يحي حقي .. القنديل !
الأهرام اليومى ( 19 نوفمبر 2009 )
الأهرام اليومى ( 19 نوفمبر 2009 )
أسامة الرحيمي
ماذا لو عاش "يحيي حقي" عذابات وقتنا هذا!
هل كان يحتمل كل هذا الضجيج والتلوث والفوضي الاجتماعية؟
وهو الذي عاش مسكونا بأولاد البلد, وطاف بأنحاء مصر, وخَبُر الناس, والتقط حكاياتهم, فكتب "قنديل أم هاشم" عن عادات الأحياء الشعبية بالقاهرة, و"دماء وطين" ـ المعروفة باسم البوسطجي ـ عن تقاليد الصعيد الصارمة.
وعلي كثرة ما قدمه من قصص قصيرة, وبورتريهات, ومقالات, ظل كثيرون يعرّفونه بصاحب "القنديل", فضاق بهذا الاختزال, لأنها لم تكن أهم أعماله, لكن السينما أسكنتها وجدان الناس, فباتت علامة!
وأعماله كلها تستحق القراءة, لكن "قنديل أم هاشم" بالفعل تستحق هذا الذيوع, فهي جدلية حيوية تعني إنسان المجتمعات المتخلفة في مختلف الأوقات, وحكايتها الطريفة تجري في حارة مجاورة لمقام السيدة زينب "أم هاشم" التي تتبرك بها أطياف الشعب, حتي زيت القنديل الذي يضئ مرقدها اتخذوه علاجا لعيونهم الكليلة.
والدكتور إسماعيل إبن الحارة الذي درس طب العيون في أوروبا, وعاد بعد سبع سنوات فهاله الفقر, والجهل, وثار حين رأي أمه تُقطِّر في عيني فاطمة ابنة عمه زيت القنديل, وعنّفهم, ووصمهم بالتخلف, واقتحم مقام السيدة, ورمي الزيت, وأطفأ شموع النذور.
وعالج فاطمة بأدوية حديثة, لكن ارتياعهم من تطاوله علي مقدساتهم, فاقم حالتها, فيأس وغادر البيت, وظل يدور يوميا حول المقام متسائلا, وفي ليلة دخل وتحدث إلي الشيخ وطلب زيت القنديل, وعاد يقول لفاطمة: ".جئتك ببركة أم هاشم", فابتهجوا بعودته لصوابه, وشفيت فاطمة, لأنه حَلَّ الإِشْكال.
فتغيير المجتمع المتخلف لا يتم بالقسوة, فإن لم يؤمن المستنير بأنه صاحب رسالة, ويترفق بذويه سيعاديه مجتمعه, وكم من المتعلمين رسبوا في هذا الامتحان, لأنهم تعالوا ونفروا من بلادهم, وفرّوا عائدين إلي الغرب.
والطبيب إسماعيل عرف كيف يتحايل علي "الغلابة" فاستجابوا لعلاجه, ورضي بقروشهم الشحيحة, فذاع صيته ووفد إليه المرضي من خارج القاهرة.
قال "يحيي حقي": "الأديب يجب أن يعرف تاريخ بلده, ويكون قدوة, ويلتصق بمجتمعه جيدا".
واستغرق أدبه هاجس البحث في الهوية, الذي أثري إبداعه, وكشف اهتمامه بالتراث, بحثا عن قيم كامنة تؤكد أصالة المجتمع, وتدفعه للأخذ بأسباب الحداثة دون إهدار جذوره.
وربما تشكلت شخصيته بصيغة مشابهة, توافق فيها القديم الصالح, والجديد النافع, فمولده في "درب الميضة" بجوار"المقام الزينبي" بحي السيدة أكسبه حسّا دينيا نقيا؛ واهتمام أسرته بالثقافة أورثه شغفا بالمعرفة, وأصوله التركية جعلته يلتصق أكثر بأبناء البلد, وتنقله بين أقاليم مصر وسّع خبراته, وعمله الدبلوماسي عرّفه علي شعوب أخري, وأكسبه ثقافة رفيعة . فكتب عن طين القري وبؤس الفلاحين, بذات الحب الذي كتب به "تعالي معي إلي الكونسير", وأغرم بالمغنية الفرنسية "إديث بياف" وحياتها الأليمة, وصوتها الشجي, كما انشغل باختلاف النظرات في عين حمار البائع المتجول, عن عين حمار التاجر الغني, وعين حمار الفلاح الذي يقطع نفسه من الشغل .
كان يجلس متربعا علي كرسي مكتبه, مستندا بذقنه علي عصاه, ينصت باهتمام لقصة كاتب ريفي شاب, ويقدمه بفرح للقراء في مجلة "المجلة", كما يجلس كتلميذ إلي العلاّمة "محمود شاكر" يقرأ عليه الشعر الجاهلي, ويستنصحه في خبايا اللغة .
ولأنه كان كبيرا, استعان بالكبار حين تولي مصلحة الفنون (من 1955 إلي 1958), فاختار نجيب محفوظ, وعلي أحمد باكثير, وزكريا الحجاوي, لاقتناعه بأن المثقفين هم الأولي بإدارة مؤسساتهم. فأسّسوا وزارة الثقافة.
وبالرغم من تقديره لما قدمته ثورة يوليو للفقراء, لم يسامح عبدالناصر علي إعدام "خميس و البقري" بكفر الدوار, ولم يغفر له إعدام سيد قطب, ولا اعتقال اليساريين.
ولفرط إخلاصه للبسطاء تهرّب من الانضمام لكتاب الأهرام, لأنه يري الكتابة للعمال والموظفين في صحف (المساء, والعمال, والتعاون) ضرورة وطنية, فمن لهم إذا ذهب الجميع إلي الصحف الكبري؟
كان يعتمر "البيريه" ويتوكأ علي "عصاته", وبابتسامة لاتفارق شفتيه, يتأمل البسطاء, ويلتمس لهم الأعذار. وليصل إليهم انتقي مفردات الفصحي المتداولة كعامية, فقرّب عناوينه للأذهان ببساطتها: "أم العواجز", "يا ليل يا عين", "تراب الميري", "صح النوم", "من باب العشم", "عطر الأحباب", "أنشودة للبساطة", "من فيض الكريم", "ناس في الظل", "كُناسة الدكان", حتي سيرته الذاتية أسماها "خليها علي الله" ووصفها بمذكرات عابر سبيل.
وكان "نجيب محفوظ" لماحا, وحفظ علي الرجل قدره حين سئل لمن يهدي "جائزة نوبل" قال: يحيي حقي!
"نهضة مصر" أعادت طباعة أعماله كاملة.
هل كان يحتمل كل هذا الضجيج والتلوث والفوضي الاجتماعية؟
وهو الذي عاش مسكونا بأولاد البلد, وطاف بأنحاء مصر, وخَبُر الناس, والتقط حكاياتهم, فكتب "قنديل أم هاشم" عن عادات الأحياء الشعبية بالقاهرة, و"دماء وطين" ـ المعروفة باسم البوسطجي ـ عن تقاليد الصعيد الصارمة.
وعلي كثرة ما قدمه من قصص قصيرة, وبورتريهات, ومقالات, ظل كثيرون يعرّفونه بصاحب "القنديل", فضاق بهذا الاختزال, لأنها لم تكن أهم أعماله, لكن السينما أسكنتها وجدان الناس, فباتت علامة!
وأعماله كلها تستحق القراءة, لكن "قنديل أم هاشم" بالفعل تستحق هذا الذيوع, فهي جدلية حيوية تعني إنسان المجتمعات المتخلفة في مختلف الأوقات, وحكايتها الطريفة تجري في حارة مجاورة لمقام السيدة زينب "أم هاشم" التي تتبرك بها أطياف الشعب, حتي زيت القنديل الذي يضئ مرقدها اتخذوه علاجا لعيونهم الكليلة.
والدكتور إسماعيل إبن الحارة الذي درس طب العيون في أوروبا, وعاد بعد سبع سنوات فهاله الفقر, والجهل, وثار حين رأي أمه تُقطِّر في عيني فاطمة ابنة عمه زيت القنديل, وعنّفهم, ووصمهم بالتخلف, واقتحم مقام السيدة, ورمي الزيت, وأطفأ شموع النذور.
وعالج فاطمة بأدوية حديثة, لكن ارتياعهم من تطاوله علي مقدساتهم, فاقم حالتها, فيأس وغادر البيت, وظل يدور يوميا حول المقام متسائلا, وفي ليلة دخل وتحدث إلي الشيخ وطلب زيت القنديل, وعاد يقول لفاطمة: ".جئتك ببركة أم هاشم", فابتهجوا بعودته لصوابه, وشفيت فاطمة, لأنه حَلَّ الإِشْكال.
فتغيير المجتمع المتخلف لا يتم بالقسوة, فإن لم يؤمن المستنير بأنه صاحب رسالة, ويترفق بذويه سيعاديه مجتمعه, وكم من المتعلمين رسبوا في هذا الامتحان, لأنهم تعالوا ونفروا من بلادهم, وفرّوا عائدين إلي الغرب.
والطبيب إسماعيل عرف كيف يتحايل علي "الغلابة" فاستجابوا لعلاجه, ورضي بقروشهم الشحيحة, فذاع صيته ووفد إليه المرضي من خارج القاهرة.
قال "يحيي حقي": "الأديب يجب أن يعرف تاريخ بلده, ويكون قدوة, ويلتصق بمجتمعه جيدا".
واستغرق أدبه هاجس البحث في الهوية, الذي أثري إبداعه, وكشف اهتمامه بالتراث, بحثا عن قيم كامنة تؤكد أصالة المجتمع, وتدفعه للأخذ بأسباب الحداثة دون إهدار جذوره.
وربما تشكلت شخصيته بصيغة مشابهة, توافق فيها القديم الصالح, والجديد النافع, فمولده في "درب الميضة" بجوار"المقام الزينبي" بحي السيدة أكسبه حسّا دينيا نقيا؛ واهتمام أسرته بالثقافة أورثه شغفا بالمعرفة, وأصوله التركية جعلته يلتصق أكثر بأبناء البلد, وتنقله بين أقاليم مصر وسّع خبراته, وعمله الدبلوماسي عرّفه علي شعوب أخري, وأكسبه ثقافة رفيعة . فكتب عن طين القري وبؤس الفلاحين, بذات الحب الذي كتب به "تعالي معي إلي الكونسير", وأغرم بالمغنية الفرنسية "إديث بياف" وحياتها الأليمة, وصوتها الشجي, كما انشغل باختلاف النظرات في عين حمار البائع المتجول, عن عين حمار التاجر الغني, وعين حمار الفلاح الذي يقطع نفسه من الشغل .
كان يجلس متربعا علي كرسي مكتبه, مستندا بذقنه علي عصاه, ينصت باهتمام لقصة كاتب ريفي شاب, ويقدمه بفرح للقراء في مجلة "المجلة", كما يجلس كتلميذ إلي العلاّمة "محمود شاكر" يقرأ عليه الشعر الجاهلي, ويستنصحه في خبايا اللغة .
ولأنه كان كبيرا, استعان بالكبار حين تولي مصلحة الفنون (من 1955 إلي 1958), فاختار نجيب محفوظ, وعلي أحمد باكثير, وزكريا الحجاوي, لاقتناعه بأن المثقفين هم الأولي بإدارة مؤسساتهم. فأسّسوا وزارة الثقافة.
وبالرغم من تقديره لما قدمته ثورة يوليو للفقراء, لم يسامح عبدالناصر علي إعدام "خميس و البقري" بكفر الدوار, ولم يغفر له إعدام سيد قطب, ولا اعتقال اليساريين.
ولفرط إخلاصه للبسطاء تهرّب من الانضمام لكتاب الأهرام, لأنه يري الكتابة للعمال والموظفين في صحف (المساء, والعمال, والتعاون) ضرورة وطنية, فمن لهم إذا ذهب الجميع إلي الصحف الكبري؟
كان يعتمر "البيريه" ويتوكأ علي "عصاته", وبابتسامة لاتفارق شفتيه, يتأمل البسطاء, ويلتمس لهم الأعذار. وليصل إليهم انتقي مفردات الفصحي المتداولة كعامية, فقرّب عناوينه للأذهان ببساطتها: "أم العواجز", "يا ليل يا عين", "تراب الميري", "صح النوم", "من باب العشم", "عطر الأحباب", "أنشودة للبساطة", "من فيض الكريم", "ناس في الظل", "كُناسة الدكان", حتي سيرته الذاتية أسماها "خليها علي الله" ووصفها بمذكرات عابر سبيل.
وكان "نجيب محفوظ" لماحا, وحفظ علي الرجل قدره حين سئل لمن يهدي "جائزة نوبل" قال: يحيي حقي!
"نهضة مصر" أعادت طباعة أعماله كاملة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق