" كرم العنب" .. تبشير ماكر بالثورة !
أسامة الرحيمي
نشرت في مجلة إبداع ( 2010)
إذن عبد الوهاب الأسواني يري أن ثمة
نذر ثورة تتجمع في الأفق !
أو علي الأقل هو يبشر بها !
كما أبان في خاتمة روايته " كرم
العنب "
لاحظوا إيحاءات الاسم !
في آخر فقراتها قال : " نزلنا
في مركب شراعي، وحين وصل بنا إلي منتصف النهر، رأينا جموعا كثيفة من كل نجوع بلدنا
تهبط من أعلي الجرف، وتنزل في مراكب شراعية، وفي المقدمة جموع المقاليع كأنهم
السيل الجارف، استقلوا قواربهم فغطوا بها سطح النيل حتي أن الماء بدا لي كالطريق
البري المردوم بالمراكب والقوارب .."
احتشاد الفقراء بهذا الشكل ذروة
بليغة يهفو إليها الجميع، إذ تنادوا للدفاع عن بقائهم بعدما ضاقت عليهم سبل الرزق،
وحاق بهم الظلم من كل صوب .
وأضاف متمما بشارته :" انتصبت
الأذرع في المراكب والقوارب، متجاوبة معه، كأنها غابات النخيل، وأصوات الجموع تدوي
في الفضاء كقصف الرعد"
جمل صريحة تعني أنه تمناها عارمة !
والحق أنه ماكر، أراد الاشتباك مع ما
يحدث في مصر الآن من فساد، وتخريب، و"هاجس التوريث" المؤرق للجميع، لكن في
حدود الأدب، الذي لا يحتمل فجاجة التقريرية في التعاطي مع مثل هذه القضايا الصريحة
.
فاختار زمن الملك فؤاد، بما يعنيه من
رسوخ الاستعمار علي قلب الوطن، وتداعيات انتكاسة الثورة العرابية المتلاحقة،
بمرارتها التي تعاود الحلوق للآن، وازدهار خائنيها، وازدراء مؤيديها ومحاصرتهم،
أبناء الحلم الوطني الكسيح، وتكريس ثروات ومقدرات الأمة في أيدي نصف في المائة من
سكانها، وتحويل الاكثرية الكاسحة إلي مناكيد بلا حول ولا قوة، كأنهم جزء غاطس لاحق
له في شيء .
والمكان في أقصي جنوب مصر، بإحدي قري
أسوان، وأسماها " كرم العنب"، ليذكرنا بسخرية المتنبي الأليمة "
نامت نواطير مصر عن ثعالبها .. فقد بشمن وما تفني العناقيد"، وفيها تدور
أحداث لا تحتاج لفطنة كبيرة لالتقاط التشابهات بينها وبين واقعنا الحالي، بتشابكاته
وشخوصه، وتراجع منظومات القيم أمام النهم والنهب الوحشي لأرزاق الناس .
علي رأس " كرم العنب" ديب
ـ أو عمدة ( رشوان ) ـ بشرعية منقوصة، في دلالة آنية، دؤوب في نصرة الباطل، مراوغ
في الحق، لم يتردد أبدا في سلب أراضي المأزومين، وتضخيم أملاكه، والتغاضي عن
تصرفات شيوخ القبائل والنجوع المشابهة لفعاله، فأتاح مجالا آمنا للرشا والضلال
وجرّ أي شخص يشمخ بأنفه إلي طابور ( المطاليب )
ليعمل بالسخرة في الأشغال الحكومية الشاقة المجانية، تماما مثلما تم جر
جموع المصريين الآن إلي ساقية الشقاء التي لاتكف عن الدوران، دون أن تخرج ماء !.
للعمدة بنت وحيدة ليست جميلة، اختار
لها زوجا من أبناء الفقراء (مراد)، وأغرقه بالعطايا والمنح حتي أفسده تماما، وفتح
عينيه علي السلطة، بأن جعله نائبا له علي غير رغبة القوي المناوءة، فانفتحت شهوته
بالضرورة علي كافة الملذات والأطماع، دون تورع عن منح أخته المخطوبة لفقير مثلها،
إلي شيخ نجع نزوي جشع (عطوان)، قاسمه كافة جرائمه لاحقا، وشاركه الإجهاز علي كل من
اعترض شرهه للسلطة، واسترخاص دماء الناس يكون أسهل الخيارات، فإذا بدأ يصبح وحشا
منفلتا تستحيل السيطرة عليه مهما كانت إرادة صاحبه .
وحولهما شيوخ نجوع تم انتقائهم
بعناية، وعمدا للقري المجاورة اختارتهم سلطات الاحتلال من العائلات والقبائل التي
عادت عرابي باشا، أو تنصلت منه ووصفوا ثورته بالهوجة، وبدورهم كونوا طبقة أصحاب
مصالح متماسكة، تتساند بوعي وحذق رغم ما بين أفرادها من كراهية مضمرة، وتعارضات، فليس
أبسط من تخليهم عن مشاعرهم الخاصة، لصالح مغانم وتوافقات لاتنتظم حياتهم بدونها، ونموذجهم
الواضح والفادح هو" عطوان البهرجان" ذلك الساهي، الذي يرتكب ويشارك في كافة
الجرائم دون أن يرف له طرف، ويحيك المؤامرات لصالح من يقاسمه أطماعه.
هذه التشابكات صنعت واقعا فائق
التعقيد، لا أحد يملك التسلل إليه دون إرادة رؤوسه، ومن يدخله لايمكنه الإفلات مرة
أخري، تشكيل إجرامي لا سبيل للفكاك منه إلا الموت، لذا تتراص هذه الطبقة بكل عنفها
وعفنها ضد أي شخص يحسن الظن بنفسه، أو يعتد بقيمة ما، أو يراهن علي قوة يمتلكها،
أو ساعة خلاص يترقبها.
مثل الشيخ أيوب العواصمي الذي يسمونه
(فرعون) استهانة بتمسكه بالقيم، واعتداده بتاريخ أبيه الذي أيّد الثورة العرابية،
وخسر أملاكه بسبب موقفه هذا، لكن تظل سيرته العطرة مثالا في العدل والحكمة وانصاف
البسطاء.
ومعه صديقه مهندس الري من وجه بحري،
المستنير الذي يعقد في بيته جلسات مع الشباب الذين يعرفون قدر عرابي باشا وثورته
المغدورة.
وابنه فريد العواصمي الذي يدرس في
القاهرة وقرر إنشاء حزب جديد بعدما استنفدت الأحزاب القديمة أغراضها، وانتهت مع
زعمائها، إيمانا منه بالتغيير الجماهيري، والانتخابات، والطرق السلمية، وأخذ علي
عاتقه هو وزملاءه نشر أفكارهم الجديدة في أنحاء مصر، وتوسيع دائرة المشاركة
السياسية الفاعلة.
لكن ماذا تفعل حفنة المخلصين هذه وسط
أصحاب النفوذ الذين يمكنهم استخدام سلطاتهم في إرهاب الناس، وشراء ذممهم، وترويع
كل من تسول له نفسه فعل أو قول الحق .
زمان ومكان وواقع لا فرصة فيه لشيء
إلا تكذيب الصادق، وتصديق الكاذب، فأصحاب السلطة لصوص، يقتلون، ويكذبون، ويخطفون
نساء غيرهم بالباطل، في الوقت الذي يتهمون أي صادق بالحماقة والغباء، ولايطيقون كلامه،
فقلوبهم مستغلقة، يغمرها ظلام بارد مخيف .
" كرم العنب " رواية موجعة
للقلوب مثل واقع مصر الحالي، فالأحداث تعكس قدرة الشر علي التحور والتشكل وفق
منافعه، وتسد الأفق علي الناظرين، وتعميهم عن استشراف أي بصيص.
كأنما أراد الأديب " عبد الوهاب
الأسواني " أن ينكت جراح الناس حتي لا تنغلق علي صديدها النتن، فيتألموا،
ويتحسروا علي أوضاعهم، أو ليصرخوا ويتجمعوا في مراكبهم الشراعية، ليغطوا صفحة
النيل، ويحولوه إلي شارع واحد، وتيار جارف للظالمين، فيستحيل إلي نهر ثائر بدلا من
ذلك العجوز الراكد، ويملؤون قلوعهم بريح عاتية، لعلها " تكنس هذا العفن"
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق