب أعماله :" جذبتني قدرته علي سماع أي شخص بأريحية وابتسامته لا تفارق شفتيه، وحكي لنا تسلسل الحب في حياته، حبه لأسرته، وللحياة، وللأدب، ثم قال والآن أحب الموت، وشخصياته ملأت مخيلتي ومازالت تشاغلني للآن علي نحو غريب، خاصة " يس " في الثلاثية، الذي أعتقد أن كثيرين وقعوا في غرامه مثلي، وأستمتع بقرائتها جدا وإن لم أستطع تمثلها في الواقع .
ولا ينسي بليغ بطرس شنودة ـ مدير عام بجمارك القاهرة ـ : " يوم الجمعة 1988/10/14 حين فاز بنوبل، وكان في كازينو قصر النيل مقر الحرافيش القديم، ووكالات الأنباء حوله، والأحباب والأصدقاء، والفرح يعم الحشد كله، وأقبل الأستاذ متأبطا الدكتور فتحي هاشم، وضج المكان بالتصفيق فكانت فرحة صافية من قلوب الناس الذي يدركون رفع رأس مصر والعرب عاليا، ومن لحظتها داومت علي حضور جلساته، وتعلمنا منه الصدق مع النفس، والتسامح مع الآخرين، وعرفنا خفة الظل المصرية في شخصه، فلا تخلو جلسة له من قفشة رائعة، وكان يضحك بعمق للنكتة الجميلة الجديدة .
ويؤكد حسن ناصر ـ مهندس زراعي ـ أن نجيب محفوظ كان يمثل له أشياء كثيرة :" لأنه كان عظيما متواضعا، كبيرا يحترم الصغار، شهيرا يحب الناس، يستطلع أخبارهم، ويساوي بين الجميع في مجلسه، وكان عجوزا شابا، وكلاسيكيا متجددا، يحترم الإنسان ويتمني حصول كل البشر علي حقوقهم وأن تصان كرامتهم، وهذه صفات تنم عن شخصية مستقرة، ونفس راضية مطمئنة، وثقة صحيحة، واجتماع هذه الأشياء في شخصه دعم نجاحه الكبير، وسيظل الأستاذ أبرز علامة في تاريخ الأدب العربي" .
ويذكر رأفت موريس ـ موظف بالجمارك ـ قبول الأستاذ للآخر مهما اختلفت أفكاره : " فكان مُعلِّما للجميع بلا قصد، ويتصرف بإنسانية عذبة، وينصت باهتمام حتي للآراء المتواضعة، ولا يسبب حرجا لأحد حتي لو كان يستحقه، فألهمنا التعامل بلباقة تجاه بعضنا، وغيرنا، حتي في غيابه، وكانت ضحكته المجلجلة مميزة جدا وتشيع البهجة في نفوسنا، لأنها تخرج من قلب رائق، وكان إذا سمع بتوعك أحدنا لايتردد في طلبه للإطمئنان عليه، وصاحبنا علي بعضنا، فصرنا أصدقاء أكثر بعد وفاته .
عبد الوهاب حسن ـ موظف بالمترو ـ : " عرفت الأستاذ عن قرب آخر ست سنوات من عمره، فلم أر أحدا بتواضعه ولا انضباطه في كل شئ، الأكل، والمواعيد، وفي محبته للناس كان يختلف عن سائر المشاهير، فأي أحد في الشارع كان يمكن أن يستوقفه ويسأله عن أي شيء فيرد عليه بودِّ وبساطة، وأذكر حين رأيته لأول مرة لم أصدق أنني أمام عملاق الأدب العربي، فأذهب عني الوجل بلطفه المعهود، وبقدر حزني علي رحيله وحرماني من رؤيته كل أسبوع، أُعزِّي نفسي بقراءة أعماله، التي أستمتع بها أكثر في كل مرة، والتقاء محبيه أسبوعيا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق