"كي لاننسي"
قري فلسطين التي دمرتها إسرائيل في 1948
الأوطان لاتسقط بالتقادم !
عرض: أسامة الرحيمي
( في مجلة العربي الكويتية 2007)
إلي كل الذين شُرّدوا من قراهم فهاموا في الأرض .
إلي ذرياتهم جميعا "كي لاينسوا".
بهذه الجملة اللافتة استهلت "مؤسسة الدراسات
الفلسطينية" كتابها التوثيقي الوافي" كي لاننسي" بعنوانه التفصيلي "قري فلسطين التي دمرتها
اسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها".
ورغم أن الطبعة الأولي من هذا الكتاب صدرت في 1997
والثانية في 1998 لم يتقادم عليه العهد بعد مرور عقد وزيادة، فهذا النوع من الكتب
الوثائقية يضمن تجدده الذاتي بما يحويه بين دفتيه من حقوق تاريخية جليّة، ستظل حيّة
إلي أن يستعيدها أصحابها، وهو ما يفسر إصرار الفلسطينيين علي الاحتفاظ بمفاتيح
دورهم القديمة التي سوّاها المغتصبون بالأرض، وحرصهم علي أوراق الملكية القديمة
التي يعود أغلبها لعهد الدولة العثمانية.
وفي التعريف بالكتاب قالوا أنه : " وصفا تفصيليا
وموثقا للقري الفلسطينية الأربعمئة ونيّف التي هَجّرت إسرائيل أهاليها في سنة 1948
، ثم دمرتها ومحت معالمها، ووزعت أراضيها ومزارعها علي سكانها الجدد من اليهود،
وأقامت عليها مستعمرات بأسماء عبرية مستحدثة حلّت محل أسمائها التاريخية الأصيلة،
وذلك إمعانا في إزالة الصبغة العربية لا عن التراب الفلسطيني فحسب بل عن خرائط
فلسطين وذاكرة العرب والعالم أيضا.
والمؤلم أن بعض الدول العربية غيّرت المناهج الدراسية في
الجغرافيا والتاريخ تحت الضغط الصهيوأمريكي الذي يحاول تشكيل المنطقة وفق أطماعه، وهو
ما شجع بعض أصوات علي المجاهرة مؤخرا بإسقاط حق العودة عن الفلسطينيين، وهو أقصي
أحلام الصهاينة، وأقل حقوق الفلسطينيين التاريخية والتي بادر هذا الكتاب بحفظها
لهم، وهذا الجهد الجبار هو ثمرة " تعاون
جامعة بير زيت، ومركز الجليل للأبحاث الاجتماعية في الداخل، ومؤسسة الدراسات
الفلسطينية في واشنطن المشرفة في الخارج، وساهم فيه أكثر من ثلاثين باحثا، واستغرق
نحو ستة أعوام. واستند هذا العمل الضخم إلي وفرة من المصادر العربية والأجنبية (
أعمال المؤرخين القدماء والجغرافيين والرحّالة) كما استند إلي البحث الميداني من
أجل تحديد مواقع القري تحديدا دقيقا بالرجوع إلي شهادات الساكنين السابقين
والأدلاء المحليين.
والكتاب يذكر أسماء وأماكن القري الفلسطينية "
مرتبة وفق حروف الهجاء تبعا لكل قضاء. ويشتمل نصُ كل مدخل علي بيانات إحصائية (
إحداثيات الموقع، وعدد السكان وتركيبهم، وعدد المنازل، وملكية الأرض ووجه
استعمالها) وعلي مقاطع تُجمل تاريخ القرية قبل سنة 1948 وتنسّق المعلومات عن
طبوغرافية القرية، وهندستها، ومؤسساتها، ونشاطها الاقتصادي، ويحتوي المدخل المخصّص
لكل قرية علي مقطع يستند إلي روايات إسرائيلية وعربية عن العمليات العسكرية التي
أفضت إلي سقوط القرية بيد القوات الإسرائيلية.
وهذا يُحبط الوحش الصهيوني الذي غَصّ بما ابتلعه من أرض
فلسطين التاريخية، معتقدا أن أصحاب الحق سينسون بيوتهم وزيتونهم، وأرواح أسلافهم
التي مازالت تُحوّم فوق البساتين والبيادر، تنعي المساجد والكنائس المدمرة والمسكونة
برجع الآذان وصدي الأجراس، ورائحة الزعتر التي تغالب عفن البارود.
وصدّر معدو الكتاب المقدمة بمقولة لـ "موشيه دايان" أهم وزراء
حرب اسرائيل، مأخوذة من كلمة ألقاها في معهد التكنولوجيا بحيفا في الرابع من إبريل
( نيسان)1969 ونصها حسب صحيفة هآرتس هو: "
لقد أقيمت القري اليهودية مكان القري العربية. أنتم لا تعرفون حتي أسماء هذه القري
العربية وأنا لا ألومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة، ولكن كتب الجغرافيا
وحدها التي لم تعد موجودة . بل القري العربية نفسها زالت أيضا. فقد قامت نهلال في
موضع معلول، وكيبوتس غفات في موقع جباتا، وكيبوتس ساريد في موضع خنيفس، وكفار
يهوشوّع في موضع تل الشومان. وما من موضع بني في هذا البلد إلا وكان فيه أصلا سكان
عرب".
واللصوص ظنّوا أنهم يستطيعون تغيير الجغرافيا كما زوروا
التاريخ، وزعموا منذ القدم أن الله فضّلهم واختصهم بأرض فلسطين، وبرعوا في تلفيق كل
شيء من الافتئات علي الله تعالي وتأويل التوراة وفق جشعهم، إلي تزوير أوراق ملكية
البيوت والأشجار دون أن يرف لهم جفن.
وجاء في المقدمة: " لا جدال أن عملية الاستعمار
الصهيوني لفلسطين التي بدأت أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر، وما زالت مستمرة
حتي اليوم، إنما هي من أكثر المشاريع الاستعمارية لفتا للنظر علي مدي العصور، ففي
غضون عمر من الزمن جري ما يشبه الانقلاب الشامل في الأوضاع السكانية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت قائمة في فلسطين عند بداية القرن
العشرين".
ويرصد الكتاب مصير 418 قرية فلسطينية دمرها الصهاينة
وهجّروا سكانها في حرب 1948، بالإضافة لسقوط أكثر من عشر مدن فلسطينية، منها مدن
كانت آهلة بالفلسطينيين حصرا ( عكا، وبئر سبع، وبيسان، واللد، والمجدل، والناصرة،
والرملة)، ومنها مدن كان الفلسطينيون يمثلون نسبة كبيرة من سكانها( طبرية، وحيفا،
والقدس الغربية) فضلا عن يافا ـ المرفأ البحري القديم ـ التي كانوا يشكلون
الأكثرية العظمي من سكانها، وقد أخليت هذه المدن والبلدات، مع استثناءات قليلة
أهمها الناصرة من سكانها الفلسطينيين وانتقلت أموالهم غير المنقولة ـ المراكز
التجارية، والأحياء السكنية، والمدارس، والمصارف، والمستشفيات، والعيادات،
والمساجد، والكنائس وغيرها من المباني العامة والحدائق والمرافق ـ جملة واحدة إلي
مواطني اسرائيل ـ كما استولي الإسرائيليون علي ما سَلِم من المنقولات مثل :
الأثاث، والأواني الفضية، والصور، والسجاد، والمكتبات، وسواها من المتاع التليد،
وسائر ممتلكات الطبقة الوسطي من سكان تلك المدن الفلسطينيين .
ولم يبق من الـ 418 قرية التي دمرتها إسرائيل إبان
النكبة إلا بضع عشرة قرية سلمت أو أصيبت بأضرار طفيفة، أما ما سوي هذه فقد دُمر
تدميرا تاما أو أنه في حكم المُدمر عمليا، إذا مُحيّ في الواقع من علي وجه الأرض.
فمواضع المنازل والمقابر المدمرة، ومثلها مواضع البساتين والبيادر والآبار وحظائر
المواشي والمراعي، قسّمت ووزّعت علي المستعمرات اليهودية التي كانت تجاورها، أو
تشاطرتها المستعمرات الجديدة التي أُنشت لاحقا علي أراضي تلك القري، وحلّت الأسماء
العبرية التي سميت بها المستعمرات محل الأسماء العربية ، وربما اُستبقي في هذه الأسماء
الحديثة صدي خافت أو ساخر من أصداء الإسم العربي. أما ورثة هذه القري فقد جاؤوا من
كل الحركات الصهيونية الإسرائيلية الكبري: الجماعية، أو التعاونية، أو الزراعية
ذات الملكيات الصغيرة ( كيبوتسيم وموشافيم ) وتنتسب هذه الحركات إلي أحزاب
إسرائيلية تنتشر علي ألوان الطيف السياسي كافة، من أكثرها ليبرالية إلي أكثرها
تشددا.
وبقي نحو 100 قرية فلسطينية داخل المناطق التي استولت
عليها إسرائيل في حرب 1948 من دون تدمير أو تهجير للسكان، وهي لاتزال قائمة حتي
اليوم داخل حدود إسرائيل ما قبل 1967، وقد صودر أكثر من 80% من أراضي عرب 48 الذين
لم يغادروا منازلهم قط، ووضعت تحت تصرف مواطني إسرائيل من اليهود حصرا. ومع ذلك
فإن القري الـ 418 التي يرصدها هذا الكتاب كانت تشكل قرابة نصف عدد القري
الفلسطينية التي كانت قائمة داخل حدود فلسطين الإنتدابية عشية التوصية التي
اتخذتها الأمم المتحدة في نوفمبر( تشرين الثاني ) 1947 بتقسيم فلسطين. وقد تفرق من
هذه القري نحو 390,000 لاجيء ريفي إلي الضفة الغربية وقطاع غزة، أو تدفقوا برا أو
بحرا إلي الدول العربية المجاورة.
وشكل لاجئو الريف هؤلاء أكثرمن نصف اللاجئين الذين
شردتهم حرب 1948، أما الباقي فهم من لاجئي المدن والبلدات السابق ذكرها ( 254,000 تقريبا ) فضلا عن 70,000 إلي 100,000 بدوي شبه متوطن . كما بلغ
مجموع اللاجئين جرّاء الحرب من الريف والمدن 54% من مجموع سكان فلسطين العرب أيام
الانتداب. كما بلغت مساحة أراضي القري الفلسطينية التي تم تقاسمها سريعا بين
المستعمرات اليهودية، قديمها وحديثها، ستة ملايين دونم تقريبا.
وهذه
الأرقام تبين مدي الكارثة التي حلّت بسكان الريف الفلسطيني الواقع داخل الحدود التي
أنشأتها إسرائيل في سنة 1948 .
وكثير
من هذه القري لاذكر لها في التاريخ، لكن قري كثيرة أخري شهدت معارك كبري، أو مرت
بها جيوش عظيمة، أو زارها أحد الخلفاء أو السلاطين وسخا عليها ببعض المباني أو
المنشآت. كما برز من بعضها الآخر نفر من أهل العلم، أو أرباب الحكم، أو أصحاب
الطرق من المتصوفة، وزار عددا غير قليل منها خلال العصور الوسطي وما بعدها رحالة
من البلاد العربية القريبة أو من البلاد الإسلامية القصية
في
طريقهم إلي القدس أو دمشق أو القاهرة. وترك بعضهم لنا إنطباعات عن تلك الرحلات
باللغة العربية أو التركية أو الفارسية. ويفصّل سجل ضرائب عثماني دُوّن في أواخر
القرن السادس عشر المنتوجات الخاضعة للضريبة في 145 قرية من القري 418، ويتبين من
هذا، ومن غيره من القرائن المكتوبة، أن هذه القري كانت في معظمها قائمة، ومعروفة
بأسمائها العربية أو المعربة منذ قرون عدة قبل سنة 1948. كما تشهد البقايا الأثرية
علي أن هذه المواضع استمرت آهلة منذ أقدم العصور.
واغتصاب
ممتلكات سكان هذه القري لم ينزل بسكان عابرين أو رُحّل، وإنما بمجتمع زراعي أصيل
عميق الجذور كأي مجتمع آخر في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وجدير
بالملاحظة أن الكتاب استند في تعداد أسماء القري الـ 418 علي "معجم فلسطين
الجغرافي المفهرس" وهو أشمل المصادر المتاحة، ولم يستخدم إلا قليلا جدا،
ويحوي هذا المعجم الذي أعدته إدارة المساحة في حكومة فلسطين 1945 عشرة آلاف ونيّف
من أسماء المواضع، مرتبة وفق أحرف الهجاء، ومصنفة إلي حوالي 36 فئة منها ( القرية،
والمزرعة، والمنزل، والوادي، والجسر، والكهف، والموقع الأثري، والمستنقع ).
وطوبقت
القائمة النهائية لأسماء القري والمزارع علي أسماء القري المدرجة في "
الإحصاءات القروية 1945 " وهو آخر إحصاء للسكان وملكية الأرض قامت به سلطة
الإنتداب البريطاني.
وجرت
المقارنة أيضا بكتاب "إحصاء سكان فلسطين 1931" وهو آخر إحصاء للسكان تم
في فلسطين أيام الإنتداب، وتمت الاستعانة ببعض الكتب الأخري لاستكمال الموضوع.
ولم
يهمل الكتاب شيئا من تفاصيل القري مما يشجع المخيلات علي تجسيدها في مشاهد تضيء وجه فلسطين
الباهي في أطهر نقطة من وجداننا، لما يحفل به من صور حميمة للأماكن، والبشر الذين
عمّروا البساتين بكدّهم، وملأوا البيادر بالمحاصيل، ولونوا بيوتهم بالأحلام.
وفي
نهايته ستة ملاحق لشرح المصطلحات، وضبط التسلسل الزمني لأهم الأحداث في التاريخ
الفلسطيني منذ أقدم العصور حتي سنة 1949، والعدد الإجمالي للاجئين من المدن
والريف، والقري الفلسطينية التي هُجّر سكانها سنة 1948( مقارنة بين المصادر)،
وخامسها للمستعمرات الإسرائيلية التي أقيمت علي أراضي القري الفلسطينية
وانتماءاتها السياسية، أما الملحق السادس والأخير فخصص لشهداء وجرحي حرب 1947/1948،
إضافة لمصادر الصور، وقائمة بالمصادر والمراجع، وفهرس تذيله خريطة بأماكن وأسماء القري
.
وهذا
كتاب ليس كغيره من الكتب الوثائقية، فهو لايحيي الحقائق فقط، بل يحفظها ويغلق
عليها القلوب لتستدفئ برائحة الوطن، الذي قيّض له الله هؤلاء الباحثين المخلصين
ليحفظوه من الضياع، كما نثق أن ثمة من سيعيد بناء هذه القري والمدن مرة أخري علي
أنقاض المستعمرات الصهيونية إن شاء الله، وليعلم من يقبل بإسقاط حق عودة اللاجئين
إلي أراضيهم أن الحقوق ستعود لأصحابها مهما طال الزمن، والتنازلات لن تغير الحقائق،
فالأوطان لا تسقط بالتقادم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق