الاثنين، 20 مايو 2013

من نجيب إلى مبارك .. رؤساء مصر الأربعة فى المخيِّلَة الشعبية

 
من نجيب إلى مبارك .. رؤساء مصر الأربعة فى المخيِّلَة الشعبية
 
المصدر:الأهرام اليومى( 22 يوليو 2012 )
 
أسامة الرحيمي

غالبا ما تتسم الكتابات السياسية عن الأحداث التاريخية بطابع رسمي، لكن المخيلة الشعبية تتناولها بطرق مختلفة، حيث تختلط فيها التفسيرات القدرية بالرؤى الشخصية، والاستلهامات التراثية، لتستخلص ما فيها من عِبَر وحِكَم شعبية. وهو ما انتهجه البسطاء إزاء رؤساء مصر الأربعة الذين اعتلوا دِكّة الحكم منذ يوليو 1952 إلى ثورة 25 يناير 2011.
فمازالت المخيلة الشعبية الثرية تحتفظ للواء «محمد نجيب»، أول من حمل لقب الرئيس فى تاريخ مصر، بملامح الرجل الطيب المظلوم، فحين أعجبه حماس الضباط الأحرار لم يتردد فى الاستجابة لهم لاقتناعه بعدالة مطالبهم، وغامر بتاريخه الوطنى والعسكرى المشرف، وقبل أن يكون مرشحهم فى انتخابات نادى الجلاء قبل الثورة، معارضا رغبة الملك فاروق، ومُعرِّضا نفسه لكافة المخاطر، إيمانا منه بضرورة القضاء على الفساد الذى استشرى فى المجتمع والجيش المصري، ونجحوا معا فى اسقاط مرشح القصر، وذاع صيتهم ولم ينقذ تنظيمهم سوى السرية المحكمة التى أحاطوا أنفسهم حيال أجهزة الأمن النشطة.
وحين تحرك الجيش ليلة 23 يوليو 1952 كان اللواء نجيب فى صدارة المشهد، وبنجاحهم انحاز للعدالة الاجتماعية وقام مع الضباط الأحرار بتوزيع أراضى الإقطاعيين على الفلاحين الحُفاة بعد أقل من شهرين، فلمس الشعب الفائدة المباشرة للحركة وباركوها بتسميتها ثورة فأكسبوها زخما اجتماعيا واسعا، وانحاز اللواء نجيب صادقا للديمقراطية وفضّل عودة الجيش إلى ثكناته، بعد تطهير الأحزاب السياسية وتغيير برامجها الاجتماعية لصالح الشعب، لكن عبدالناصر وأنصاره فى مجلس قيادة الثورة لم يقبلوا هذا، ورتبوا لتنحية اللواء نجيب بعدما أنجز مهمته المرحلية كما خططوا لها، وانفردوا بالسلطة بعيدا عن الديمقراطية التى كان يمكن أن تُمكِّن الشعب من حكم نفسه بنفسه، وتوفر عليه 60 عاما من الاستبداد والعسف والاقصاء وعسكرة المجتمع، لذا بقى الرئيس نجيب فى الوجدان الشعبى رمزا للوطنى المُخلِص، حَسِن النية، مهضوم الحقوق، وقد تحمل من الظلم ما لا يطاق، حيث فقد حريته الشخصية بتحديد إقامته الجبرية لأكثر من عقدين فى فيلا زينب الوكيل بالمرج، حتى نسيه الناس، وحُذف اسمه من الكتب الدراسية كونه أول رئيس للجمهورية، وخلال تلك الفترة القاسية مات له ولدان حُرِمَ من حضور جنازتيهما وتلقى العزاء فيهما، وطُرد ابنه الثالث من عمله حتى اضطر للعمل كسائق تاكسي، وقضى الرئيس نجيب وقته فى قراءة القرآن وسماعه، والتنقل خلف الظل فى الصيف، وتلمس دفء الشمس فى الشتاء، وشاء له القدر أن يشهد رحيل الرئيسين عبدالناصر والسادات، ورحل هو لاحقا فى عهد مبارك وسط حالة إشفاق وطنى زادت حالته شجنا، بعد كل ما بذله فى نُصرَة ثورة يوليو وتغيير وجه الحياة جذريا فى مصر والمنطقة، مُخلّفَا لنا كتابه المهم « كنت رئيسا لمصر» الذى يقطر صدقا وتسامحا، ويفيض بحزن أليم، لكن هذا كله أفرد له مُرتقى عاليا فى الوجدان الشعبى لا يُرفع إليه إلّا الأطهار أصحاب النفوس العظيمة، والهمم العالية فى تاريخ الأمم.
وبالرغم من انفراد الرئيس جمال عبدالناصر بالسلطة المطلقة لستة عشر عاما، وقبضه على مقاليد الأمور فى يده وحده، إلا أن المخيلة الشعبية غفرت له هذا باستثناء كره الإخوان المسلمين، ورفض بعض الفصائل الشيوعية له، وبسطت له مساحة زمنية أبعد من فترة حكمه بكثير، امتدت إلى وقتنا الحالي، حيث رُفعت صوره فى أثناء أحداث ثورة 25 يناير التى مازلنا نعيش تداعياتها، بسبب تحيزه للفقراء، وإنشائه القطاع العام بشركاته العملاقة التى حملت الاقتصاد الوطني، والبلاد فى أوقات الحرب، وحرصه على إنقاذ الفلاح المصرى من وهدة الذُلّ التى تردى فيها منذ الاحتلال اليونانى الرومانى وحتى قيام ثورة يوليو، ولأول مرة تَمَلّك الأرض الزراعية التى تناهشها المحتلون وأذنابهم لعشرات القرون، فتحول الفلاح من قِنٍّ بلا أجر، ومُعدَم يَسرِق قُوته من الحقول إلى مالك، أمكنه تعليم أبنائه فى الجامعة، والارتقاء بمستواه الاجتماعى مما وسع الطبقة المتوسطة المصرية لأبعد مدى وصلت إليه ربما فى تاريخ مصر، وهو ما شكل تغييرا اجتماعيا هائلا، لكن هذه المكتسبات ظلت هشّة، واهدارها كان سهلا فى عهدى السادات ومبارك لأن عبدالناصر بدّد فرصة الديمقراطية، ولم يُشرك الناس فى الحكم، ولا تحديد مصيرهم سياسيا، وهو ما يسّر انتزاع المكاسب من أيديهم لأنهم كانوا أسرى نظام أبوى قاسٍ، وقرارات فوقية استبدادية.
ومع ذلك لم يؤثر هذا الخطأ الجوهرى على صورة الرئيس عبدالناصر فى وجدان الفقراء، فقد بقى بنظرهم المتقشف فى حياته الشخصية، النافر بطبيعته من مظاهر البذخ، والذى يرتدى ملابس من انتاج المحلة، وظلت ذمته المالية نظيفة حتى مات، حتى إنه اضطر للاقتراض من البنك ليتمكن من تزويج بناته، واستبدل جزءا من معاشه مثل الموظفين البسطاء، وهذه التفاصيل رسمت ملامح صورته البارزة فى المخيلة الشعبية، والتى اتضحت أكثر فى عهد السادات بعد الانفتاح الاقتصادى 1974 وشيوع قصص الفساد، وانتشار حكايات سرقة الملايين من أقوات الشعب، وكانت هذه الأرقام الضخمة تتردد لأول مرة وسط ذهول المصريين الذين يعيشون على بضع جنيهات فى الشهر، وازدادت صورته نصاعة حين أصبحت أرقام سرقات المال العام بالمليارات فى عهد مبارك، وبدأ هدم القطاع العام الذى بناه ناصر، وتصفية شركاته من دون سبب اقتصادى ظاهر، سوى تقويض أعمدة الاقتصاد القومى لصالح أفراد أحاطوا بمبارك الأب وابنيه وقاسموهم الغنيمة، ما جعل الفقراء يترحمون على عبدالناصر، ويرفعون صوره عاليا، كونه نصيرهم الذى وفر لهم سبل حياة كريمة، سريعا ما ضربها الفساد فى عهد السادات، وبددها مبارك وألقى بهم مُجدّدا إلى متاهات اليأس والمهانة.
وهو ما دفع البسطاء لحجز مكانة تاريخية رفيعة لجمال عبدالناصر، و يفسر ترحمهم عليه للآن.
وتشكلت صورة السادات فى المخيلة الشعبية من خطوط أكثر تركيبا وتشعبا، لأنه عاش حياة اجتماعية قاسية، وسُجن، وتقلب بين تجارب سياسية متباينة، وتفادى صراعات الضباط الأحرار، وأفلت من تصفية عبدالناصر لمجلس قيادة الثورة، وبقى يتقلد المناصب المهمة، كان أبرزها وآخرها نائب رئيس الجمهورية قبل وفاة عبدالناصر المفاجئة بقليل، واعتلى سُدّة الرئاسة وسط ذهول قيادات يوليو، ثم تخلص منهم جميعا بحيله المعروفة، وأطلق ما سماه القضاء على مراكز القوي، وثورة التصحيح، مما أسكنه فى نفوس البسطاء داهية يستحق الإعجاب، واستقر هذا فى الوجدان العام حين حقق الجيش المصرى انتصاره المذهل على الصهاينة فى أكتوبر 1973، فمنح السادات مكانة رفيعة فى مصر والوطن العربى باعتباره القائد الذى ثأر للكرامة العربية، وقضى على أسطورة الجيش الإسرائيلى.
لكن هذه الصورة الشعبية الواسعة سريعا ما اهتزت بسبب التنازلات التى قدمها فى مفاوضات الكيلو 101، والشكوك التى أحاطت بمفاوضات فض الاشتباك، ثم تشوشت الصورة بشدة بعد إصداره القانون الذى اشتهر باسم الانفتاح الاقتصادي، لأنه فتح بابا وسيعا للفساد، وازدادت صورة السادات ضبابية فى الوجدان العام بعد رفع الأسعار فى أول 1977 وخرجت مظاهرات عارمة ضدها فى 18 و19 يناير، وسماها السادات «انتفاضة الحرامية» مع أنها كانت ثورة شعبية حقيقية، وهو ما دفعه لإطلاق جماعات الإسلام السياسى باتفاق شهير لتقضى على اليسار فى الجامعات، وهم الذين اغتالوه لاحقا فى أكتوبر 1981 فى أثناء العرض العسكرى بمدينة نصر.
واهتزت صورة السادات أكثر فى مصر والوطن العربى حين كشف نواياه للتفاوض مع اسرائيل، وتأكدت بمعاهدة كامب ديفيد 1979 فقاطعت الدول العربية مصر، وقرر الشعب المصرى الذى اعتاد القرارات الفوقية رفض التطبيع مع الصهاينة، وأفلح فى هذا باقتدار، وبقيت صورة السادات فى «أبهت» حالاتها إلى أن اعتقل ورموز العمل الوطنى والسياسى فى حملة سبتمبر الشهيرة، وسجن فيها أهم عقول الوطن، حتى قيل إنه حبس «مُخ مصر»، ورأى الحس الشعبى أنه كتب نهايته بيده، و انطفأت صورته يوم السادس من أكتوبر 1981 على يد بعض أبناء التيار الدينى الذى أخرجه من القمقم بنفسه، وفى يوم ذكرى انتصار اكتوبر العظيم الذى اعتبره مفخرته الكبري.
لكن المخيلة الشعبية ظلت تذكر له أنه كان محنكا سياسيا بدرجة داهية، وخفيف الظل وسرت بعض تعليقاته السياسية الساخرة مسرى الأمثال، وارتبطت بأنه كان من أصحاب المزاج العالي، وأبناء النكتة، فاكتسب صورة الرئيس الذى يُختلف معه وعليه، وتنسب إليه مثالب سياسية جوهرية أثرت سلبا على حياة المصريين والعرب، لكنه بالرغم من كل هذا ظل بعيدا عن أفق الكراهية السوداء.
واكتسب حسنى مبارك فى بداية عهده صورة المصحح لأخطاء السادات، حيث أطلق المعتقلين، وطمأن الرأى العام، واستبشر به الناس خيرا، لكنه ظل صامتا لفترة طويلة حيرت الجميع، ولم تُشفْ خطاباته الرسمية غُلّة الناس، وبدأت التخمينات المبكرة لتفسير شخصيته، وتزامنت مع إعلان شهير للجُبنة الفرنسية « لافاش كيري»، فانتهزت المخيلة الشعبية الفرصة لتشبه صمته بالبقرة الضاحكة، ليس من باب السبّ، ولا الحط من قدره كرئيس وانسان، لكنها كانت محاولة لتفسير سبب الصمت الذى يعنى على نحو ما السكوت الناتج عن قلة الخبرة وضعف الحيلة، وتأكد فيما بعد وفق ما تكشف من أسرار بعد ثورة يناير أنه كان يتمتع بقدر كبير من ضيق الأفق، وينفرد بالقرار المطلق بحكم السلطة الهائلة التى أتيحت له.
ولم تتأخر كثيرا أخبار فساده هو وأسرته وحاشيته، وترددت أرقام سرقة المال العام لأول مرة بالمليارات، ثم عشرات ومئات المليارات وكأن نهب الثروة القومية شيئا بسيطا وعاديا، وبالتوازى تسارع انهيار القيم، واستبدلت بمفاهيم فاسدة، فباتت الفهلوة والنصب والنفاق والتدليس والتزوير والبلطجة أدوات سائدة وكادت تكتسب مشروعية، وأصبح كل من يتمسك بقيمة أخلاقية أو إنسانية أو أى معنى للوطنية شخصا متعنتا و"غاوى فقر" و"مش عارف مصلحته" وما إلى ذلك من تداعيات هجوم الفساد العنيف على القيم الاجتماعية اليتيمة بالغة الهشّاشة، مما جعل مصر كلها مرتعا لكافة الجرائم الأخلاقية والوطنية، من إهدار كرامات الناس إلى خيانة الوطن بذات البساطة، ونأى الصادقون بأنفسهم بعيدا عن مسارات الفساد، وآثروا الظل والصمت، لكن مصر لم تعدم أصواتا صادقة من حين لآخر، متناثرة، لكنها مؤلمة ونافذة، استحقت الملاحقات الأمنية، لكنها ظلت تتردد فى الأنحاء إلى أن قاد الشباب يوم 25 يناير الشعب كاملا فى ثورة ليس لها مثيل.
ووسط هذا الجو الخانق من الفساد لم تتأخر المخيلة الشعبية بدورها عن التهكم على مبارك وعصابة الفساد، فأطلقت مئات النكات التى تفضح منظومة النهب العام، واستحلال أقوات وأملاك الشعب، كما كشفتها وأكدتها مؤخرا تحقيقات الكسب غير المشروع والنيابات بعد ثورة يناير، وأظهرت بجلاء صدقية الوجدان العام الذى كان يستشعر معدل الفساد المتصاعد أولا بأول وبدقة مذهلة، لكن الناس الذين هدّهم الاستبداد، وعلقتهم السلطة فى "ساقية لقمة العيش" لم يكن متاحا لهم غير «التنكيت» على الظالمين، وتبكيت أنفسهم بسبب خنوعهم وعجزهم، لكن الفساد كان شرسا، وآلة القمع لا ترحم، مما يؤكد استحقاق مبارك لمصيره الذى لاقاه على يد الثورة والقضاء مؤخرا.
وتتبقى فى المخيلة الشعبية بعض مفارقات متعلقة بالرؤساء الأربعة، فهى من جانب رأت أن عبدالناصر ستر الفقراء فستره الله بموته فى فراشه بالرغم من مقولات قتله بالسم غير المؤكدة للآن، والسادات الذى أطلق عفريت التيار المتشدد من قمقمه فقتل بيد متطرفين أنتجهم ذات التيار وفى نفس يوم انتصار أكتوبر مفخرته، أما مبارك فخلعه الشعب الذى احتقره وأذله وأقصاه بعنف طيلة ثلاثة عقود، وقضت ثورة 25 يناير على منظومة فساده فى واقعة تاريخية نادرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق