الاثنين، 20 مايو 2013

العـويـس تفـوز « بأمين معلوف»!

العـويـس تفـوز « بأمين معلوف»!

المصدر:الأهرام اليومى ( يناير 2012 )
 
بقلم: أسامة الرحيمي
 


 
لم يفاجئنى خبر فوز الأديب «أمين معلوف» بجائزة العويس للإنجاز الثقافى والعلمى فى دورتها الثانية عشرة (2010-2011). لأن هذا الأديب العربى الكبير رفع الرواية التاريخية إلى أنضج مستوياتها فى الأدب العربى، واستفاد من الخطوات المُهمّة التى قطعها روّادها جورجى زيدان وطه حسين ومحمد حسين هيكل ومحمد فريد أبوحديد وعبدالحميد جودة السحار، وعلى أحمد باكثير، ومحمد سعد العريان، وعلى الجارم، ونجيب محفوظ. وإذا ردد البعض أن أعمالهم كانت محاولات لانتشال الإنسان العربى من تخلفه، بإظهار تاريخه الحافل بالأحداث والانجازات، فقد نحا معلوف منحى مختلفا، وانتهج رؤية أوسع، وأكثر رحابة وانفتاحا على كونية الإنسان، منطلقا من إيمانه بلقاء وتواصل الحضارات، كما تبدى فى روايته الأولى «ليون الإفريقي» وارتحاله مع بطلها « حسن الوزان» من دولة الأندلس فى لحظات انهيارها الأخيرة، وانتقاله إلى شمال وعمق إفريقيا، ووصوله إلى القاهرة إبّان دخول السلطان العثمانى سليم الأول فى لحظات الفتح الأولي، ومنها إلى تركيا، وأثناء عودته عبر البحر المتوسط إلى تونس جرى اختطافه واقتياده إلى حاضرة الفاتيكان، ليقضى بقية عمره هناك باسم ودين مختلفين «ليون الإفريقي»، ليدور بنا معلوف بمهارة ووعى حول حوض الحضارات الأقدم فى تاريخ الإنسانية، ليدفعنا لتأمل فكرة أننا نطل على ذات الشارع منذ عصور سحيقة، و ننهل من مشرب واحد طوال تاريخنا المشترك، فعلى ضفاف المتوسط نشأت وامتزجت الحضارات، وظهرت الديانات، وسعى هو جادا للتذكير بهذا فى إبداعاته، ومثل هذه الرؤى مكّنته من امتلاك مشروع أدبى واضح الملامح، لايكتفى فيه بالبحث والتنقيب فى التاريخ العربى والشرقى وحسب، لكنه ينطلق من رؤى أبعد، فالتعايش بتقديره «شيء يتعلمه الإنسان طوال حياته ويتدرب عليه»، و«مصير البشرية واحد».
ولأن مؤلفاته فى مجملها ملضومة بخيط فكرى واحد، فنراه لم يبتعد كثيرا عن تلك الفكرة فى روايته الشهيرة « الحروب الصليبية كما رآها العرب» حيث أعاد تأمل أصول تشظّى العرب، وانقسامهم إلى دويلات، ما مكّن أمراء الحروب الصليبية من النفاذ إلى المنطقة، وإعمال الفُرقة بين الأشقاء، وإشعال الحروب، إلى أن أتى « نورالدين زنكي»، وجمع أشتاتهم، ووحدهم وقاد حروب التحرير لطرد الصليبيين، وهى التى ظهر خلالها «صلاح الدين الأيوبي» والذى تحفظ معلوف على دوره، وطرح أسئلة مهمة حوله تحتاج لإجابات شافية، وهو بهذه التفاصيل لم يبتعد عن سؤال أراه جوهريا، ماذا لو استبدل الأوروبيون والعرب هذه الصراعات بالتواصل الحضارى وتبادل المنافع؟. وهو ما يكشف عن نظرة طوبوية امتلكها معلوف تتجلى فى جوانب من رؤاه وأعماله، من دون أن تعيق مخيلته الإبداعية من إطلاق الأسئلة المدهشة، كما فعل فى روايته «سمرقند» ، حول ما يمكن أن يحدثه اجتماع سياسى داهية مثل الوزير«نظام الملك»، مع عالم وفلكى وشاعر مثل»عمر الخيام»، ومتشدد أيديولوجى هو «حسن الصباح»، مع أنهم لم يتزامنوا فى الواقع، وهذه ليست إعادة صياغة للتاريخ ولا تحريف له، بل محاولة لتصور جديد من معطيات تاريخية حقيقية، يدفعنا للبحث عن إجابة السؤال ماذا يحدث لو اجتمع هؤلاء الثلاثة فى وقت ومكان واحد؟ وفى روايته «حدائق النور» تعقب رحلة «ماني» ذلك النورانى الملاحق من أمته المتطرفة، مثلما ذهب فى روايته «بلداسار « مع بطلها إلى بلدان شتى للبحث عن الاسم المائة لله عز وجل، وهو ما يكشف المدى الهائل لتحليقاته.
ولا أذهب مع القول بأن أمين معلوف ينشد من وراء أعماله إطلاع الغرب على جوانب مهمة من تاريخنا، بل ظنى أن موهبته الكبرى وشغفه الواضح بقراءة التاريخ، وتألمه من تردى الواقع العربي، هى دوافعه لكتابة هذا اللون المرهق من الإبداع، و هو يطرح أسئلته على الجميع، ومنهم القارئ العادى حول العالم، ويضئ حقائق تاريخية بدأب ومكابدة فى البحث عن أحداث فارقة تُمكّنه من بلورة أفكاره المثالية حول الحضارات والتعايش بين البشر، وأيضا لمعاتبة الواقع من زاوية قديمة.
وفى كل أعماله لم يبحث عن «موتيفات شرقية عجائبية» يبهر بها القارئ الغربي، بل امتلك رؤية مفكر رصين يتأمل الوقائع التاريخية، ويعيد تفكيكها، ليخرج بنظرات أعمق وأدق، لعلها تمنحنا طريقة جديدة فى الحكم على الأشياء، وأيضا فى جُلِّ حواراته لم يظهر أى تحيز للغرب، ففى الوقت الذى يُقر فيه بتفوقه، ينحو عليه باللائمة لعدم اتساقه مع ذاته فى علاقته بالعالم الثالث.
وهذا الجهد الإبداعى والفكرى يُبين أن أمين معلوف معنى بالضرورة ببناء فرص حقيقية للتواصل بين العرب والغرب، بين الثقافتين، الأولى التى انطلق منها وتشبع بها عبر أسرة عريقة فى الثقافة والإبداع، والثانية التى أغرم ونهل منها لكنه لم ينسحق أمامها، بل بقى ندَّا يقظا لها، ومعجبا موضوعيا يحترم مكوناته الأولي، وهو ما حفظ عليه مستواه الإبداعى العظيم، وما جعله بعد عدّة عقود قضاها فى فرنسا واكتسابه جنسيتها، وعضوية الأكاديمية الفرنسية التى يفتخر بها يقول ببساطة: « عندما تكون هناك مشكلات فى لبنان أتألم وأشعر أننى لبنانى أكثر، وعندما يكون هناك مشكلات فى أوروبا أتصرف كأوروبي».
لهذا كله أكرر أننى لم أفاجأ بفوز «أمين معلوف «بجائزة العويس، بل أراها هى الفائزة به.
 
أمين معلوف فى سطور:
ـ ولد فى بيروت عام 1949
ـ درس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بآداب الجامعة اليسوعية فى بيروت.
ـ عمل صحفيا بالملحق الاقتصادى لجريدة النهار البيروتية.
ــ هاجر فى 1976 إلى فرنسا، وعمل بمجلة إيكونوميا، ثم رأس تحرير «إفريقيا الفتاة».
ـ ثانى عربى يتمتع بعضوية الأكاديمية الفرنسية (تأسست 1635) بعد الأديبة الجزائرية آسيا جبار.
- حاز جائزة جونكور 1993 عن رواية «صخرة طانيوس»، و»أمير أستورياس» أرفع جائزة أدبية فى إسبانيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق