الاثنين، 20 مايو 2013

أم كلثــوم .. دهشتنا المتجددة !

أم كلثــوم دهشتنا المتجددة !
المصدر:الأهرام اليومى ( 28 أكتوبر 2009 ) 
 
 
أسامة الرحيمي




هل يمكن أن نملّ يوما سماع صوت أم كلثوم؟
أو القراءة عنها؟
هذا افتراض أظنه أبعد من واقعنا المنظور. وإن كنت أستبعده!
فالمبدعون العظام يتحولون لبديهيات في حياتنا. ربما ننساهم لفرط الاعتياد, لكننا حين نلتفت إليهم, نكتشف كوامنهم, فيجددون دهشتنا.
وهذا ما تفعله رواية "أم كلثوم" التي كتبها بالفرنسية اللبناني "سليم نَصيب" العائش في باريس منذ 1969, ويعمل مراسلا لجريدة "ليبراسيون", ووضع لروايته إسما مختصرا. "أم". وهو ما اشتهرت به كوكب الشرق في فرنسا.
ترجمت الرواية إلي الإنجليزية والإيطالية بعنوان " أحببتك لأجل صوتك", لكن ترجمة اللبناني الراحل "بسّام حجّار" صدرت بإسم "كان صرحا من خيال", ولاأراه عنوانا موفقا, فأم كلثوم لم تكن خيالا, بل سلسلة مكابدات عصامية .
إختار المؤلف مدخلا حيويا, فالراوي لديه هو الشاعر "أحمد رامي" آن عودته من باريس, بعد تعلمه الفارسية, مفعما بصوفية "عمر الخيام", وممتلئا حماسة لترجمة رباعياته, ففوجئ ببنت فلاحة ترتدي زيّا بدويا, وتصدح بأغنيته "الصّبُّ تفضحه عيونه".
ويصف رامي ـ الراوي ـ صوت أم كلثوم حين سمعها أول مرة, وكان يظنها فتي بدويا بسبب زيِها". لم يكن الغناء صادرا فقط من الحنجرة, بل إن الجسد بأكمله كان يرتعد, لا بل كأنه يحلق, لإطلاقه إلي الخارج. رعدة انتشاء ساكنة. استطاع هذا الفتي الأمرد أن يُجسّد الألم والرقة اللذين كنت أسمعني, أنا نفسي, معبرا عنهما للمرة الأولي عبره هو . كان الألم والرقة فيه هو.
وحين ذهب لتحيتها بعد الحفل إكتشف الحقيقة, وأدرك أنها ضحية عادات قريتها "طماي الزهايرة", فأصول الحشمة لدي أهلها تقضي بأن لاتصعد الفتاة إلي خشبة المسرح, فقال: "كنت لا أصدق عيني, فما زالت في نظري فتي ـ فتاة, ولا شئ قد يمحو ذلك من ذهني, إذ بدت شبهة الخنوثة وجمال صوتها مرتبطين علي نحو غامض. أمر فاتن وعجائبي قليلا".
ولاحقا قال له الشيخ "أبوالعلا محمد": "كان الغناء في دمها, فعلمتها أن تغني من القلب. غير أن شهيّة الغناء لديها لايشبعها شئ.".
وبعدما عرفها رامي جيدا قال: "كنت أريد أن تغني تلك الفتاة" رباعيات الخيام, فالرباعيات ستصبح عربية إذا أنشدتها بحنجرتها".
وعبر سردية صافية, وترجمة رائقة, يروي الشاعر "أحمد رامي" بعذوبة تجربة " ثومة", كواحدة من أعظم قصص الصعود في تاريخ الغناء, إبنة البسطاء التي طلعت من طين "طماي", إلي براح المجد, لتستريح علي قمته مطمئنة .
وكما شهد بداياتها, عاش لحظاتها الأخيرة: مدّدت جسدها المتشنج بقوة في جهد يائس لمقاومته, لم تفلح في إسكات الصرخة التي انطلقت من أعماق الألم., وحين تأكد موتها قال: "أصبح الألم أكبر من طاقتي".
رحلت أم كلثوم, ورحل رامي, وبقيت الأسطورة, التي تحولت إلي بديهية, ربما ننساها أحيانا, لكنها لن تكف عن تجددها وإدهاشنا.
الرواية أصدرتها "دار العين" مؤخرا, وسبق أن نشرتها دار شرق/ غرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق