في رحيل يوسف أبو رية !
كعادتها .. لا تأتي الأحزان
فرادي !
والموت لايمهل أحدا .. ورحيل
الأخيار له وطأُ شديد
ألم تكن آلام غزة وحدها كافية
لصبغ حياتنا بلون الحداد
كأن مضاعفات الشيخوخة كانت قليلة
علي "محمود أمين العالم" .. لتضرب جسده الواهن سكتة قلبية
ولأنها هكذا .. لا تأتي فرادي
..!
وقبل انطباع الحزن علي جدار
القلب .. رحل "يوسف أبو رية"
أنبأنا صوته قبل موته بأيام ..
لكن القلوب بطبعها تأبي غياب الطيبين
لم يخبر كل أصدقاءه أنه مكبود
إلا حين بشّره الطبيب بأن الدواء حاصر الورم في نقطة ضئيلة، ولا ينقصه إلا فصِّ من
كبد سليم
أمعن في توزيع التفاؤل علينا ..
والوحش كامن !
تظاهر بالتماسك، لكنه لم يستطع
إخفاء الفزع في عينيه، وبمجرد التفاته كان الجميع يمسكون قلوبهم ويلهجون بالدعاء.
كان يردد بفرح : هذا علاج جديد
في مصر .. فرّ منه السرطان .. وانحسر في نقطة يمكن استئصالها وتعويضها بفصِّ صغير
"!.
لكن الوحش كان له رأي آخر ..
فتراجعه لا يعني غير التجهز للهجوم الأخير.
فلا الأدعية أفلحت ولا الدواء
!!
قدم له شقيقه ابنيه بنبل صادق
ليأخذ من أيهما ما يكفي لترميم كبده
قبل أن يدخل المستشفي منحنا
جميعا فرصة للهرب من النظر في عينيه .. حيث يتمدد الرعب والهواجس، والتمس في
عيوننا الدعاء
وأثبتت التحاليل أن أنسجة ابنيّ
أخيه لاتصلح للتبرع بالفص فتداعت المضاعفات، وانهار تفاؤله الهش، وبدا صوته مُودعاً،
يؤذن بالرحيل
كأنه كان يستشعر دنو أجله قبل
ظهور أعراض المرض، فبني لنفسه مقبرة قرب مدافن الأسرة، لارتباطه بههيا ورغبته
العميقة في العودة إليها .
امتلأ وعيه المبكر بالفقراء،
فاحتفي بهم في أعماله، وكان يرفض بإخلاص استبدال ألق كلمة "الكادحين"
بمفردة بلاستيكية باردة اسمها "محدودي الدخل"، فكيف يوضع صناع الحياة
علي هامشها !
اختار الكتابة عن الأجير في
طاحونة أبيه بمحبة فائقة "أكثر من الكتابة عن الأب ذاته الذي حمل في سلوكه
نزعة طاغية في حدود وضعه الطبقي".
ومن فرط حنوه عليهم تمثلهم في
الموت بالكبد، تماما مثل تشيكوف الذي أصابه السُل ومات مصدورا كالبسطاء الذين
انشغل بهم في كتاباته وحياته
فكيف يعرف هذه المعاني من يرون
الحياة أرقاما وحسابات، وهم لايدركون أهمية الأدب، ولاتعنيهم حياة الأدباء،
ولايقدرون فداحة إحساسهم بالعجز وهم يرون مرضاهم يتساقطون أمامهم، بينما هدية حاكم
الشارقة لأدباء مصر التي يؤكد البعض أنها 20 مليون دولار محتجزة لدي وزارة
المالية.
مات الشاعر محمد الحسيني مكبودا
أيضا قبل شهر تقريبا، ولم يرف لأحدهم طرفا، باعتباره واحدا من ملايين مثله.
" اقتلوا يوسف أو اطرحوه
أرضا ..."
في سرادق العزاء ببلده
"ههيا" بالقرب من طاحونة أبو رية، ـ ولم يكن هناك من كُتّاب القاهرة غير
"عزت القمحاوي" ـ اختار المقرئ سورة يوسف وحلت له آية : " وتولي
عنهم وقال يا أسفي علي يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم "!
وردد ".. يا أسفي علي يوسف .." !
أسامة
الرحيمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق